المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 10
  • ياسر مناع

أعلنت وزارة الطاقة الأميركية في 22 تموز 2026 توقيع اتفاق للتعاون النووي المدني مع المملكة العربية السعودية، استنادًا إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي للعام 1954. وتتيح هذه المادة للولايات المتحدة إمكانية التعاون مع دول أخرى في نقل التكنولوجيا والمواد والخدمات النووية للأغراض السلمية، وذلك ضمن شروط قانونية تتعلق بالسلامة ومنع الانتشار النووي.

ووقعت واشنطن والرياض إلى جانب الاتفاق الرئيسي اتفاقًا ثنائيًا خاصًا بالضمانات والرقابة. ويؤسس الاتفاقان لشراكة طويلة الأمد تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، ويفتحان المجال أمام الشركات الأميركية للمشاركة في تطوير برنامج الطاقة النووية السعودي. كما يهدف الاتفاقان إلى توسيع صادرات التكنولوجيا النووية الأميركية وتلبية احتياجات السعودية من الطاقة. وسيُحال الاتفاق إلى الكونغرس الأميركي لمراجعته قبل دخوله إلى حيزّ التنفيذ. ومن منظور إسرائيل، يمنح الاتفاق الرياض مكسبًا استراتيجيًا كبيرًا، فيما يشكل إخفاقًا سياسيًا لإسرائيل.

تستعرض هذه المساهمة أبرز المواقف الإسرائيلية من هذا الاتفاق النووي الأميركي - السعودي، والمخاطر والآثار الاستراتيجية التي أثارها داخل إسرائيل إلى جانب الحلول والمقترحات التي طُرحت بغية التعامل مع تداعياته.

المشروع النووي... حلم سعودي

ذكر البيت الأبيض الأميركي العام 2008 أن الولايات المتحدة والسعودية ستوقعان مذكرة تفاهمللتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية السلمية؛ تهدف إلى تمكين السعودية من الوصول إلى مصادر آمنة وموثوقة للوقود النووي، ومساعدتها على تطوير الاستخدامات النووية المدنية في الطب والصناعة وتوليد الكهرباء. كما نصت المذكرة على إنشاء إطار شامل للتعاون عبر اتفاقيات لاحقة، وقدمت السعودية في حينه بوصفها نموذجًا إقليميًا داعمًا لمنع الانتشار النووي.

ظهر تمسك السعودية بإمكانية تخصيب اليورانيوم بوضوح العام 2018، إذ رفضت السعودية توقيع أي اتفاق يحرمها من إمكانية تخصيب اليورانيوم مستقبلًا. وفي آذار من العام نفسه، قال ولي العهد محمد بن سلمان إن السعودية لا تريد امتلاك قنبلة نووية، لكنها ستسعى إلى امتلاكها في أسرع وقت ممكن إذا طورت إيران قنبلة نووية. 

وفي الوقت نفسه، أقرت الرياض سياسة وطنية لبرنامجها للطاقة الذرية تقصر الأنشطة النووية على الأغراض السلمية ضمن الحدود التي تحددها المعاهدات الدولية. وكانت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وروسيا وفرنسا والصين تتنافس آنذاك على مناقصة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات لبناء أول مفاعلين نوويين في المملكة.

اتفاق لا يتضمن "المعيار الذهبي"

يعود الاتفاق الجديد، الذي تبلور خلال زيارة وزير الطاقة الأمريكي الأولى إلى المنطقة في نيسان 2025، بـ فوائد اقتصادية واستراتيجية على الولايات المتحدة، إذ يمنح الشركات الأميركية موقعًا متقدمًا للفوز بعقود بناء منشآت الطاقة النووية السعودية وتشغيلها، ويوسع صادرات التكنولوجيا والخدمات النووية، ويدعم الوظائف وسلاسل التوريد داخل الولايات المتحدة. كما يتيح لواشنطن اطلاعًا أوسع على تطور البرنامج النووي السعودي؛ بما يساعدها على متابعة أنشطته وتقليص مخاطر الانتشار النووي، ويحد من فرص حصول الصين وروسيا وفرنسا وكوريا الجنوبية على العقود المرتبطة بالبرنامج.

أما السعودية، فيتيح لها الاتفاق إمكان الوصول إلى التكنولوجيا والخبرات النووية الأميركية لتطوير برنامجها النووي المدني، وإنتاج الكهرباء من الطاقة النووية، وتقليل استهلاك النفط والغاز في توليد الطاقة محليًا، وتوفير كميات أكبر من النفط للتصدير. كما يوفر مصادر طاقة لقطاعات كثيفة الاستهلاك، خصوصًا تحلية المياه وتشغيل أنظمة التكييف، ويفتح مسارًا قانونيًا للتعاون في دورة الوقود النووي بما يشمل احتمال تخصيب اليورانيوم من دون أن يلزم الولايات المتحدة بنقل تقنيات التخصيب أو قدراته إليها.

مع ذلك، لا يتضمن الاتفاق ما يوصف بأنه "المعيار الذهبي" الذي يمنع تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك، كما لا يلزم السعودية باعتماد البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد أثار غياب هذه الضمانات مخاوف إسرائيلية من أن يتيح الاتفاق توسيع القدرات النووية السعودية مستقبلًا، إذ ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" بأن عرقلة الاتفاق داخل الكونغرس ستكون معقدة، إذ تتطلب إقرار قرار مشترك بأغلبية الثلثين لتجاوز أي نقض رئاسي محتمل من دونالد ترامب.

معضلة إسرائيل الاستراتيجية

كان لافتًا أن إسرائيل سارعت إلى مهاجمة الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية ورفضه، وحملت المعارضة حكومة بنيامين نتنياهو مسؤولية تراجع قدرة إسرائيل على التأثير في القرارات الاستراتيجية المرتبطة بأمنها الإقليمي.

فقد اعتبر نفتالي بينيت - رئيس الحكومة السابق - في تصريح له أن الاتفاق الذي تبلور من دون مشاركة إسرائيل يمثل إخفاقًا استراتيجيًا خطيرًا قد يقود إلى سباق نووي إقليمي وفقدان السيطرة، ورأى أن الشرق الأوسط يحتاج إلى عدد أقل من أجهزة الطرد المركزي. 

وحذّر أفيغدور ليبرمان - رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" - من أن البرنامج النووي السعودي قد ينتهي بامتلاك المملكة سلاحًا نوويًا، ويدفع المنطقة نحو سباق تسلح واسع، مطالبًا إسرائيل بإعلان معارضتها الصريحة للاتفاق والتحرك بحزم أمام الكونغرس الأميركي لعرقلته. 

في المقابل، ركّز يائير غولان - رئيس حزب "الديمقراطيين" - على البعد السياسي للاتفاق، واتهم نتنياهو بإضعاف قدرة إسرائيل على التأثير في القرارات المرتبطة بأمنها، معتبرًا أن إقصاءها عن صياغة الاتفاق يعكس تراجع مكانتها في الملفات الإقليمية الكبرى.

فيما اقتصر الموقف الرسمي الإسرائيلي على بيان نشره مكتب رئيس الوزراء باللغة الإنكليزية في 23 تموز 2026، رحّب فيه باحتمال انضمام السعودية إلى "اتفاقيات أبراهام" للتطبيع، ووصف هذه الخطوة بأنها "قفزة تاريخية نحو السلام في الشرق الأوسط، وهو سلام من موقع القوة".

وعلقت صحيفة "كالكاليست" على تصريح مكتب نتنياهو بالقول إن ربط البرنامج النووي السعودي بالتطبيع يعكس قدرًا من الثقة المفرطة، لأن محمد بن سلمان لا يقف حاليًا على أعتاب اتفاق مع إسرائيل، ولأن الرياض تملك بدائل نووية وعسكرية عبر باكستان والصين إذا ما أغلقت واشنطن أمامها هذا المسار.

من جهته، كتب الصحافي دان بيري في صحيفة "معاريف" يوم 23 تموز 2026 أن الاتفاق يكشف غياب استراتيجية إسرائيلية واضحة، إذ حصلت الرياض على مكسب مهم من دون أن تنال إسرائيل التطبيع أو ضمانات أمنية مقابلة. ورأى أن حكومة نتنياهو أخفقت في تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية وأهدرت فرصة بناء تحالف إقليمي ضد إيران، فيما تراجعت مكانة إسرائيل الدولية وتآكل نفوذها في واشنطن. وخلص إلى أن إسرائيل تمتلك قوة عسكرية من دون رؤية سياسية وأن هذا الفشل يستوجب محاسبة الليكود وحلفائه.

ومن زاوية أخرى، يرى تسفي برئيل في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" يوم 24 تموز 2026، أن اشتراط الولايات المتحدة التطبيع مع إسرائيل لتنفيذ الاتفاق النووي مع السعودية قد يعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة السياسية؛ لأن الرياض تربط التطبيع بمسار موثوق وغير قابل للتراجع نحو إقامة دولة فلسطينية. ويشير إلى أن أهمية الاتفاق لكل من واشنطن والرياض تمنح السعودية قدرة أكبر على التأثير في السياسة الأميركية، وقد تدفع ترامب إلى الضغط على إسرائيل لفتح أفق سياسي مع الفلسطينيين، وربط توسيع اتفاقيات التطبيع بالتقدم نحو حل الدولتين.

"دولة عند العتبة النووية"

أثار الاتفاق داخل الأوساط الأمنية والبحثية الإسرائيلية نقاشًا واسعًا حول مخاطره وتداعياته، حيث يرى أفنير فيلان - المسؤول السابق في المؤسسة الأمنية والخبير في الشؤون النووية - أن أخطر ما في الاتفاق يتمثل في فتح المجال أمام السعودية للسيطرة على دورة الوقود وتكنولوجيا تخصيب اليورانيوم، لأن امتلاك هذه القدرات يقلص المسافة بين البرنامج النووي المدني والوصول إلى وضع "دولة عند العتبة النووية". إذ أن التخصيب بمثابة تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، ويمكن للبنية التحتية والخبرات وأجهزة الطرد المركزي المستخدمة في إنتاج الوقود النووي أن تتيح إنتاج مواد صالحة للاستخدام العسكري بعد اتخاذ قرار سياسي وإجراء تعديلات تقنية. ويرى فيلان أن الخطر لا يتعلق بالنوايا السعودية الحالية؛ لأن المنشآت والخبرات النووية تبقى قائمة لعقود في حين تتغير الأنظمة والتحالفات والمصالح.

بينما يرى يوئيل غوجانسكي - الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي - أن الاتفاق يضع إسرائيل أمام معضلة استراتيجية مزدوجة، تتمثل في تصاعد مخاطر الانتشار النووي من جهة، وفصل التعاون النووي السعودي عن مسار التطبيع مع إسرائيل من جهة أخرى. فقد كان البرنامج السعودي يُطرح سابقًا ضمن صفقة إقليمية أوسع تحصل فيها الرياض على التعاون النووي في مقابل التقدم نحو التطبيع، أما الاتفاق الحالي فقد يمنح السعودية مكسبًا استراتيجيًا كبيرًا من دون حصول إسرائيل على مقابل سياسي أو أمني.

ويتفق فيلان وغوجانسكي على أن الاتفاق يغير قواعد منع الانتشار النووي في المنطقة؛ لأنه يتجاوز النموذج الإماراتي القائم على التخلي عن التخصيب وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك. ويرى فيلان أن ذلك سيجعل مطالبة إيران بوقف التخصيب أكثر صعوبة وقد يدفع تركيا ومصر إلى المطالبة بمعاملة مماثلة، بما يفتح الطريق أمام سباق إقليمي نحو امتلاك قدرات نووية عند العتبة. بينما يركز غوجانسكي على أن السماح بالتخصيب السعودي قد يضعف نظام منع الانتشار ويمنح دولًا أخرى أساسًا سياسيًا وقانونيًا للمطالبة بالحقوق نفسها.

وعلى مستوى الآثار الاستراتيجية، يرى فيلان أن الاتفاق سيعزز مكانة السعودية أمام إيران في المدى القريب، ويعمق اعتمادها التكنولوجي والأمني على الولايات المتحدة، وقد يدعم التعاون السعودي الإسرائيلي في مواجهة التهديدات الإيرانية. غير أنه قد يؤدي على المدى البعيد إلى شرق أوسط يضم عدة دول قادرة على الانتقال سريعًا من البرامج المدنية إلى القدرات العسكرية.

 بينما يرى غوجانسكي أن الأثر المباشر على إسرائيل يتمثل في تراجع قدرتها على التأثير في شروط الاتفاق وآليات الرقابة، واحتمال تحملها مخاطر تعزيز القوة السعودية من دون تطبيع أو مشاركة إسرائيلية كافية في صياغة الترتيبات الأمنية.

تجنب المواجهة العلنية

يرى فيلان ضرورة إلزام السعودية بالتبني الكامل للبروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإخضاع دورة الوقود النووي كاملة لرقابة مستمرة ومتعمقة، وإنشاء آلية أميركية تمنع الرياض من امتلاك سيطرة مستقلة وغير قابلة للتراجع على تكنولوجيا التخصيب. كما يقترح إنتاج الوقود المخصب خارج السعودية، أو جعل تشغيل منشأة التخصيب مرتبطًا بصورة دائمة بالمعدات والخبراء وأنظمة الرقابة الأميركية مع إقراره بأن الرقابة قد تعرقل الانتقال إلى الاستخدام العسكري، لكنها لا تستطيع محو المعرفة والخبرات التي تكتسبها الدولة.

بينما يرى غوجانسكي أن على إسرائيل تجنب المواجهة العلنية مع السعودية، وإدارة حوار غير معلن مع الإدارة الأميركية؛ بهدف التأثير في صياغة الاتفاق ووضع قيود واضحة على التخصيب. كما يدعو إلى الدفع نحو اعتماد البروتوكول الإضافي وتشديد الرقابة الدولية، مع الإقرار بأن إسرائيل قد لا تستطيع وقف الاتفاق بعد تقدمه ما يفرض عليها التركيز على تعديل شروطه وتقليص مخاطره.

ويقترح غوجانسكي أيضًا إعادة دمج الاتفاق في صفقة إقليمية أوسع تشمل خطوات سياسية في الساحة الفلسطينية، بما يمنح السعودية مبررًا للتقدم نحو التطبيع مع إسرائيل. ووفق هذا التقدير، يجب ألا تكتفي إسرائيل بمعارضة الاتفاق، وإنما أن تسعى إلى المشاركة الفاعلة في تشكيل مضمونه وضمان حصولها على مكسب سياسي أو استراتيجي يوازي المكاسب التي تحصل عليها السعودية والمخاطر التي ستتحملها إسرائيل.

أخيرًا تجدر الإشارة إلى أنه بعد توقيع صفقة البرنامج النووي المدني بين الولايات المتحدة والمملكة السعودية، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوضيحات بشأنها في سياق بيان نشره في شبكة "تروث سوشيال" التي يملكها، كتب فيه أن المصادقة على الصفقة مشروطة بانضمام المملكة إلى "اتفاقيات أبراهام". وشدّد ترامب على أن صفقة البرنامج النووي هي مدنية فقط، وعلى عدم تخصيب اليورانيوم.

وكتب ترامب يقول: "إن الاتفاق النووي المدني (لن يكون هناك تخصيب للمواد!) والذي وقّع بين وزارة الطاقة الأميركية والمملكة العربية السعودية، ويتعلق فقط بالاستخدامات غير العسكرية، مثل تلك القائمة لدى إيران والإمارات العربية المتحدة (وغيرهما)، سيُوافَق عليه، لكنه مشروط بالكامل بانضمام المملكة العربية السعودية إلى ’اتفاقيات أبراهام’ المحترمة والناجحة. إن الولايات المتحدة لا تعارض إقامة منشآت نووية مدنية، بشرط ألّا تتضمن تخصيب اليورانيوم".

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن اتفاقيات التعاون النووي مع السعودية ومع دول أُخرى ستشمل آليات للحماية والرقابة، يتم تعديلها وفقًا لظروف كل اتفاق.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات