قبل 70 عاماً على مقتل الحارس في مزرعة غلعاد بالقرب من قرية تل، وبالتحديد في 29 نيسان 1956، تسلل لاجئون فلسطينيون من قطاع غزة، ولم يكونوا بعد قد تخلّوا عن الأمل بوجود فرصة للعودة إلى ديارهم التي طردوا منها قبل 8 سنوات، وقاموا بقتل روعي روتبرغ، حارس مستوطنة ناحل عوز. في خطاب التأبين على قبره، قال الوزير موشيه ديان: "دعونا اليوم نتجنب توجيه الاتهامات إلى القتلة [الفلسطينيون]. فما جدوى أن نلومهم على كراهيتهم الشديدة لنا؟ إنهم يقيمون منذ ثماني سنوات في مخيمات اللاجئين في غزة، بينما نحول أمام أعينهم الأرض والقرى التي عاشوا فيها هم وآباؤهم إلى ملك لنا... نحن جيل استيطان، ومن دون الخوذة الفولاذية وفوهة المدفع لن نستطيع غرس شجرة أو بناء بيت... دعونا نواجه الكراهية التي ترافق حياة مئات آلاف العرب المحيطين بنا وتملؤها، وهم ينتظرون اللحظة التي تتمكن فيها أيديهم من الوصول إلى دمائنا. دعونا نبقي أعيننا مفتوحة كي تظل أيدينا قوية. هذا قدر جيلنا. وهذا خيار حياتنا: أن نبقى مستعدين ومسلحين، أقوياء وقساة، أو أن يفلت السيف من قبضتنا فتنقطع حياتنا".
يرى مؤرخون إسرائيليون أن خطاب ديان التأبيني هذا يستبعد كليًا إمكان التوصل إلى حل سياسي، وأن التوسع الاستيطاني اليهودي داخل الحيز العربي يفرض على إسرائيل استخدام القوة المستمرة، وهذا ما دفع عالم الاجتماع الإسرائيلي باروخ كيمرلينغ إلى وصف خطاب ديان بأنه "التعبير الأكثر أصالة عن النزعة العسكرية الإسرائيلية". بعد حوالي 70 عامًا، وبعد هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، استشهد إسحاق هرتسوغ، رئيس دولة إسرائيل، مرة أخرى بعبارة ديان وقال: "هذا قدر جيلنا. وهذا خيار حياتنا: أن نبقى مستعدين ومسلحين، أقوياء وقساة، أو أن يفلت السيف من قبضتنا فتنقطع حياتنا".
في 24 تموز 2026، أعاد التاريخ نفسه، ولكن بشكل مقلوب. هذه المرة تسلل حارس المستوطنة، بنياهو ميلت، إلى قرية عربية وتم قتله من قبل شيخ القرية. لم يكن الشيخ من سليل اللاجئين الذين طردوا من منازلهم في النكبة، أو النكسة، أو حرب الإبادة، أو عملية "الأسوار الحديدية" التي هدمت مخيمات شمال الضفة وهجرت حوالي 40 ألف فلسطيني. بل كان من سكان القرية التي جاءها المستوطنون في ساعات الصباح الأولى، وفي نفس التوقيت، ويا للمفارقة، التي قتل فيها روتبرغ قبل 70 عاما.
أثار مقتل ميلت خطابا فوريا وصريحا من قبل اليمين الإسرائيلي يدعو إلى الانتقام، أطلقه سياسيون إسرائيليون وشخصيات قيادية في أوساط المستوطنين. ويعكس هذا الخطاب تحولا أوسع في الرأي العام والسياسات الإسرائيلية في اتجاه تطبيع العقاب الجماعي والعنف الانتقامي ضد الفلسطينيين. فقد أجرى إيتاي زر، أحد مؤسسي حفات غلعاد وشقيق غلعاد زر الذي قتل عام 2001، مقابلة مشحونة بالعواطف مع القناة السابعة بعد العملية مباشرة، وقال: "علينا أن نرى قرية تل مدمرة. إذا قتلت قرية تل يهوديا، فيجب تدمير القرية، تماما كما حدث في غزة". وأعلن إقامة بؤرتين استيطانيتين جديدتين في اليوم نفسه ردا على العملية. ونعى يوسي داغان، رئيس المجلس الاستيطاني الإقليمي في شمال الضفة الغربية، ميلت وشدد على ضرورة الرد بقوة، ووضع العملية ضمن نمط أوسع من العنف الفلسطيني الموجه ضد المستوطنين. ثم زار عضو الكنيست تسفي سوكوت من حزب "الصهيونية الدينية" موقع العملية، وقالخلال الجنازة: "يجب أن يأتي الانتقام من مؤسسات الدولة. إن الناس تغلي من الغضب، ويجب توجيه رد مؤلم". وأضاف: "يجب أن تبدو القرية المجاورة مثل غزة".
وأعلن ديوان رئيس الحكومة أن بنيامين نتنياهو سيعقد اجتماعا طارئا مع وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان لمناقشة الرد، وجاء في بيانه: "سنتحرك بقوة ضد الإرهابيين ومن يرسلهم، ولن نسمح للإرهاب في يهودا والسامرة بأن يرفع رأسه".
والحقيقة أن إسرائيل كانت أعلنت أنها عبر عملية "الأسوار الحديدية" التي أطلقتها مطلع عام 2025، أنهت البنية المكانية لجيوب المقاومة المسلحة في شمال الضفة الغربية. فقد اقتحمت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، ودمرت أجزاء واسعة منها، وهجرت نحو أربعين ألف فلسطيني، وفككت المجموعات المسلحة المرتبطة بالفصائل، إلى جانب التشكيلات المحلية التي أقامها شبان مستقلون خارج الأطر التنظيمية التقليدية. لذلك، تثير الدعوات الإسرائيلية الراهنة إلى تنفيذ عملية عسكرية واسعة سؤالا حول الهدف الفعلي لهذه العملية الجديدة. فالجيش سبق أن حاصر مراكز المقاومة المسلحة، وقتل واعتقل معظم عناصرها، وغير البنية العمرانية والاجتماعية التي وفرت لها الحاضنة. في هذا السياق، قد يشير مطلب "العملية الواسعة" إلى انتقال مركز الهجوم من المخيمات والمجموعات المسلحة إلى القرى الفلسطينية وسكانها المدنيين. وهكذا تتحول العملية العسكرية المقترحة إلى أداة للعقاب الجماعي وإعادة هندسة الحيز، عبر تدمير الممتلكات والتهجير والاستيلاء على الأرض وتوسيع الاستيطان، تحت غطاء أمني يمنح الانتقام صيغة مؤسساتية رسمية.
من الردع إلى القصاص
تكشف المقارنة بين مقتل روعي روتبرغ العام 1956 ومقتل بنياهو ميلت العام 2026 تحولا عميقا في وظيفة الانتقام داخل المشروع الصهيوني. فلقد صاغ ديان العنف بوصفه شرطا لحماية الاستيطان من مقاومة الفلسطينيين الذين أدرك أسباب غضبهم التاريخي. وحمل خطابه وعيا استعماريا واضحا: يستولي المستوطنون على أرض اللاجئين، ولذلك يحتاج المشروع إلى السيف كي يحمي توسعه. هنا عمل الردع كأداة عقلانية لإدارة الصراع، وتأمين الحدود، ومنح المستوطن الوقت والمساحة لغرس الشجرة وبناء البيت.
أما الخطاب الراهن، فيمنح الانتقام معنى توراتيا وجماعيا. لم يعد الفلسطيني خصما سياسيا يحمل مظلمة تاريخية، بل أصبح جزءا من جماعة يستهدفها العقاب بسبب هويتها ومكانها. لذلك يطالب المستوطنون والسياسيون بتدمير القرية وتهجير سكانها وإقامة بؤر استيطانية فوق أراضيها، حتى حين يقع الحدث داخل قرية اقتحمها مستوطن مسلح. بناء على ذلك يمكن القول إن هذا المنطق يستبدل مفهوم الردع بمفهوم القصاص، ويحوّل الجيش والدولة إلى أداتين لتنفيذ رغبة المستوطنين في الثأر.
ويعبر هذا الانتقال أيضًا عن صعود صهيونية دينية تقرأ الأرض والعنف بمنطق توراتي: الفلسطيني عقبة جماعية، والاستيطان هو بمثابة فعل خلاص، والحرب أمست وسيلة لتطهير الحيز وإعادة تأسيس السيادة اليهودية. هكذا ينتقل الانتقام من حماية المشروع الاستيطاني إلى إنتاجه مباشرة، عبر تدمير المجتمع الفلسطيني وتحويل العقاب الجماعي إلى سياسة رسمية تعيد رسم الجغرافيا والسكان.
المصطلحات المستخدمة:
الصهيونية, رئيس دولة إسرائيل, القناة السابعة, الكنيست, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو