حفلت معاهد الأبحاث ووسائل الإعلام في إسرائيل بالتحليلات التي تحاول إجمال مآلات ألف يوم مرّت منذ اندلاع الحرب متعددة الجبهات الحالية يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وتمثّل الاستنتاج الأبرز في أن هناك حالة من الجمود الذي يوصف بأنه استراتيجي، ومن التآكل المستمر، وفي أن ما شهدته إسرائيل هو أطول استنزاف عسكري واقتصادي واجتماعي في تاريخها من دون تحقيق حسم حقيقي لأي من الملفات المفتوحة، مثلما سعت وكانت تشتهي.
وبحسب ما يؤكد المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل مثلًا، فإن كل الجبهات ما زالت مفتوحة، وخلافًا للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، امتدت المعارك لتتحول إلى حرب استنزاف على جميع الجبهات، وفي نهاية المطاف فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفاقيات وقف إطلاق النار، التي كان بعضها غير كامل وبعضها الآخر غير مستقر، في غزة (تشرين الأول 2025)، وفي إيران ولبنان (حزيران 2026). ولفت إلى أنه في حين كان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث في السابق عن "نصر مطلق" بات في الوقت الحالي يتحدث عن رؤيا تقوم على حرب دائمة، أمّا البديل الذي طرحه فيتمثل في إقامة مناطق أمنية عازلة داخل الأراضي اللبنانية والسورية وقطاع غزة (3/7/2026).
واستنتاجات هرئيل هذه غير مقتصرة عليه وعلى أمثاله من المحللين الانتقاديين، سواء العسكريين أو السياسيين، بل هي أيضًا استنتاجات الأوساط المقربة من نتنياهو والتي تدق له الطبول. وللتمثيل على ما تقوله هذه الأوساط تكفي العودة إلى المقابلة التي أجرتها صحيفة "يسرائيل هيوم" أمس الأحد (5/7/2026) مع مئير بن شبات، رئيس مجلس الأمن القومي السابق ورئيس "معهد مسغاف"، ولا بُد من التوقف بتوسّع عندها كونها توفّر صورة لما يدور في أذهان محيط رئيس الحكومة حيال الحاضر والمستقبل.
وقد بدأ بن شبات المقابلة بالتطرّق إلى قطاع غزة مشيرًا إلى النجاح في إعادة المخطوفين الإسرائيليين، وتدمير 70 بالمائة من مساحة القطاع تقريبًا، وتحكّم الجيش الإسرائيلي في "الخط الأصفر" الذي تتوسع مساحاته، والقضاء على عدد كبير من قيادات حركة حماس ولا سيما من مهندسي هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ومع ذلك، لا تزال إسرائيل بعيدة عن حسم المعركة ضد "العدو الذي بدأ كل شيء". وأضاف أنه في الوقت الذي تطالب الولايات المتحدة بالانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار وتمنع إسرائيل من العودة إلى حرب عالية الكثافة، تسيطر حماس على السكان، وتحتفظ بسلاحها، ولا تنوي التنازل عن تطلعاتها في القطاع، وتعترف جميع الأطراف السياسية والأمنية أنه من دون سيطرة عسكرية على كامل أراضي غزة، وعلى السكان، لن يكون من الممكن تحقيق هدف الحرب الأول. وخلص بن شبات إلى القول: "إن المهمة لم تنتهِ بعد. يُحظر التراجع عن مسألة تفكيك ’حماس’، ويجب على إسرائيل إنهاء العمل على الساحة التي بدأ منها كل شيء".
ولدى الانتقال إلى لبنان يرى بن شبات أنه على مدار ألف يوم تم إحباط خطط حزب الله بشأن اقتحام البلدات الشمالية، والقضاء على الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله وعدد من قياداته، ويتم التعامل مع الأنفاق بشكل جيد، ويفرض الجيش الإسرائيلي سيطرة قوية على "الخط الأصفر" الجديد وصولًا إلى الليطاني، كما أن آخر التفاهمات والاتفاقيات المتعلقة بلبنان، في إشارة إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران وإلى الاتفاق الإطاري بين إسرائيل ولبنان، تتيح للجيش الإسرائيلي- بحسب ما يؤكد- الاستمرار في تصفية عناصر حزب الله، إلى جانب تدمير بناه التحتية، بل تعزز بقاء الجيش في المنطقة من الناحية السياسية، وتحدّ من الانتقادات الدولية، حتى الآن. ومع ذلك، فإن هناك مخاوف كبيرة كامنة في أن أي اتفاق كبير مع إيران ربما يتضمن في طياته مقايضات تؤدي إلى تفويت إمكان الحسم في هذه الجبهة أيضًا.
وبالنسبة إلى إيران نوّه بن شبات بأن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي الجنرال إيال زامير شدّد في الآونة الأخيرة على أن "إيران لا تزال المركز الأساسي للجهوزية العسكرية". ومعنى ذلك أن الجيش والمستوى السياسي ما زالا يضعان الخطط لاستمرار الحرب معها في ظل محادثاتها الطويلة مع الولايات المتحدة. والسبب أنها لا تزال تحث الخطى نحو امتلاك سلاح نووي.
وبموجب تحليلات أخرى فإن الحرب الأخيرة على إيران والتي استمرت، بشكل متقطع، ثلاثة أشهر ونصف الشهر، كانت عديمة الجدوى وخرج منها النظام الإيراني أكثر قوةً، إذ إن موقعها تعزّز بعد الاتفاق الذي تم التوصل إليه، وأدّت الحرب إلى إحداث شرخ بين إسرائيل والولايات المتحدة.
وأقرّ بن شبات بأن نتنياهو، الذي سوّق لـ"النصر المطلق" في بداية الحرب، غيّر مصطلحاته وأوضح أن الحرب بعيدة عن النهاية. ويسعى هذا التوجه الذي يقوده بنيامين نتنياهو واليمين المتطرّف إلى التكيف مع واقع "الاستنزاف الدائم" كقدر محتوم.
أكثر من ذلك حذّر بن شبات، في ما يمكن أن ندرجه ضمن رؤية الحرب المستمرة، من احتمال حدوث انفجارات في منطقتي الحدود مع مصر والأردن، مشيرًا إلى أن الحدود المخترَقة مع هاتين الدولتين تسمح في قراءته بتسييرٍ منتظم لطائرات مسيّرة تحمل أسلحة خفيفة وثقيلة. وكشف النقاب عن أنه يوميًا تعبر عشرات الطائرات المسيّرة الحدود إلى الداخل، ويتم ضبط عدد قليل منها، بينما تُنقل البقية إلى أيدي عائلات معروفة في الوسط البدوي، ومخازن الطوارئ الخاصة بهم جاهزة ليوم صدور الأمر.
ما يؤكده بن شبات يسمح لنا بأن نتلمّس الوضع القائم الذي ربما يمكن أن نعتبره موضوعًا لتقصي ما يخبئه المستقبل من توجهات.
وإلى جانب ما توقف عنده ينبغي أن نضيف ما يلي:
أولًا، تعاني إسرائيل من معضلة الجيش الصغير أمام الجبهات المتعددة، والتي يعود سببها الرئيس إلى واقع أن الجيش الإسرائيلي يواجه أزمة قوى عاملة حادة (تقدّر النخب العسكرية العجز بعشرات ألوف الجنود نتيجة الإنهاك وطول فترة الاحتياط)، مما يجعل السيطرة الدائمة على جبهات متعددة في آن واحد أمرًا مستنزفًا لبنية المجتمع وللاقتصاد. فضلًا عن ذلك فإن محاولات إعادة صوغ نموذج الخدمة العسكرية لمواجهة النقص الحاد في الجنود تصطدم مباشرة مع القوانين السياسية الخاصة بإعفاء اليهود الحريديم (المتشددون دينيًا) من هذه الخدمة.
ثانيًا، ما زال هناك غياب لما يوصف بأنه "اليوم التالي" الذي ينطوي على رؤية سياسية، وخصوصًا فيما يتعلق بقطاع غزة. ويرى كثير من المحللين الإسرائيليين أن الإصرار على الحلول العسكرية التكتيكية من دون صوغ أفق سياسي أو إيجاد بدائل حكم مدنية في غزة، حوّل كل إنجاز عسكري إلى نقطة انطلاق لجولة قتال جديدة بدلًا من كونه نهاية للصراع.
ولا شك في أن التأمّل في كل هذه العناوين العريضة يقود إلى الخلاصة التالية: تقف إسرائيل في منتصف العام 2026، وبعد مرور ألف يوم على أطول حرب في تاريخها، أمام معضلة بنيوية، فالأدوات العسكرية التقليدية لم تعد قادرة على إنتاج "صورة نصر دقيقة"، أما المستقبل فقد بات رهن الاختيار بين استمرار الاستنزاف اللانهائي، أو الذهاب نحو قرارات سياسية إقليمية كبرى تتجنبها حكومة اليمين المتطرّف الحالية للحفاظ على ائتلافها.
تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.
المصطلحات المستخدمة:
هآرتس, يسرائيل هيوم, مجلس الأمن القومي, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو