تؤكد تحليلات إسرائيلية عديدة أن "إسرائيل توقفت عن التفكير سياسيًا بشأن القضية الفلسطينية، وأن تحركاتها باتت تهدف إلى فرض وقائع على الأرض، من شأنها تحييد إمكان الانفصال الإقليمي والديموغرافي عن الفلسطينيين مستقبلًا"، كما ورد مثلًا في الأيام الأخيرة في تقدير موقف جديد صادر عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب سلط الضوء، بالأساس، على مخططات البناء في منطقة E1 التي جعل موقعها الاستراتيجي أي بناء فيها، على مرّ الزمن، محورًا لخلاف سياسي بين إسرائيل والولايات المتحدة ودول أوروبا ودول عربية.
أشرنا الأسبوع الماضي إلى أنه على خلفية تطوّرات ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تتواصل عملية تقييم الهوية السياسية والعسكرية لإسرائيل الحالية، وفحص ما إذا كانت الممارسات العسكرية في الحرب على قطاع غزة، التي اتجهت نحو الإبادة والتهجير والتدمير الشامل، هي نتاج أيديولوجيا تأسيسية أم محصلة ظروف أمنية وسياسية استثنائية توازت مع تحوّلات سياسية أخيرة داخل إسرائيل ولا سيما صعود اليمين القومي الديني المتطرّف إلى مراكز اتخاذ القرار، أكثر من ارتباطها بـ "الصهيونية المؤسسة" التي قامت عليها الدولة في عقودها الأولى.
تُثار على نحو متواتر، في غمرة سجالات فكرية وسياسية داخل إسرائيل خلال الفترة الأخيرة، وعلى خلفية تطوّرات ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مسألتان يجدر تسليط الضوء عليهما:
- الأولى، تبنّي مفهوم أو عقيدة أمنية جديدة تركّز، بالأساس، على تجاوز العقيدة التقليدية التي اعتمدت لعدة عقود على الردع، والإنذار المبكر، والدفاع، والإحراز السريع للنصر.
- الثانية، تقييم الهوية السياسية والعسكرية لإسرائيل، وفحص ما إذا كانت الممارسات العسكرية في حرب غزة، التي اتجهت نحو الإبادة والتهجير والتدمير الشامل، هي نتاج أيديولوجيا تأسيسية أم محصلة ظروف أمنية وسياسية استثنائية توازت مع تحوّلات سياسية أخيرة داخل إسرائيل ولا سيما صعود اليمين القومي الديني المتطرّف إلى مراكز اتخاذ القرار، أكثر من ارتباطها بـ "الصهيونية المؤسسة" التي قامت عليها الدولة في عقودها الأولى.
تشير آخر التقديرات السائدة في إسرائيل بشأن آخر الأوضاع في مناطق الضفة الغربيّة إلى أن مجموعة كبيرة من القيادة السياسية في إسرائيل لديها الرغبة في دفع الأوضاع في الضفة الغربية نحو مزيدٍ من التدهور، على أعتاب الانتخابات التي لم يتبق عليها سوى أقلّ من شهرين. وبحسب ما كتبت صحيفة "معاريف" بصريح العبارة قبل أيام معدودة: "هناك مَن يُجري حسابات مفادها بأن اندلاع مواجهات في الضفة الغربية ربما يغيّر الخريطة السياسية".
وتشير الصحيفة نفسها، من دون أدنى تردّد، إلى أن ما يحدث ميدانيًا في الضفة هو حالة من الفوضى، وكذلك إلى أن الأجهزة الأمنية تقف وراء أعمال العنف التي يقوم بها المستوطنون، بدءًا من قيادة المنطقة العسكرية الوسطى في الجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية، مرورًا بجهاز الأمن العام ("الشاباك")، وصولًا إلى شرطة لواء الضفة الغربية، والتي أصبحت غير ذات صلة منذ فترة طويلة.
أقرّت معظم القراءات الإسرائيلية بأن فوز الدكتور عبدول السيّد (عبد الرحمن السيّد)، قبل عدة أيام، ببطاقة ترشيح الحزب الديمقراطي الأميركي لانتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان هو بمثابة "منعطف ملفت" في السياسة الداخلية الأميركية، ومن المحتمل أن تكون له تداعيات واضحة على طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ورأى بعضها أن هذه العلاقات تتجّه أكثر فأكثر نحو استقطاب أعمق، بحيث يظل الحزب الجمهوري داعمًا مطلقًا لإسرائيل، بينما يزداد التوتر والفجوة التنظيمية مع قيادات وقواعد الحزب الديمقراطي الشابة.
تتوقع أغلب التقديرات الإسرائيلية السائدة فيما يتعلق بموقف أوروبا حيال ما تقوم به إسرائيل من ممارسات تجاه الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة منذ 1967 وتجاه القضية الفلسطينية عمومًا، بأن يبقى المسار الأكثر ترجيحًا منحصرًا في التشديد على التمييز بين إسرائيل والمستوطنات في أراضي 1967، وعدم الانتقال إلى فرض عقوبات شاملة على إسرائيل. ويُشار في هذا الصدد إلى أنه منذ العام 2013 توجد توجيهات لدى الاتحاد الأوروبي تحدّ من استخدام أموال الاتحاد في النشاطات الإسرائيلية الواقعة وراء الخط الأخضر، ولا يُعدّ ذلك في قراءة إسرائيل مقاطعة أوروبية بل سياسة تمييز بين إسرائيل والمستوطنات. والاعتقاد المتداول في إسرائيل هو أنه على مستوى الاتحاد الأوروبي فإن أسهل خطوة من الناحية السياسية هي الاستمرار في إضافة أشخاص ومنظمات وهيئات تمويل، بل وحتى سياسيين إسرائيليين مرتبطين بالنشاط وراء الخط الأخضر، إلى قائمة هذه العقوبات. وهذا يتطلب موافقة جميع الدول الأعضاء، ولكن يُنظر إليه على أنه خطوة موجهة ضد جهات محددة، وليس عقابًا لإسرائيل بأكملها.
الصفحة 1 من 57