إلى جانب الجدالات التي تشهدها الحلبة السياسية والحزبية في إسرائيل بشأن ما آلت إليه الحرب على إيران ولبنان، تتصاعد الانتقادات الحادّة حيال سلسلة التعيينات الأخيرة التي دفع قدمًا بها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ولا سيما من جانب أحزاب المعارضة، والأوساط القانونية. وتنطلق هذه الانتقادات من رؤية مؤداها أن هذه التعيينات ليست مجرد خطوات إدارية بل هي جزء من استراتيجية أعمق تهدف إلى تحقيق عدة مرامٍ مترابطة. ويمكن القول إن الغاية الأبرز هي تفكيك أجهزة المراقبة والمحاسبة، حسبما تجلّى ذلك مثلًا في الآونة الأخيرة في النقاش الذي دار حول تعيين ميخائيل رافيلو، المحامي الشخصي لنتنياهو وعائلته، في منصب مراقب الدولة، والذي أشارت المحكمة الإسرائيلية العليا إلى أن عملية انتخابه في الكنيست شابتها عدة إجراءات مشبوهة أبرزها أن أعضاء كنيست من حزب الليكود تلقوا تعليمات بتصوير أنفسهم في أثناء الاقتراع خلف الستار، في خطوة اعتبرت مخالفة لسرية التصويت.
لعل أبرز ما طغى على التحليلات الإسرائيلية هو الإجماع الواسع على أن توصّل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق بشأن نهاية المواجهة العسكرية فيما بينهما يلحق بإسرائيل خسارة استراتيجية. ويمكن العثور على عدة مسوّغات تقف وراء هذا الإجماع، في مقدمها مسوّغان جوهريان: الأول، النواقص الكبيرة التي ينطوي عليها الاتفاق، والثاني، الربط مع الساحة اللبنانية لا سيما وأن إسرائيل لم تحقّق إنجازات استراتيجية بارزة في هذه الساحة الأخيرة. وبالنسبة إلى هذا المسوّغ الثاني، يُشار على وجه الخصوص إلى نجاح إيران في ربط قضية حزب الله ولبنان بملفها الخاص، الأمر الذي من شأنه أن يحدّ عاجلًا أم آجلًا من حريّة عمل الجيش الإسرائيلي في الشمال، وأن تصبح إسرائيل أكثر تقييدًا مما كانت عليه قبل الحرب.
وصف المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل آخر المُستجدات المتعلقة بالعمليات العسكرية العدوانية التي تقوم بها إسرائيل في لبنان بأنها تشف عن حالة جمود نازفة أو دموية، معتبرًا أن الخسائر التي تكبدتها في صفوف قواتها خلال الأسبوع الأخير تجعله بمثابة الأسبوع الأصعب في لبنان منذ شهر آذار الماضي، وهو أيضًا الثمن الذي تدفعه في مقابل استمرار القتال في لبنان، ضمن حملة عسكرية لم تتضح أهدافها بالكامل، وتُدار فيها القوة العسكرية الإسرائيلية في ظل قيودٍ فرضتها الولايات المتحدة (7/6/2026).
مع أن الوجود الفعلي للكهانيّة في حكومة بنيامين نتنياهو الحالية يتمثل بشكل مباشر من خلال حزب "عوتسما يهوديت" ("قوة يهودية") بزعامة إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، فإن كثيرين من المحللين السياسيين وغيرهم من كتاب الرأي في إسرائيل يصفونها بأنها "حكومة كهانيّة". ويقصدون بـ "الكهانيّة" ذلك الإرث الأيديولوجي للحاخام المقتول مئير كهانا، مؤسس حركة "كاخ" التي تم حظرها، الذي كان يدعو إلى تهجير العرب قسريًا، وإقامة دولة شريعة دينية يهودية نقية، بيولوجيًا وقانونيًا.
توقعت أغلب التحليلات الإسرائيلية التي تناولت عملية اغتيال عز الدين الحداد، القائد العام لكتائب القسّام- الجناح العسكري لحركة حماس في قطاع غزة، يوم الجمعة الفائت، بأنها قد تكون بمثابة الطلقة الأولى لتجدُّد الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة. في ضوء ذلك يُطرح السؤال: ما الذي ينتظر القطاع في المستقبل المنظور في إثر عملية الاغتيال هذه ولكن ليس على خلفيتها فقط إنما أيضًا نتيجة وجود حالة يمكن توصيفها بانها مُعلّقة في ما يخص "اليوم التالي" في القطاع؟[1]
اتسمت ذكرى مرور شهر على الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في إسرائيل (بدأت يوم 28 شباط الماضي)، ربما أكثر من أي شيء آخر، بتوقع حدوث تصعيد مع انتهاء الإنذار الذي حدّده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يوم 6 نيسان المقبل، والذي خاطب فيه حكام طهران قائلاً: "اقبلوا شروط الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، وإلا فإن نار الجحيم ستحلّ بكم".
غير أنه بموازاة ذلك برزت محاولات عدة لتقديم إجمال مرحلي للحرب.
الصفحة 1 من 55