المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 5
  • برهوم جرايسي

استعرضت بعض الصحافة الإسرائيلية، في الأيام الأخيرة، وبمناسبة رأس السنة العبرية، الذي حلّ في أواسط الشهر الجاري، أيلول، معطيات اقتصادية، تسعى لخلق صورة "ازدهار اقتصادي"، مرتكزة على حجم الاقتصاد ككل، وتحقيق نمو، ولجم التضخم المالي، وتعزيز قيمة الشيكل، على الرغم من استمرار الأجواء الحربية في البلاد، للسنة الثالثة على التوالي، إلا أن هذه المعطيات أغفلت جانب العبء المالي على الموازنة العامة، التي سيكون على كل حكومة جديدة، مستقرة، قد تنشأ بعد انتخابات 27 تشرين الأول المقبل، أن تعد سلسلة إجراءات تقشفية، لتقليص الدين العام، وتسدد في المقابل فاتورة الحرب، التي ما تزال عالية، وتتطلب ميزانيات أكبر، كذلك فإن معطيات "الازدهار" المزعوم، تصطدم بحقيقة استمرار الهجرة من إسرائيل، التي سجلت نسبة تكاثر سكاني متدنية للسنة الرابعة على التوالي.

لجم التضخم بعد 4 سنوات وتراجع الفائدة

فعلى صعيد التضخم المالي (مؤشر الغلاء)، يؤكد التقرير الأخير الصادر عن مكتب الإحصاءالمركزي، في الأسبوع الماضي، عن شهر آب الماضي، أنه تم لجمه في العام الجاري، إذا لم تحدث مفاجآت، في الأشهر الأربعة المتبقية، إذ من المتوقع أن ينتهي العام الجاري بتضخم مالي، يقل عن منتصف مجال التضخم الذي حددته السياسة الاقتصادية الإسرائيلية، في سنوات الألفين، وهو ما بين 1% إلى 3%، وبحسب تقديرات بنك إسرائيل المركزي، فإن التضخم سيكون في العام الجاري حوالي 1.8%.

فقد أعلن مكتب الإحصاء أن التضخم المالي قد ارتفع في شهر آب الماضي بنسبة 0.7%،ومنذ مطلع العام الجاري ارتفع بنسبة 2.2%، وفي حسابات الأشهر الـ 12 الأخيرة، بقي التضخم عند نسبة 1.5%، لأن التضخم ارتفع بنفس نسبة ارتفاعه في ذات الشهر من العام الماضي.

وتأثر التضخم في الشهر الماضي من الإنفاق على نقاهة الصيف، وخاصة السفر إلى الخارج، وارتفاع أسعار الوقود.

وفي عودة للتضخم في السنوات الأربع الماضية، نرى أنه تم بالفعل لجم التضخم واعادته إلى المجال الذي حددته السياسة الاقتصادية، ففي العام الماضي، 2025، كانت نسبة التضخم في الأشهر الثمانية الأولى 3.2% وفي العام كله كانت 2.6%، وفي العام 2024، كانت نسبة التضخم في الأشهر الثمانية الأولى 3.6% وفي العام كله كانت 3.2%، وفي العام 2023، كانت نسبة التضخم في الأشهر الثمانية الأولى 3.1% وفي العام كله كانت 3%، بعد أن سجل التضخم في العام 2022، نسبة إجمالية 5.3%.

وانعكس هذا الأمر على تراجع نسبة الفائدة الأساسية التي يقرها بنك إسرائيل، بنسبة 1.25% خلال 11 شهرا، من 6% فائدة إجمالية في تشرين الأول 2025 (4.5% تضاف لها 1.5% ثابتة)، إلى 4.75% في مطلع أيلول الجاري.

ارتفاع قيمة الشيكل وحجم الاقتصاد

كذلك، فإن ما يمكن تسميته بـ "لغز" العملة المحلية، الشيكل، ما زال مستمرا ويتعمق، والقصد تعزيز قيمة الشيكل أمام الدولار، وسائر العملات العالمية، وهو الأمر الذي لم يتم طرح تفسير متكامل، وثابت، لمسألة ارتفاع قيمة الشيكل، على الرغم من أجواء الحرب وارتفاع المديونية العامة، ففي الشهرين الأولين للحرب، تراجعت قيمة الشيكل بنسبة 6%، لكن منذ ذلك الحين، وحتى نهاية الأسبوع الماضي، بمعنى خلال أقل من 3 سنوات، ارتفعت قيمة الشيكل بالمعدل بنحو 22%، ولو كانت المقارنة قبل 6 أشهر، في أوج الحرب على إيران، لكانت النسبة أعلى. وخلال الأشهر الـ 12 الأخيرة وحدها، بمعنى العام العبري، ارتفعت قيمة الشيكل بنسبة تقارب 12%.

وهذا يسري على باقي العملات العالمية، بنسبة شبيهة، مثل اليورو والباوند البريطاني، والين الياباني. 

ومن المعطيات التي تم استعراضها حجم الاقتصاد الإسرائيلي، الذي بات يلامس ما قيمته 2 ترليون و100 مليار شيكل (2100 مليار شيكل)، لكن حين يتم ترجمة هذا المبلغ بالدولار، وبسبب الارتفاع الحاد بقيمة الشيكل، فإن حجم الاقتصاد يتجاوز 692 مليار دولار، ما يضع إسرائيل في المرتبة الثامنة، في دول منظمة التعاون والتنمية الدولية، OECD، من حيث حصة الفرد من الناتج، بالدولار.

لكن ما يجب الإشارة له، أن نسبة الصناعة العسكرية، والصرف العسكري، الذي يدخل ضمن حجم الاقتصاد، أعلى نسبة جدية، مما هي الحال في دول OECD، وإذا كانت الحسابات من دون كل ما يتعلق بالعسكرة، لكانت مكانة الاقتصاد الإسرائيلي، أقل مما يتم عرضه.

عبء الدين العام

حسب آخر تقرير صدر في مطلع الشهر الجاري، عن سلطة الضرائب الإسرائيلية، فإن الدين الإسرائيلي العام قفز حتى نهاية شهر آب الماضي (8 أشهر منذ مطلع العام) إلى 1.4 ألف مليار شيكل (ترليون و400 مليار شيكل)، وهذا ما يعادل 467 مليار دولار. وفي سنوات الحرب الثلاث، قفز الدين العام بقيمة 360 مليار شيكل، بمعنى 120 مليار دولار، وعلى الرغم من هذا، فقد حصل حتى نهاية آب الماضي تراجع طفيف في نسبة الدين العام، من الناتج العام، 68.5%، مقابل 69% في التقرير الشهري الذي سبق، علما أنه عشية شن الحرب، في تشرين الأول 2023، كانت نسبة الدين العام من حجم الناتج العام تلامس نسبة 60%.

وارتفاع نسبة الدين من الناتج العام، إضافة إلى حالة الحرب وحالة عدم اليقين، دفعت مؤسسات الاعتماد المالي العالمية إلى خفض تدريج إسرائيل أمام المؤسسات المالية العالمية، ما أدى إلى رفع نسب الفوائد على ديونها، وهذا ما يزيد العبء المالي على الموازنة الإسرائيلية العامة.

وكما ذكر، فإنه أمام استمرار ارتفاع فاتورة الجيش الذي يريد إعادة ملء مخزون الأسلحة والعتاد، ورفع الجاهزية أكبر، أمام استمرار حالة الحرب، فإن الحكومة المقبلة سيكون عليها اتخاذ إجراءات تقشفية، لتسديد فاتورة الجيش، ولجم الدين العام، والبدء في خفضه، كمّا، وأيضا من حيث نسبته من الناتج العام، وهذه الإجراءات ستعني تقليصا في الميزانيات الاجتماعية، والمشاريع البنيوية الكبرى، والأبرز استمرار السياسة الضريبية العالية، وعدم خفضها، على الأقل في السنوات القليلة المقبلة، وهذا كله سيكون عبئا على الجمهور.

تدنّي التكاثر السكاني وتزايد الهجرة العكسية

لكن هذه "الصورة الوردية" للاقتصاد الإسرائيلي، تطرح تلقائيا السؤال: لما الهجرة من إسرائيل في تزايد، وللسنة الرابعة على التوالي؟ فهل الحروب وحدها هي فقط التي تجعل الناس تغادر؟ بطبيعة الحال فإن الحروب هي عامل رئيس، لكن تضاف لها الأوضاع الاقتصادية، وأزمة سوق العمل، على الرغم من البطالة المتدنية جدا، مقارنة مع نسب البطالة في الدول المتطورة، وتكمن الأزمة في قلة المردود المالي في الوظائف العصرية، وأولها قطاع التقنية العالية، وأيضا الطب، مثل هجرة الأطباء، الذين لا يجد آلاف عديدة منهم، وبينهم عرب، أماكن عمل، أو ظروف عمل ملائمة، فيبحثون عن فرص عمل في الخارج.

فعشية رأس السنة العبرية، التي حلت هذا العام يوم 12 أيلول الجاري (تقويم قمري متحرك يتم بحسبه إضافة شهر كل 3 سنوات)، أعلن مكتب الإحصاء المركزي أن عدد سكان إسرائيل، عند صدور التقرير، بلغ 10 ملايين و305 آلاف نسمة، وهذا يشمل الفلسطينيين في القدس المحتلة، والسوريين في الجولان السوري المحتل، غير المجنسين، بمعنى حسب تقديرات غير رسمية، فإن عدد السكان من دون هاتين المنطقتين، بات تقريبا 9 ملايين و935 ألف نسمة.

وفي تقديرنا، أن في القدس المحتلة حاليا أكثر بقليل من 400 ألف فلسطيني، من بينهم، وأيضا حسب التقديرات، حوالي 37 ألفا يحملون الجنسية الإسرائيلية، إما لكونهم انتقلوا إلى القدس من مناطق أخرى، وأيضا أهالي قرية بيت صفافا، أو الذين طلبوا وحصلوا على الجنسية، كذلك حسب التقديرات، ما زال بضعة آلاف من السوريين لم يطلبوا الجنسية الإسرائيلية.

وهذا يعني حسب تقديرنا أن عدد فلسطينيي 48، بات في هذه المرحلة، حوالي 1.865 مليون نسمة، ويشكلون ما نسبته 18.77% من المواطنين، من دون القدس والجولان.

كما ورد في التقرير أن عدد اليهود، واليهود الذين لا تعترف المؤسسة الدينية بيهوديتهم، حوالي 7.828 مليون نسمة، إضافة إلى 304 آلاف أجنبي.

وقال التقرير إن نسبة التكاثر في السنة العبرية، بمعنى من أيلول 2025 وحتى أيلول الجاري، بلغت 1.2%، وعلى الأغلب أن هذه النسبة ستبقى على حالها حتى نهاية العام الجاري 2026، أو لربما مع فارق طفيف جدا في كلا الاتجاهين.

وهذا يعني أنه للسنة الرابعة على التوالي، تشهد إسرائيل نسبة تكاثر سكاني متدنية جدا، مقارنة مع السنوات التي سبقت، إذ بلغت نسبة التكاثر في العامين الميلاديين الماضيين 2025 و2024، حوالي 1.1% في كل عام منهما، وفي العام 2023 بلغت 1.3%، في حين أن معدل التكاثر في السنوات العشر التي سبقت هذه الأعوام تراوحت ما بين 1.8% وحتى 2%.

ولا تظهر تغيرات جدية في أعداد الولادات والوفيات، إذ بقيت عند معدلها السنوي، 182 ألف ولادة، وحوالي 50 ألف وفيات، وفي هذا زيادة محدودة ببضعة آلاف عن معدل السنوات الأخيرة، وهذا يعود إلى ارتفاع معدل الأعمار، وازدياد شريحة المسنين المتقدمين في العمر.

ولهذا فإن تدني نسبة التكاثر الطبيعي يعود إلى احصائيات الهجرة، وبحسب التقرير، فإنه في العام العبري المنصرم، هاجر إلى إسرائيل 24 ألف شخص، وهذا أقل بكثير من معدل الهجرة السنوية الاعتيادية إلى إسرائيل، وعاد إلى البلاد بعد طول غياب 21 ألف نسمة، لكن غادر إسرائيل مع توجهات نحو غياب لأمد طويل يدخل في تعريف الهجرة، 57 ألف نسمة، بمعنى أن ميزان الهجرة كان "سلبيا" بحوالي 8 آلاف شخص.

وكان تقرير إسرائيلي آخر صدر في الأسابيع القليلة الأخيرة، قد تحدث عن مغادرة حوالي 269 ألف شخص إسرائيل، منذ الربع الأخير من العام 2023، بمعنى خلال 3 سنوات تقريبا.

المصطلحات المستخدمة:

الشيكل

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات