المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 7
  • إعتراف الريماوي

في 10 أيلول 2026، عُرض في مدينة البندقية الإيطالية، ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي، فيلم "نازا" (NAZA) للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراحيل شور، وهما من صنّاع الفيلم الوثائقي No Other Land. يستمد الفيلم اسمه من اختصار مصطلح عبري يعني "الضرر الجانبي"، ويشير إلى العدد المتوقع من المدنيين الذين قد يُقتلون خلال استهداف هدف عسكري. يستند العمل، الذي مدته نحو ثمانين دقيقة، إلى شهادات سرية لأشخاص عملوا داخل المنظومة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، مركزًا على أنظمة المراقبة وإنتاج الأهداف والقتل عن بُعد في قطاع غزة.

بعد يومين من عرضه، حصل "NAZA" على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية، بعد استقبال نقدي وجماهيري واسع. وسرعان ما نقل حضوره في منصة دولية بارزة النقاش داخليًا من السينما إلى السياسة والأمن والقانون، فقد وصف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الفيلم بأنه "تحريض صادم،" فيما هاجمه وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهر بوصفه عملًا يمس بالدولة والجيش، وطالب بفحص سحب الجنسية من مخرجيه. وتبع ذلك فحص عسكري لمصدر المعلومات والشهادات، ودعوات لإشراك الشاباك، قبل أن يعلن نتنياهو عزمه على الدفع بتشريعات تتعلق بسحب الجنسية وتشديد العقوبات على من يعتبر أنهم يشوهون سمعة جنود الجيش في الخارج.

بهذا المسار، أصبح فيلم يتناول كيفية إنتاج القرار العسكري في الحرب على غزة مدخلًا إلى سجال أوسع حول من يملك حق كشف المعرفة المتعلقة بالحرب، وما الحدود التي يتم رسمها للنقد حين ينتقل من المجال الداخلي إلى منصة دولية. ومن هنا تتجاوز قضية "NAZA" مضمون العمل نفسه، لتفتح سؤال العلاقة بين الحرب والثقافة والولاء، وكيف يتم تقديم صورة إسرائيل وممارساتها الاستعمارية تجاه الفلسطينيين أمام العالم. 

داخل "NAZA": كيف تتحول حياة الفلسطيني إلى رقم داخل منظومة الاستهداف؟

يضع الفيلم العدد المتوقع من "المدنيين" في قلب عملية الاستهداف، فبحسب صانعيه، يظهر "الضرر الجانبي" بوصفه معطى يدخل مسبقًا في تقدير الضربة والموافقة عليها، أكثر من كونه حصيلة لاحقة لها. ومن هنا يتتبع "NAZA"  الكيفية التي تتحول فيها حياة المدني من فرد له اسم وعائلة ومنزل إلى رقم داخل عملية إنتاج الهدف، وهو المدخل الذي تنتظم حوله شهاداته عن المراقبة والاستهداف عن بُعد.

تستند هذه الحجة إلى مقابلات أجراها يوفال أبراهام ورحيل شور، على امتداد نحو ثلاث سنوات، مع 24 شخصًا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، بينهم ضباط استخبارات وجنود وأشخاص عملوا في منظومات الاستهداف. فقد تم تصوير المقابلات ليلًا على أسطح في تل أبيب، وأُخفيت هويات المشاركين بتعديل وجوههم وأصواتهم رقميًا. ويحمل هذا الاختيار البصري معنى يتجاوز حماية المصادر: بحيث تظهر تل أبيب مضاءة وتمارس حياتها اليومية في الخلفية، بينما يصف المتحدثون عمليات تنتهي بقصف بيوت في غزة، على بعد عشرات الكيلومترات. هكذا يصنع الفيلم مسافة جغرافية وتقنية بين من ينتج المعرفة والقرار وبين من يتلقى أثرهما، ويجعل العمل عن بُعد جزءًا من بنيته.

تتركز الشهادات على شبكة من أدوات جمع المعلومات وإنتاج الأهداف وتتبعها، يبرز بينها نظام "Lavender"، الذي كشفت عنه تحقيقات "+972" و"مكالمة محلية שיחה מקומית" في نيسان 2024، وقالت مصادر استخبارية شاركت في استخدامه إنه صنّف عشرات آلاف الفلسطينيين بوصفهم أهدافًا محتملة استنادًا إلى معالجة كميات كبيرة من البيانات. كما كشفت التحقيقات نظام “Where’s Daddy?"، المستخدم وفق المصادر ذاتها لتتبع الأشخاص المصنفين أهدافًا ورصد دخولهم إلى منازل عائلاتهم، فيما يرتبط "Habsora" ("البشارة") بإنتاج أهداف تتعلق بالمباني والمنشآت. وبذلك يحوّل الفيلم سلسلة تحقيقات صحافية بدأت منذ 2023 إلى شهادات مصورة لأشخاص يقولون إنهم شاركوا في تشغيل أجزاء من هذه المنظومة.

يُبقي الانتقال من التحقيق المكتوب إلى الشهادة المصورة مسألة التحقق حاضرة، فالجيش الإسرائيلي يرفض توصيف هذه الأدوات باعتبارها أنظمة تتخذ قرار القتل آليًا، ويقول إن التكنولوجيا توفر أدوات مساعدة للمحللين، فيما يخضع القرار النهائي، بحسب روايته، لتقييم بشري وللقواعد العملياتية والقانون الدولي. كما يطعن رده على "NAZA" في إمكان التحقق من هوية الشهود المجهولين وأدوارهم الفعلية. في المقابل، يمنح تقاطع أجزاء أساسية من شهاداتهم مع تحقيقات منشورة منذ 2023 و2024 الفيلم طبقة توثيق سابقة على ظهوره. 

يشرح أبراهام هذا البناء من خلال رفض جعل مشاعر الجنود مركز الفيلم، فقد تحدث بعض الشهود بندم، وبعضهم بلامبالاة أو اعتزاز، بينما اختار المخرجان إبقاء هذه الانفعالات في الهامش، لأن التركيز عليها، بحسب أبراهام، كان سيعيد مركز القصة إلى الإسرائيلي الذي شارك في الفعل. لذلك يتجه "NAZA" إلى وصف منظومة تتداخل فيها المراقبة والبيانات والخوارزميات وتقدير أعداد المدنيين وإنتاج الأهداف، بحيث يصبح القتل سؤالًا عن كيفية عمل المؤسسة الاستعمارية أكثر منه عن أخلاق فرد بعينه. وهذه النقلة من الفرد إلى المنظومة هي التي منحت انتقال الفيلم إلى المجال الدولي ثقله السياسي والثقافي.

"البندقية" والشرعية الدولية: حين تتحول شهادة إسرائيلية إلى وثيقة عن غزة

دخل "NAZA" المجال الثقافي الدولي من بوابة المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية، باعتباره الفيلم الوثائقي الوحيد المنافس على "الأسد الذهبي". وعند عرضه العالمي الأول، في 10 أيلول، استقبله الجمهور بتصفيق استمر نحو 25 دقيقة، رُفعت خلاله أعلام فلسطينية، قبل أن تمنحه لجنة التحكيم بعد يومين جائزتها الخاصة، إحدى الجوائز الرئيسية للمسابقة الرسمية.  دفع هذا الاستقبال الفيلم من نطاق التحقيق الصحافي والسينمائي إلى فضاء أوسع، صارت فيه شهادات قادمة من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية جزءًا من النقاش الثقافي والسياسي الدولي حول الحرب على غزة.

عزّز خطاب الفوز هذا الانتقال، فقد شدد يوفال أبراهام على أهمية أن يشاهد الإسرائيليون الفيلم، خصوصًا في ظل الهجوم عليه قبل إتاحته على نطاق واسع داخل إسرائيل. وتتمثل أهمية الجائزة، في هذا السياق، في المكانة والانتشار اللذين منحتهما للعمل، وفي إدخاله بقوة إلى النقاش الثقافي الدولي حول غزة. وعليه، فقد منحت الجائزة "NAZA" شرعية ثقافية ومساحة تداول واسعة، وحوّلته من فيلم وثائقي يعرض شهادات من داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية إلى حدث ثقافي وسياسي دولي يصعب فصله عن النقاش الأوسع حول الحرب على غزة.

تواصل المسار بعد البندقية بإدراج "NAZA" ضمن قسم "Perlak" في مهرجان سان سباستيان السينمائي الدولي في إقليم الباسك، شمال إسبانيا، وهو قسم مخصص لأفلام برزت أو حازت جوائز في مهرجانات دولية. كما اختاره مهرجان نيويورك السينمائي ضمن برنامجه الرئيسي لعرضه الأول في أميركا الشمالية. وبالتوازي، أدى التهديد بسحب جنسية المخرجيْن إلى موجة تضامن داخل صناعة السينما الدولية، شارك فيها مخرجون وشخصيات سينمائية بارزة. وهكذا أصبح الرد الإسرائيلي على الفيلم جزءًا من قصته الخارجية، واتسع النقاش إلى شروط إنتاج هذا النوع من النقد وحمايته وتداوله.

تتيح المقارنة المحدودة مع فيلم آفي نيشر "Our Loves"، الذي عُرض بالتزامن تقريبًا في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي في كندا، رؤية هذا الاختلاف بوضوح أكبر. حيث يعالج فيلم نيشر 7 أكتوبر عبر شخصيات إسرائيلية وتجارب الخوف والفقد والحب والنجاة، بينما يدخل "NAZA" إلى المجال الدولي عبر مساءلة ما تفعله المنظومة الإسرائيلية الاستعمارية بالفلسطينيين في غزة.  كلا الفيلمين يعبران إلى مهرجانات دولية، لكنهما يحملان صورتين مختلفتين عن إسرائيل وموقعها في الحرب. وهنا يتجاوز السؤال ثنائية المقاطعة والقبول: أي صورة إسرائيلية تستطيع العبور إلى المجال الثقافي الدولي، وكيف تتغير دلالتها حين ينتقل مركز النظر من الإسرائيلي باعتباره "ضحية" إلى الفلسطيني الواقع تحت العنف العسكري والاستعماري الإسرائيلي؟ 

من تفنيد الادعاءات إلى الولاء والمواطنة

في مقابل هذا الصدى الخارجي، بدأ الرد المؤسسي الإسرائيلي بالاعتراض على صدقية رواية "NAZA"، ففي 11 أيلول أصدر الجيش بيانًا رفض فيه ادعاءات الفيلم، مركزًا على اعتماد العمل شهادات مجهولة يصعب التحقق من هوية أصحابها ورتبهم ووظائفهم ومدى صلتهم بالوقائع التي يروونها. كما رفض تصوير أدوات الذكاء الاصطناعي وأنظمة إنتاج الأهداف باعتبارها صاحبة قرار مستقل، مؤكدًا أن استخدامها يأتي ضمن عمل استخباري يخضع لتقييم بشري وللقواعد العملياتية والقانونية. وبعد ثلاثة أيام، عقد رئيس هيئة الأركان إيال زامير اجتماعًا خاصًا بمشاركة كبار قادة الجيش، ووجّه بفحص الإجراءات القانونية الممكنة والتحقق من احتمال وصول مواد سرية إلى صُنّاع الفيلم. وجاء ذلك في وقت كان الجيش يطلب الحصول على نسخة كاملة من الفلم لاستكمال فحص محتواه.

خلال الأيام التالية، اكتسب مصدر المعلومات وزنًا أكبر في القضية، حيث طالب وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهر بفحص المواد والشهادات، ثم توجّه في 16 أيلول إلى رئيس الشاباك دافيد زيني، طالبًا التحقق من كيفية وصول المعلومات إلى يوفال أبراهام ورحيل شور، وما إذا استُخدمت معلومات أمنية حساسة أو شاركت "جهات عدوة" في توفيرها. وبذلك أُدخل احتمال التسريب أو تدخل "جهات عدوة" إلى مسار فحص أمني رسمي، فيما ظلت نتائجه مفتوحة حتى تلك اللحظة.

أيضا، كان زوهر قد نقل السجال قبل ذلك إلى لغة الولاء، ففي أعقاب فوز الفيلم في البندقية وصف عمل المخرجين بأنه "خيانة للدولة"، وأعلن عزمه العمل على سحب جنسيتهما، ثم خاطب وزارة الداخلية مطالبًا بفحص إمكان بدء إجراء بهذا الاتجاه، بما في ذلك ما إذا كان الحصول على المواد أو نشرها يندرج، وفق صياغته، تحت "الخيانة" أو "مساعدة العدو في زمن الحرب".  بهذا اتسع الخلاف من مضمون الفيلم إلى علاقة "المواطن بالدولة"، وإلى المسافة التي يرسمها الخطاب الحكومي بين نقد المؤسسة العسكرية واتهام صاحب النقد بخرق الولاء.

وفي 16 أيلول، نقل نتنياهو هذا المسار إلى مستوى تشريعي، معلنًا نيته الدفع بمشروعين على خلفية "NAZA" وحالات أخرى قال إنها أضرت بالجيش والدولة. يتعلق الأول بإمكان سحب الجنسية ممن يعتبر أنهم يشوهون سمعة جنود الجيش في الخارج، فيما يرفع الثاني بصورة كبيرة سقف التعويضات الممكن المطالبة بها في دعاوى التشهير. وحتى 18 أيلول، بقيت هذه الخطوات في طور المبادرات والمقترحات التشريعية. وتكمن أهميتها في الانتقال من التعامل مع مخرجين بعينهما إلى طرح قاعدة أوسع تربط الكلام عن الجيش خارج إسرائيل بعقوبات تمس المواطنة والحقوق المدنية.

كما قد دخل التمويل الثقافي في المسار نفسه من زاوية أخرى، فقد ربط زوهر القضية بإصلاحاته السابقة في منظومة تمويل السينما والدعم الحكومي للمؤسسات الثقافية، فيما أفادت تقارير بأن وزارة الثقافة شرعت في إعداد أساس قانوني يتيح سحب الدعم من مؤسسات قد تختار عرض الفيلم في إسرائيل.  هنا يستوجب الأمر الفصل بين إنتاج "NAZA" والسياسة الثقافية التي أثارها: حيث تسجل الاعتمادات الرسمية المنشورة في مهرجان البندقية الفيلم إنتاجًا بريطانيًا لـ "The Guardian"و"JW Films"، وتغيب عنها أي جهة تمويل عام إسرائيلية. لذلك تكشف قضية التمويل عن محاولة توسيع أدوات الضغط من على صانعي العمل إلى المؤسسات التي قد تمنحه منصة داخل إسرائيل. 

بهذا التسلسل، اتسعت قضية "NAZA" من خلاف حول صدقية الشهادات إلى أسئلة تتعلق بمصدر المعرفة والسرية والولاء والجنسية، ثم بالتشريع والتمويل. فحين تخرج معرفة نقدية عن الجيش إلى الخارج وتكتسب صدى دوليًا، يتداخل النقاش في مضمونها مع سؤال من يملك حق إنتاجها ونشرها، وما التبعات السياسية والقانونية التي يمكن أن تترتب على ذلك. وفي المقابل، ظهرت داخل الحقل الإسرائيلي مواقف متباينة تجاه الفيلم وطريقة التعامل معه غير خطاب الحكومة والمؤسسة الأمنية.

الداخل الإسرائيلي: من يملك حق مشاهدة الفيلم والحكم عليه؟

في 14 أيلول بدأ مئات العاملين في السينما والتلفزيون توقيع عريضة تضامن مع يوفال أبراهام ورحيل شور، قبل أن يتجاوز عدد الموقعين لاحقًا ألف شخص، بينهم أشخاص معروفين كآري فولمان وحجاي ليفي وشلومي إلكابتس وشيرا غيفن. وقد ركزت العريضة على حرية الإبداع ورفض ما وصفه الموقعون بحملة تحريض ضد صانعي الفيلم، وأوضحبعضهم أن موقفه يتعلق بحق إنتاج العمل وعرضه حتى قبل مشاهدته أو تبني مضمونه. 

اتسعت هذه الدائرة بانضمام منظمة الصحافيين والصحافيات في إسرائيل إلى المدافعين عن المخرجين، مستندةً أيضًا إلى حرية التعبير ودور الصحافة والفن في تحدي المؤسسات والخطابات السائدة، أكثر من المصادقة على مضمون الفيلم. وفي مسار موازٍ، ظهرت قراءات نقدية تناقش العمل من داخله، حيث كتب الصحافي رفيف دروكر في "هآرتس"، بعد مشاهدته، عن تأثره العميق بما عرضه، لكنه انتقد نقص التفاصيل القابلة للتحقق في بعض الشهادات، وغياب أجزاء من سياق الحرب ودور حركة حماس، معتبرًا أن ذلك يضعف قيمته الصحافية ويجعل وصوله إلى الجمهور الإسرائيلي أكثر صعوبة. 

ثم أدخل مجلس السينما الإسرائيلي مستوى مؤسساتيًا مختلفًا إلى السجال، ففي 17 أيلول طالب بعرض "NAZA" بصورة عاجلة أمام أعضائه والجهات المهنية في إسرائيل، بالتزامن مع بدء عروضه الأوروبية. غير أن المجلس صاغ مطلبه بلغة الشك، معتبرًا أن غياب الفيلم عن المهنيين الإسرائيليين يعزز الاشتباه في كونه عملًا "مفبركًا" يخدم أعداء إسرائيل، وفي مقدمتهم حماس. 

تكشف هذه المواقف عن هامش داخلي اعترض على الحملة ضد صانعي الفيلم ودافع عن حق عرضه ومناقشته، لكنه بقي محدودًا أمام اتساع الرفض السياسي والإعلامي العام له، بما في ذلك شخصيات بارزة في المعارضة، مثل غادي أيزنكوت وأفيغدور ليبرمان. لذلك لا يعكس السجال انقسامًا متوازنًا بقدر ما يكشف عن وجود أصوات حاولت إبقاء النقاش في نطاق حرية التعبير والنقد المهني، في مقابل خطاب أوسع تعامل مع "NAZA" بوصفه إساءة إلى الجيش والدولة.

خاتمة

ينطلق "NAZA" من مصطلح عسكري يختزل السكان المدنيين الفلسطينيين المتوقع قتلهم إلى رقم داخل عملية اتخاذ القرار، لكنه يقود إلى طبقة أخرى تتجاوز بنية الاستهداف نفسها. فبعد خروجه إلى البندقية، اتصلت القضية أيضا بالمسافة التي تفصل، داخل إسرائيل، بين النقد والتشهير وتسريب المعلومات و"الخيانة" وحدود المواطنة.

ضمن هذا المنظور، تكشف قضية الفيلم عن صراعين متداخلين: صراع حول كيفية إنتاج الحرب على غزة، وآخر حول إنتاج الرواية المسموح بها عن هذه الحرب ومن يملك حق حملها إلى الخارج. كما تكتسب المسألة دلالة أوسع في سياق استعماري ترتبط فيه السيطرة على الفلسطينيين أيضًا بالسيطرة على اللغة والصورة والتمثيل الذي يصف هذه السيطرة ويمنحها معنى أمام الجمهور الإسرائيلي والعالمي.

وأصبحت الاستجابة الإسرائيلية للفيلم، بحد ذاتها، مادة سياسية وثقافية كاشفة، فهي تظهر أن معركة "NAZA" تدور حول ما جرى في قطاع غزة، وحول من يملك حق تسميته ووصفه، وكيف يتم التعامل مع رواية نقدية تكشف العنف الاستعماري الإسرائيلي حين تكتسب شرعية وحضورًا في المجال الثقافي الدولي. 

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات