المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 5
  • هشام نفاع

تراوحت الأوصاف التي أطلقتها الصحافة الإسرائيلية على نتائج اختبار PISA الدولي للعام 2025 ما بين اعتبارها "تراجعًا حادًا" (قناة "كان 11" التلفزيونية) وحتى "انهيارًا تامًا" (صحيفة "كلكاليست") في أداء الطلاب في إسرائيل في القراءة والرياضيات والعلوم، مقارنة بنتائج العام 2022. ووفق التقارير، كانت إسرائيل من بين الدول التي سجلت أكبر الانخفاضات بين عامي 2022 و2025، في ظل فترة شملت جائحة كورونا ثم الحرب متعددة الجهات والجبهات.

المقصود هو البرنامج الدولي لتقييم الطلبة المعروف اختصارًا بـ "بيزا" وتجري هذه الاختبارات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD والتي تعتبر المعيار الدولي الرئيس لقياس جودة الأنظمة التعليمية في البلدان المختلفة. وتجرى اختبارات "بيزا" مرة واحدة كل ثلاث سنوات، لقياس قدرات الطلبة في مجالات القراءة والرياضيات والعلوم، وكانت أول مرة في العام 2000. يتم الاشراف على الدراسة من قبل إدارة التربية والتعليم من منظمة (OECD). وتسعى إلى فحص مدى جاهزية الطلاب المقبلين على إنهاء مرحلة التعليم الإلزامي، ومدى استعدادهم للاندماج والمساهمة في بناء المجتمع.

إسرائيل تراجعت سبعة مراكز في الترتيب العالمي

في الاختبار الأخير، تراجعت إسرائيل 38 نقطة، إلى 436 نقطة مقابل متوسط دول OECDالبالغ 463، وتراجعت سبعة مراكز في الترتيب العالمي. ويعادل هذا الفارق، نحو سنتين دراسيتين من حيث مستوى المهارات. حصل الطلاب في العلوم على 442 نقطة مقابل 484 في OECD، مع تراجع ثمانية مراكز. أما الرياضيات فسجلت 433 نقطة مقابل 465 في OECD، بانخفاض 25 نقطة وستة مراكز، وهو فارق يعادل أكثر بقليل من سنة دراسية من حيث مستوى المهارات. وبالمقارنة مع دول OECD فقط، أصبحت إسرائيل في المرتبة 31 من أصل 38 في القراءة، و33 من أصل 38 في العلوم، و33 من أصل 38 في الرياضيات.

يُستدل من القراءات التحليلية المنشورة في الصحافة للنتائج أنها تكشف أيضًا عن فجوات كبيرة داخل المجتمع الإسرائيلي: 8.8% فقط من الطلاب صُنّفوا متفوقين مقابل 11.9% في OECD، بينما صُنّف 29% ضعفاء مقابل 19.7% في دول المنظمة. كما بلغ الفارق بين الطلاب من الأسر الميسورة والطلاب من الأسر الأضعف اقتصاديًا 82 نقطة. ظهر التراجع الإسرائيلي أيضًا في فحص أداء الطلاب المتفوقين والطلاب الذين يواجهون صعوبات، أي الذين يقل مستواهم عن الحد الأدنى. وفي جميع المجالات، كانت نسبة الطلاب المتعثرين في إسرائيل أعلى من متوسط الدول المتقدمة، بينما كانت نسبة المتفوقين أقل من المتوسط. وكان الوضع في معظم الحالات مماثلًا أيضًا العام 2022، لكن الفجوة اتسعت بصورة كبيرة. وفي المجالات الثلاثة، احتلت إسرائيل المرتبة 31 من أصل 35 دولة من حيث نسبة الطلاب المتفوقين.

وتظهر النتائج فروقًا بين الجنسين؛ فقد تفوقت البنات على الأولاد في العلوم (449 مقابل 435) وفي القراءة (455 مقابل 417)، بينما كان الفارق في الرياضيات ضئيلًا لصالح الأولاد (435 مقابل 432). وسجل الأولاد انخفاضات حادة مقارنة بالعام 2022، بلغت 29 نقطة في العلوم، و46 نقطة في القراءة، ونحو 28–29 نقطة في الرياضيات. كما تراجعت نتائج البنات بأكثر من 30 نقطة في القراءة وأكثر من 20 نقطة في الرياضيات.

نحو نصف الطلاب يواجهون صعوبات في الرياضيات

من الصعب إخفاء التدهور الحاد في مستويات الطلاب في الرياضيات والعلوم والقراءة، بالمقارنة مع دول من مختلف المواقع. ففي الرياضيات ارتفعت نسبة من هم دون المستوى الأساسي من 37% إلى 46%، وفي العلوم من 32% إلى 40%، وفي القراءة من 30% إلى 41%. في المقابل، تراجعت نسبة المتفوقين في الرياضيات من 8% إلى 5%، وفي العلوم من 6% إلى 4%، وفي القراءة من 11% إلى 5%. وتأتي هذه النتائج بفوارق كبيرة عن متوسط دول OECD، وتضع إسرائيل بعيدًا عن الدول المتقدمة التي تتصدر الاختبارات.

في الرياضيات، ارتفعت نسبة الطلاب الذين يواجهون صعوبات، أي الذين يقل مستواهم عن المستوى الثاني، بـ9 نقاط مئوية، من 37% العام 2022 إلى 46% العام 2025، أي ما يقارب نصف الطلاب. ويبلغ متوسط OECD لهذه الفئة 34% فقط. في المقابل، تراجعت نسبة الطلاب المتفوقين في الرياضيات، أي الذين يحققون المستويين الخامس والسادس، من 8% إلى 5%، مقابل متوسط يبلغ 8% في الدول المتقدمة.

للمقارنة، تبلغ نسبة الطلاب المتفوقين في الرياضيات في المناطق الحضرية في الصين، بما فيها المقاطعات الصينية المشاركة، 54%، وفي سنغافورة 37%، وتايوان 32%، وماكاو 29%، وكوريا الجنوبية 23%، واليابان 22%، وهونغ كونغ 21%.

في العلوم، ارتفعت نسبة الطلاب المتعثرين بـ8 نقاط مئوية، من 32% العام 2022 إلى 40% العام 2025. ويبلغ متوسط OECD  25% فقط، أي أن الفجوة تصل إلى 15 نقطة مئوية.

وفي الدول التي تتصدر النتائج، وهي ماكاو (الصين)، والمناطق الحضرية في الصين، وسنغافورة، وإستونيا، واليابان، وتايوان، وكوريا الجنوبية، تقل نسبة الطلاب المتعثرين عن 15%. أما نسبة الطلاب المتفوقين في العلوم، فقد تراجعت من 6% إلى 4%، مقابل متوسط يبلغ 7% في الدول المتقدمة.

وفي القراءة، ارتفعت نسبة الطلاب المتعثرين بـ11 نقطة مئوية، من 30% العام 2022 إلى 41% العام 2025، مقابل متوسط يبلغ 31% في دول OECD. أما نسبة الطلاب المتفوقين فقد انخفضت بأكثر من النصف، من 11% إلى 5%، لتصبح أقل من متوسط الدول المتقدمة البالغ 6%.

في هذا السياق، يشير تقرير إلى أن وزير االتربية والتعليم الإسرائيلي يوآف كيش كان قد حاول منع نشر نتائج اختبارات "تنوفا" الوطنية في العلوم، بعدما أظهرت أن 3% فقط من الطلاب وصلوا إلى المستوى المطلوب، وقال إن النتائج غير منطقية. لكن نتائج "بيزا" الحالية تظهر أنها تتوافق مع نتائج اختبارات "تنوفا" (وهي منظومة تقييم وامتحانات قطرية تُجرى في جهاز التربية والتعليم في إسرائيل بواسطة السلطة القطرية للقياس والتقييم (راما) لفحص مستوى تحصيلات الطلاب في مواضيع أساسية مثل اللغة الأم (العبرية والعربية) واللغة الإنكليزية).

وزير التربية والتعليم اعتبر هذه الإخفاقات دليلًا على "صمود استثنائي"

الوزير كيش، المسؤول عن التعليم وبالتالي عن هذا الإخفاق قرّر قلب الصورة بل جعل الإخفاق إنجازًا. فقد قال ردًا على النتائج، إنه بعد نحو عام ونصف العام من الحرب، ومن إجلاء بلدات وحدوث اضطرابات عميقة في استمرارية العملية التعليمية، فإن هذه النتائج، من وجهة نظره، تمثل دليلًا على "الصمود الاستثنائي لجهاز التعليم الإسرائيلي". ومثله قالت وزارة التربية والتعليم أيضًا في بيان إن اختبار "بيزا" 2025 هو، بالدرجة الأولى، صورة للوضع التعليمي خلال الحرب، التي شهدت إجلاء سكان، وانتقال طلاب بين أطر تعليمية مختلفة، وإغلاق مؤسسات تعليمية وإعادة فتحها.

هنا، رأى تعليق في "هآرتس"، بتاريخ 8 أيلول 2026، أن هذه محاولات من الوزير كيش للتعامل مع النتائج بطريقة تقلل من حجم التراجع، بدل التعامل مع النتائج بوصفها مؤشرًا خطيرًا على وضع جهاز التعليم. وبحسب المقال، لم تقتصر محاولات التعامل مع النتائج على طريقة عرضها للجمهور الإسرائيلي، وإنما شملت أيضًا توجهًا مباشرًا إلى منظمة OECD. وتتمثل إحدى النقاط المركزية في أن كيش حاول التأثير في الطريقة التي ستُعرض بها النتائج والمقارنات الدولية، بما يسمح بتقديم صورة أقل سلبية عن أداء إسرائيل. هذه المحاولات شملت أيضًا طلبات تتعلق بصياغة تقرير السلطة الوطنية للقياس والتقييم في التربية (راما).

كما ينتقد المقال محاولات مقارنة نتائج 2025 بنتائج سابقة بطريقة تقلل من دلالة الانهيار. فبدل التركيز على حقيقة أن النتائج الحالية هي الأدنى في تاريخ إسرائيل في المجالات الثلاثة، يبرز النقاش الرسمي عوامل أخرى، وفي مقدمتها الحرب وتعطيل الدراسة وإجلاء السكان. وهذه العوامل موجودة بالفعل في تفسير وزارة التربية والتعليم، لكن المقال يطرح مسألة أوسع: هل يمكن تحميل الحرب وحدها مسؤولية النتائج، أم أن التراجع يكشف أيضًا عن مشكلات أعمق في جهاز التعليم وسياسات الوزارة؟

بالمقابل، رأى مقال نشرته صحيفة «مكور ريشون» اليمينية، أن أزمة القياس في جهاز التعليم الإسرائيلي أعمق وأقدم من وزير التعليم، رغم انتقاده الواضح لقراره منع نشر نتائج غير مرضية في العلوم (اختبار تنوفا). ويشير إلى أنه منذ العام 2014 جرى تجميد أو إلغاء اختبارات تقييم وطنية ست مرات، خلال ولايات وزراء تعليم مختلفين، بينهم شاي بيرون، نفتالي بينيت، رافي بيرتس، يوآف غالانت، يفعات شاشا- بيتون وكيش، وإن ارتبطت بعض القرارات بجائحة كورونا والحرب.

ويستعرض المقال إلغاء اختبارات «الميتساف» في عهد شاي بيرون، انطلاقًا من تصور أيديولوجي يرى أن قياس التحصيل بواسطة الاختبارات أمر سلبي، ثم تجميد نشر النتائج في عهد نفتالي بينيت العام 2019، وصولًا إلى وقف اختبارات أو نشر نتائج في فترات وزراء آخرين. وبذلك، يرى أن تحميل كيش وحده مسؤولية أزمة القياس سيكون مضللًا، لكن ذلك لا يعفيه من المسؤولية عن قراراته الحالية.

خلاف حول عرض النتائج: "محاولات تشويه وإخفاء"

أثارت الفجوات بين بيانات وزارة التربية والتعليم وبيان "راما" انتقادات وحرجًا للوزارة، كما نقلت الصحيفة الاقتصادية «كالكاليست» التي كانت نشرت وثيقة للمدير العام لراما، غال ألون، تتعلق بمحاولات لتشويه البيانات وإخفاء أجزاء منها، فيما بدا أن هناك مساعي لعرض نتائج "بيزا" 2025 على أنها لا تمثل تراجعًا حادًا.

لكن "راما" قالت صراحة إن الانخفاضات المسجلة في إسرائيل هي من بين أشد الانخفاضات في دول OECD منذ بدء اختبارات "بيزا" العام 2000، ولا سيما في القراءة. وكان التراجع الأشد بين الطلاب الناطقين بالعبرية في التعليم الرسمي، حيث انخفضت النتائج بـ52 نقطة في القراءة، و29 نقطة في الرياضيات، و28 نقطة في العلوم.

من جهتها، قالت قيادة أولياء أمور الطلاب القطرية إن اختبارات "بيزا" ليست المشكلة بل «المرآة»، وإن المطلوب معالجة الواقع الذي تعكسه. ومن مركز «منور» قيل إن أخطر ما يكشفه التقرير هو تدهور التعليم الرسمي العبري، الذي وصفه المركز بأنه أساس قطاعات الاقتصاد والتكنولوجيا والعلوم والأمن. ودعا «ائتلاف إنقاذ التعليم الرسمي» إلى تغيير أولويات الميزانية، مع اعتراضه على ما وصفه بأنه فارق يقارب 10 آلاف شيكل سنويًا في التمويل لكل طالب على حساب التعليم الرسمي العبري. أما منظمة «تجديد التعليم في إسرائيل»، فانتقدت مركزية اتخاذ القرارات وتوزيع الميزانيات وفق الساعات والصفوف بدلًا من احتياجات الطلاب.

سياسيًا، دعت عضو الكنيست ميراف كوهين إلى عقد جلسة طارئة للجنة التربية والتعليم على خلفية النتائج، ووصفتها بأنها الأسوأ لإسرائيل خلال عقدين من اختبارات "بيزا". أما عضو الكنيست نعاما لازيمي، المرشحة عن «الديمقراطيين» لمنصب وزيرة التربية والتعليم، فربطت بين التراجع في النتائج ومحاولات طمسها، معتبرة، بحسب قولها، أن الأمر يعكس «هروبًا منهجيًا من المسؤولية» من جانب كيش وحلفائه في الائتلاف الحكومي.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات