المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 10
  • هشام نفاع

أصدر معهد الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست الإسرائيلي وثيقة تناولت جوانب قانونية وتطبيقية، فيما يخص الشفافية والقيود الأخرى المفروضة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في سياق الانتخابات، وشملت عرضًا مقارنًا لتشريعات في دول مختلفة، لتحديد الوضع الحالي في إسرائيل.

يشير البحث بدايةً إلى أنه في الدول التي تُعدّ فيها الانتخابات الحرة والدورية سمة مركزية للديمقراطية، سُجّلت في السنوات الأخيرة محاولات مختلفة للمساس بالبنى التحتية للتصويت، وتعطيل العملية الانتخابية نفسها، والتأثير في مواقف الجمهور، وتقويض الثقة بها. وتتيح أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) قفزة نوعية في القدرة على تشويش العملية الانتخابية؛ إذ تتيح إنشاء معلومات زائفة ونشرها بسرعة وبسهولة وبصورة مقنعة، وتسهّل إنتاج محتوى اصطناعي على نطاق واسع.

ويجري التمييز عادةً بين «التأثير الأجنبي الخبيث» من جانب جهات أجنبية، وبين «التأثير الداخلي غير المشروع» من جانب جهات محلية. وتعرّف لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية «التأثير غير المشروع» على عملية الانتخابات بأنه نشاط متعمد يسعى إلى تشكيل العملية الانتخابية أو تحريفها أو تعطيلها، أو إلى التلاعب بالنقاش العام أو تضليله.

في مخاطر الاستخدام التلاعبي لأدوات الذكاء الاصطناعي

تشمل المخاطر المباشرة على العملية الانتخابية، من بين أمور أخرى، كما ترد في البحث: نشر معلومات كاذبة بشأن موعد التصويت أو مكانه؛ إنشاء سجلات انتخابية مزيفة؛ انتحال صفة موظفي لجنة الانتخابات؛ شن هجمات تصيد موجّهة (Phishing) ضد موظفي اللجنة بهدف تعطيل العملية؛ استنساخ الصوت (Voice Cloning) وإنشاء مكالمات مزيفة تهدف إلى إغراق مراكز الخدمة.

أما المخاطر التي تهدّد المرشحين للانتخابات أو العملية الانتخابية فتشمل إنشاء تسجيلات صوتية أو مرئية مزيفة لمرشح انتخابي بهدف نسب تصريحات إليه تتعارض مع موقفه السياسي، وهو ما يُعرف باسم «التزييف العميق» (Deepfake). ويمكن استخدام التزييف العميق لمرشح انتخابي لخلق انطباع كاذب بشأن تصريحاته، أو مواقفه، أو أفعاله، بما قد يقوّض الثقة به ويؤثر في فرص انتخابه.

ومن المخاطر الأخرى استخدام الروبوتات وأدوات الذكاء الاصطناعي لخلق انطباع زائف بوجود دعم واسع لمرشح أو لمحتوى مرتبط به («التضخيم الخوارزمي»)، وكذلك نشر معلومات كاذبة عن مرشح أو عن انتخابات.

وتشمل المخاطر «غير المباشرة» التي تهدد الجدل الانتخابي والثقة بالعملية الانتخابية ما يلي: «تسميم المعلومات» في روبوتات الدردشة (Chatbots). فكلما ازداد انتشار المحتوى غير الأصيل، قد يفقد الناس الثقة بالمعلومات وبمفهوم «الحقيقة» وبالمؤسسات الديمقراطية.

وشدّد معهد الأبحاث هنا على أنه في غياب واجب وسم المحتوى الاصطناعي في إسرائيل، يمكن للجهات الأجنبية أن تنتحل بسهولة أكبر صفة جهات محلية، وأن تقوّض الثقة بمنظومة المعلومات بأكملها.

صعوبة التمييز بين الحسابات الآلية والحسابات الحقيقية

تفرّق الوثيقة بين نوعين من البوتات السياسية (هي حسابات أو برامج آلية تعمل على الشبكات الاجتماعية) وذلك بهدف نشر رسائل سياسية، تضخيم رواية أو مرشح، اختلاق عدد كبير من الإعجابات والمتابعين والمشاركات، خلق انطباع زائف بوجود دعم جماهيري واسع، مهاجمة مرشحين أو صحافيين أو مؤسسات.

في إشارة إلى صعوبة اكتشاف البوتات، فقد نجح المشاركون في إحدى الدراسات في التمييز بين الحسابات الآلية والحسابات الحقيقية في 24% فقط من الحالات، وفي دراسة أخرى بلغت نسبة التمييز الصحيح 42% فقط. كما قدِّرت حصة البوتات من النقاشات على منصة X بنحو 22% في الأحداث الإخبارية، وبلغت قرابة 44% خلال الانتخابات الأميركية العام 2020.

وتقدم الوثيقة أمثلة على استخدام الذكاء الاصطناعي أو حملات التلاعب الرقمي في دول مختلفة: على سبيل المثال في أيرلندا نشر فيديو تزييف عميق قبل الانتخابات الرئاسية بثلاثة أيام يوحي بأن المرشحة كاثرين كونولي أعلنت انسحابها. أزيل الفيديو من بعض المنصات لكنه استمر في الانتشار على منصة X. كما ألغت المحكمة الدستورية في رومانيا نتائج الانتخابات الرئاسية في كانون الأول 2024 بسبب تدخل روسي شمل هجمات إلكترونية وحملة تضليل واستخدام التزييف العميق والبوتات وحسابات تروج لمرشح غير معروف نسبيا. وفي ألمانيا استخدمت جهات خارجية وأحزاب محلية، بينها حزب البديل من أجل ألمانيا، فيديوهات وتسجيلات صوتية مصطنعة وشبكات بوتات وانتحال مصادر صحافية وأكاديمية. وتوضح هذه الأمثلة أن الذكاء الاصطناعي لا يعمل وحده، بل غالبا ما يندمج مع شبكات بوتات، حسابات وهمية، إعلانات ممولة، تدخلات أجنبية، وتوقيت محسوب قبل التصويت مباشرة.

إسرائيل تفتقر إلى إطار تشريعي شامل ومحدد لمواجهة الإشكالية

بحسب الوثيقة فإن الخلاصة الأساسية هي أن إسرائيل لا تملك إطارا تشريعيا شاملا ومحددا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الدعاية الانتخابية بحيث أن قانون الانتخابات ووسائل الدعاية لا يذكر صراحة الذكاء الاصطناعي أو التزييف العميق. كما أن القانون يفرض الإفصاح عن هوية الجهة التي تقف وراء الإعلان الانتخابي، لكنه لا يلزم بالإفصاح عن أن الإعلان أو الفيديو أو التسجيل الصوتي أنتج أو عدّل باستخدام الذكاء الاصطناعي.

 يمكن لرئيس لجنة الانتخابات المركزية أن يتدخل في حالات محددة بالاستناد إلى مادة "حظر التدخل" في العملية الانتخابية، لكن ليس هناك حظر عام وشامل للتزييف العميق أو للإعلانات السياسية المولدة بالذكاء الاصطناعي. وتظهر الوثيقة أن تنظيم منصات الإنترنت في إسرائيل يعتمد بدرجة كبيرة على سياسات الشركات الطوعية، وليس على نظام رقابي ملزم ومتكامل.

وقد ناقشت لجنة الدستور والقانون والقضاء في الكنيست العام 2026 اقتراح قانون يفرض الإفصاح عن الدعاية الانتخابية التي أُنشئت بوسائل رقمية، أو عدّلت رقميا تعديلا جوهريا، وتعرض شخصا أو مكانا أو حدثا أو وثيقة أو شيئا يمكن أن يبدو للمُشاهد وكأنه تسجيل أصلي.

كما طرحت اقتراحات خاصة تتعلق بإلزام وضع علامة على المحتوى الذي أنشئ بالذكاء الاصطناعي، منع "السلوك غير الأصيل"، مثل تشغيل شبكات من الحسابات الوهمية والبوتات، فرض الإفصاح خاصة عند استخدام البوتات السياسية، تجريم بعض أشكال التزييف العميق، مع التمييز بين الاحتيال، والتأثير على الانتخابات، والاستخدامات الجنسية أو الإجرامية. لكن هذه المقترحات، بحسب الوثيقة، لم تكن قد تحولت إلى منظومة قانونية نافذة وشاملة وقت إعدادها.

الذكاء الاصطناعي يغيّر طبيعة الدعاية الانتخابية 

تشدّد الوثيقة، كأهم المخاطر، على أن الذكاء الاصطناعي من شأنه أن يغيّر طبيعة الدعاية الانتخابية من خلال جعل إنتاج التضليل أرخص وأسرع وأكثر إقناعا، ولا سيما عبر التزييف العميق، استنساخ الصوت، البوتات، والشات بوتات. وحتى اليوم (تموز 2026) لا تملك إسرائيل حظرا عاما أو واجبا شاملا لوسم المحتوى الاصطناعي في الدعاية الانتخابية. توجد مقترحات تشريعية ومحاولات تدخل في حالات فردية، لكن الإطار القانوني لا يزال أقل تطورا من الإطار الأوروبي، وأقل تفصيلا من قوانين بعض الولايات الأميركية.

ولذلك فإن أبرز الفجوات التي تشير إليها الوثيقة هي: عدم وجود واجب واضح وموحد لوسم الفيديو والصوت والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، غياب تنظيم شامل للبوتات والحسابات الوهمية، ضعف تنظيم الاستهداف السياسي والتضخيم الخوارزمي، الاعتماد الكبير على قواعد المنصات الطوعية، عدم وضوح الجهة الحكومية المسؤولة عن تنسيق مواجهة التأثير الأجنبي والتلاعب المحلي والحاجة إلى التوفيق بين حماية نزاهة الانتخابات وبين حرية التعبير والسخرية والفن والنقد السياسي.

وتشير الوثيقة إلى التأثير الخاص من ناحية الفئات العمرية، فوفقًا لاستطلاع أجراه اتحاد الإنترنت الإسرائيلي في نيسان 2026، أفاد 96% من أبناء الشبيبة في إسرائيل الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا بأنهم يستخدمون بصورة متكررة، أو على الأقل أسبوعيًا، محادثات قائمة على الذكاء الاصطناعي (AI)، بينما أفاد 85% بأنهم يستخدمونها لأي غرض كان. ويستخدمها 97% منهم لأغراض وظيفية، مثل المساعدة في الدراسة، و71% للحصول على معلومات في مواضيع صحية.

وفي الوقت نفسه، يتضح أن الاستخدام يتجاوز بصورة كبيرة هذه المجالات ويمتد إلى المجال الشخصي والعاطفي. فقد أفاد أكثر من نصف المشاركين (55%) بأنهم يستخدمون الدردشة كصديق أو صديقة، و49% يتوجهون إليها للحصول على مشورة عاطفية، و18% يستخدمونها كشريك أو شريكة رومانسية.

ووفقًا لمعدّي الاستطلاع، لم تعد أنظمة الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى أبناء الشبيبة تُعتبر أداة تكنولوجية خارجية، وإنما أصبحت عنصرًا اعتياديًا وثابتًا في بيئتهم الحياتية الرقمية.

رؤية مقارنة للوضع قياسًا بعدة دول في العالم

النقطة المركزية في التقرير هي أن قانون الانتخابات (طرق الدعاية) الإسرائيلي، الصادر العام 1959، لم يكن يتضمن عند إعداد التقرير أحكامًا مخصصة للذكاء الاصطناعي أو للتزييف العميق. ولم تكن هناك، في ذلك الوقت، واجبات عامة خاصة بوضع علامة على المحتوى الذي أنشأته آلة، كما لم يكن هناك حظر مخصص على استخدام الروبوتات في الدعاية الانتخابية.

وكان القانون يفرض أصلًا بعض قواعد الشفافية على الدعاية الانتخابية، ومنها تحديد هوية الجهة التي تقف وراء الإعلان الانتخابي. لكن هذه القواعد صيغت في عصر الصحافة المطبوعة ووسائل الإعلام التقليدية، ولذلك فإن تطبيقها على شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية يثير مسائل جديدة.

يعرض التقرير الاتحاد الأوروبي باعتباره نموذجًا أكثر شمولًا من حيث التنظيم. فالـ AI Act يتضمن أحكامًا تتعلق بالشفافية في بعض استخدامات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التزييف العميق، بينما يفرض قانون الخدمات الرقمية DSA التزامات على المنصات الكبرى في ما يتعلق بالمخاطر النظامية وإدارة المحتوى.

إضافة إلى ذلك، أقر الاتحاد الأوروبي نظامًا خاصًا بالشفافية والاستهداف في الإعلانات السياسية، يهدف إلى جعل الجمهور قادرًا على معرفة طبيعة الإعلان السياسي والجهة التي تقف وراءه، وكيفية استهداف الجمهور.

ومن النتائج العملية المهمة لهذه البيئة التنظيمية أن شركتي Meta وGoogle قررتا وقف الإعلانات السياسية في الاتحاد الأوروبي، وفق المعلومات التي يعرضها المصدر الذي أتاح نسخة مبسطة من دراسة الكنيست؛ فقد أعلنت Meta وقف الإعلانات السياسية في الاتحاد الأوروبي العام 2025، وتبعتها Google اعتبارًا من تشرين الأول 2025. أما في إسرائيل، فكانتا لا تزالان تسمحان بالإعلانات السياسية ضمن القواعد التي تضعها كل شركة لنفسها.

وهذا يوضح أن التنظيم لا يؤثر فقط على السياسيين والمعلنين، بل يمكن أن يؤثر أيضًا في سلوك المنصات نفسها.

الوضع الأميركي أكثر تعقيدًا. فحتى إعداد التقرير لم يكن هناك حظر فيدرالي شامل على التزييف العميق السياسي، ويرتبط جزء من الصعوبة بالضمانات الدستورية القوية لحرية التعبير. ولذلك انتقلت المبادرة بدرجة كبيرة إلى الولايات. فقد سنت عدة ولايات قوانين تتعلق بالتزييف العميق السياسي، بعضها يحظر استخدامه خلال فترة معينة تسبق الانتخابات، وبعضها يفرض الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي.

وتختلف القواعد بشدة من ولاية إلى أخرى. فهناك قوانين تفرض قيودًا خلال فترة محددة قبل الانتخابات، بينما تمتد بعض القواعد الأخرى إلى فترات أطول. وتُظهر المقارنة أن الولايات المتحدة لا تملك حتى الآن نظامًا موحدًا على المستوى الفيدرالي مماثلًا للإطار الأوروبي. وتتناول المقارنة مع بريطانيا نهجًا مختلفًا نسبيًا، يعتمد على مجموعة من القوانين القائمة، وعلى صلاحيات الهيئات التنظيمية، وعلى قواعد تتعلق بالمحتوى الانتخابي والاتصالات الرقمية. 

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات