قبل أقل من عشرة أيام على الانتخابات الإسرائيلية العامة، من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى ما تطرحه أحزاب المعارضة المتكتلة ضمن ما يُعرف بـ"معسكر التغيير"، الذي يتمحور هدفه السياسي المباشر حول إزاحة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن الحكم. غير أن أهمية برامج هذه الأحزاب لا تقتصر على كيفية إدارة الحرب أو التعامل مع التحديات الأمنية المباشرة، بل تمتد إلى أسئلة أكثر جوهرية تتعلق بمستقبل المشروع السياسي الإسرائيلي: ماذا تريد إسرائيل من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967؟ وهل ثمة استعداد لدى هذه الأحزاب لتسوية سياسية مع الفلسطينيين؟ وما مصير قطاع غزة: هل يعود إلى حكم فلسطيني، أم يبقى خاضعًا لترتيبات أمنية إسرائيلية، أم تُنقل مسؤولية إدارته إلى أطراف عربية ودولية؟.
تتراكم يومًا بعد يوم، بل ساعةً بعد ساعة، مؤشرات إلى تصاعد ما يمكن اعتبارها من دون مبالغة حرب الضم وتوسعة الاستيطان التي تشنها الحكومة الإسرائيلية الحالية على الضفة الغربية والتي تشهد تأجيجًا على أعتاب الانتخابات الوشيكة (يوم 27 الشهر الحالي) باعتبارها من الأصول والأرصدة التي يستأثر بها اليمين المتطرف من أجل زيادة التصويت له وضمان بقائه في سدة الحكم.
تواصل استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية بث توقعات تقلّل من وزن كتلتي اليهود الحريديم البرلماني في ولاية الكنيست المقبل، وبشكل خاص الانتقاص بشكل حاد من قوة حركة شاس للمتدينين المتزمتين (الحريديم) الشرقيين، من 11 مقعدًا في الانتخابات السابقة، التي جرت يوم 1 تشرين الثاني 2022، إلى 7 مقاعد، وهذا في الغالبية الساحقة من هذه الاستطلاعات، في الأسبوعين الأخيرين، على وجه التحديد، إلا أنه مع الأخذ بعين الاعتبار الواقع الديمغرافي للحريديم، بتكاثرهم بنسبة أكثر من 2.5 ضعف من نسبة تكاثر السكان عامة، وأيضا منهجية التصويت عند جمهور الحريديم، من حيث نسبة التصويت، التي تفوق بنحو 25% من النسبة العامة لغير الحريديم، وأيضا التزامهم بالتصويت لقائمتي الحريديم في العقود الأربعة الأخيرة، يمكن تأكيد أن استطلاعات الرأي العام هذه ليست دقيقة في هذه النتيجة، وكل نتيجة أعلى من شأنها أن تغيّر في واقع تقاسم المعسكرات.
تؤكد تحليلات إسرائيلية عديدة أن "إسرائيل توقفت عن التفكير سياسيًا بشأن القضية الفلسطينية، وأن تحركاتها باتت تهدف إلى فرض وقائع على الأرض، من شأنها تحييد إمكان الانفصال الإقليمي والديموغرافي عن الفلسطينيين مستقبلًا"، كما ورد مثلًا في الأيام الأخيرة في تقدير موقف جديد صادر عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب سلط الضوء، بالأساس، على مخططات البناء في منطقة E1 التي جعل موقعها الاستراتيجي أي بناء فيها، على مرّ الزمن، محورًا لخلاف سياسي بين إسرائيل والولايات المتحدة ودول أوروبا ودول عربية.
أشرنا الأسبوع الماضي إلى أنه على خلفية تطوّرات ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تتواصل عملية تقييم الهوية السياسية والعسكرية لإسرائيل الحالية، وفحص ما إذا كانت الممارسات العسكرية في الحرب على قطاع غزة، التي اتجهت نحو الإبادة والتهجير والتدمير الشامل، هي نتاج أيديولوجيا تأسيسية أم محصلة ظروف أمنية وسياسية استثنائية توازت مع تحوّلات سياسية أخيرة داخل إسرائيل ولا سيما صعود اليمين القومي الديني المتطرّف إلى مراكز اتخاذ القرار، أكثر من ارتباطها بـ "الصهيونية المؤسسة" التي قامت عليها الدولة في عقودها الأولى.
الصفحة 1 من 57