أعادت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، التي قال فيها مؤخرًا إن المساعدة الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة إلى إسرائيل تمنح واشنطن حق مطالبة هذه الأخيرة بأن تمتثل إلى سياستها، وأطلق خلالها تلميحات بشأن فرض قيود أو عرقلة توريد السلاح، إذا لم تتصرف إسرائيل وفقًا لذلك، إلى الصدارة جوهر العلاقات القائمة بين إسرائيل والولايات المتحدة على مرّ الأعوام منذ إقامة الأولى في العام 1948.
وبرزت على نحو خاص أصوات متطابقة تعتبر هذه الرؤية إشكالية، ناهيك عن أنها تدل على معرفة جزئية بالواقع، وفي أسوأ الحالات تعكس محاولة لممارسة ضغط سياسي من خلال عرض صورة غير مكتملة.
وانطوت إشارة أحد هذه الأصوات، وهو الإعلامي والقنصل الفخري ديفيد بن بسات، على تلميح صريح بأن المساعدات الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة إلى إسرائيل لا يمكن أعتبارها هدية أو منة أو مكرمة، بل هي "استثمار أميركي ذو عائد استراتيجي وأمني واقتصادي مرتفع للغاية". وبرأيه مَن يريد إدارة نقاش جدي بشأن مستقبل العلاقات بين البلدين، "عليه أن يدرك أن المساعدة لإسرائيل ليست مجرد دعم لحليف، بل هي أيضًا استثمار أميركي في أمن الولايات المتحدة نفسها. وتدل الحقائق على أن هذه الشراكة تُعَد واحدة من أنجح الشراكات الاستراتيجية التي عرفتها الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة وأكثرها استقرارًا وجدوى" ("معاريف"، 27/6/2026).
ولم يكتف بن بسات بهذا التلميح، بل أشار أيضًا إلى ما يلي:
أولًا، تبلغ المساعدة الأمنية الأميركية لإسرائيل اليوم نحو 3.8 مليارات دولار سنويًا؛ أمّا الاتفاق الحالي، الذي وُقّع في العام 2016 للعقد الممتد بين العام 2019 والعام 2028، فيبلغ مجموعه نحو 38 مليار دولار. ولكن خلافًا للانطباع الذي يحاولون بثّه أحيانًا، لا يتعلق الأمر بأموالٍ تُرسَل إلى إسرائيل من دون مقابل، بل وفق ترتيب استراتيجي يخدم مصالح أميركية واضحة. وأشار إلى أن الجمهور الأميركي يسمع، مرارًا وتكرارًا، أن الولايات المتحدة تمنح إسرائيل مليارات الدولارات، أمّا ما يُقال بدرجة أقل، فهو أن جميع أموال المساعدة الحالية تقريبًا من المُلزِم إنفاقها على شراء معدات دفاعية أميركية. فإسرائيل تشتري بها طائرات F-35 وF-15، ومروحيات أباتشي، وأنظمة رادار، وذخائر متقدمة، وقنابل ذكية، ومعدات اتصالات من صنع أميركي. والمعنى واضح، وهو أن المال لا يبقى في إسرائيل، بل يتدفق عائدًا إلى الصناعة الأميركية، ويعزّز سلسلة الإنتاج الدفاعي، ويدعم عشرات آلاف فرص العمل في أنحاء الولايات المتحدة. وتستفيد شركات أميركية عملاقة من طلبيات بمليارات الدولارات. بناء على ذلك، فإن تصوير المساعدة على أنها مكرمة أحادية الجانب يناقض الحقائق، فهي برنامج تشغيل أميركي بكل معنى الكلمة.
ثانيًا، هناك أيضًا بعدٌ آخر هو المساهمة الأمنية والتكنولوجية التي تقدمها إسرائيل إلى الولايات المتحدة. فمنذ أعوام، تُستخدم إسرائيل كمختبر عملياتي فريد، تُختبر فيها أنظمة الأسلحة، والدفاع الصاروخي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، ووسائل الاستخبارات في ظروف حقيقية. والخبرة العملياتية المتراكمة تُنقل بصورة مستمرة إلى المؤسسات الأمنية الأميركية وتساهم مباشرة في قدرات الجيش الأميركي. ومنذ هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 أصبحت إسرائيل مصدرًا ذا قيمة كبيرة للمعرفة العملياتية، بالنسبة إلى جيوش الغرب، في كل ما هو متعلّق بالتعامل مع العمليات المسلحة تحت الأرض، وهجمات الطائرات المسيّرة، وإطلاق الصواريخ والقذائف، ودمج الذكاء الاصطناعي في ساحة القتال، ويوفّر خبرة عملياتية لا يكاد يكون لها مثيل في العالم. وهذه القيمة تُدرَّس اليوم في المؤسسات الأمنية الأميركية، وتؤثر في تطوير مفاهيم القتال المستقبلية للولايات المتحدة. كما أن أنظمةً، مثل القبة الحديدية، ومقلاع داود، وحيتس 2، وحيتس 3، طُورت في إطار تعاوُن إسرائيلي- أميركي. ويُنتَج جزء من مكوناتها في الولايات المتحدة، وجزء آخر في إسرائيل. والمعرفة التي تراكمت في تطويرها تخدم أيضًا القوات الأميركية، وتساعد على حماية المصالح الأميركية في أنحاء العالم. وفي مجال الاستخبارات أيضًا، تُعد المساهمة الإسرائيلية كبيرة.
ثالثًا، أعاد بن بسات التذكير بأن إسرائيل، على نقيض دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط ولا سيما دول الخليج العربي، لا تطالب بنشر قوات أميركية على أراضيها، بل توفّر للولايات المتحدة معلومات استخباراتية، وتكنولوجيا، وخبرة عملياتية، وقدرة ردع إقليمية من أعلى المستويات. ومن نواحٍ كثيرة، تمنح إسرائيل واشنطن مزايا استراتيجية كان تحقيقها ببديل آخر سيتطلب استثمارات أميركية أكبر كثيرًا. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم تكلّف المساعدة لإسرائيل؟ بل: كم كانت ستكلف الولايات المتحدة حماية هذه المصالح نفسها من دون إسرائيل كشريك استراتيجي رئيسي؟
ما يخلص إليه بن بسات، شأنه شأن غيره من الباحثين والمحللين الإسرائيليين، في ضوء آخر التصريحات الصادرة عن نائب الرئيس الأميركي، هو أن إسرائيل تمتلك مجموعة من أوراق القوة والمناورة الجيوسياسية والعسكرية والتكنولوجية التي تتيح لها مواجهة ضغوط واشنطن أو التلويح بها في حال هدّدت الولايات المتحدة بوقف المساعدات الأمنية.
ويمكن ملاحظة أن ما تم التركيز عليه أكثر شيء هو كون إسرائيل، ليس في خضم الحروب الحالية فقط، هي بمثابة "مختبر حيّ للأسلحة الأميركية"، يتم فيه تجريب الأسلحة المتطورة والأنظمة السيبرانية الأميركية في ظروف قتالية حقيقية، وهو ما يوفر لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قرائن وبيانات تطويرية لا تقدر بثمن.
فضلًا عن ذلك، كان هناك من ذهب أبعد من ذلك نحو الجزم بأن العلاقات الأمنية بين إسرائيل والولايات المتحدة لم تعد "علاقات مانحٍ ومتلقٍ" بل استحالت إلى علاقة اندماج صناعي وتكنولوجي عميق، نظرًا إلى مشاركة إسرائيل بشكل أساسي، من جهة، في تطوير تكنولوجيا عسكرية مشتركة ومنظومات حيوية للجيش الأميركي (مثل منظومات الدفاع الجوي المتعدّدة) وأي وقف للدعم قد يعطل هذه البرامج المشتركة التي تحتاج واشنطن إليها. ومن جهة أخرى ثمة دمج بين الصناعات الدفاعية للدولتين وخصوصًا ضمن مشاريع الإنتاج المشترك، ومن شأن أي شرخ أن يضر بسلاسل التوريد العسكرية الأميركية نفسها.
من المتوقع أن يتواصل هذا النقاش وقد يشهد مزيدًا من الحدّة، وسيظل دائرًا على ما يبدو بين قطبين رئيسييْن:
القطب الأول يشدّد، بشكل خاص، على أن إسرائيل تمتلك قدرات كبيرة في مجال التصنيع العسكري، وفي حال رفعت الولايات المتحدة عنها الغطاء السياسي أو الأمني يمكنها تعميق شراكاتها التكنولوجية والعسكرية مع قوى دولية لا تضع شروطًا سياسية على بيع السلاح أو التحالفات، مثل الهند، أو قوى في أوروبا الشرقية وآسيا. كما تم التنويه بأن واشنطن تفرض قيودًا صارمة على الدول التي يمكن لإسرائيل بيع تكنولوجياتها العسكرية لها (مثل منع صفقات سابقة مع الصين). كما أن غياب الغطاء الأميركي قد يحرّرها من هذه القيود، مما يتيح لها إمكان فتح أسواق تسليح استراتيجية جديدة تضر بالقدرة التنافسية للأميركيين. وفي قراءة هذا القطب، فإن المساعدات الأميركية تحولت إلى أداة لتكبيل أيدي إسرائيل.
أما القطب الثاني، المقابل، فيرى أن الاستقلال التكنولوجي لإسرائيل من خلال الاستغناء عن واشنطن يظلّ مجّرد وهم. وفي الوقت عينه يؤكد أن الصناعة الإسرائيلية، مهما بلغت قوتها، لا يمكنها بناء خطوط إنتاج لطائرات مقاتلة (مثل F-35 أو F-15) أو توفير البديل الكمي الفوري لمئات الآلاف من الذخائر الذكية في أوقات الحرب الطويلة.
من ناحية أخرى يقول هذا القطب أن الخطر الحقيقي الذي سيكون ماثلًا أمام إسرائيل في حال تفاقم الأزمة مع الولايات المتحدة ليس قطع المليارات بل إسقاط الغطاء الدبلوماسي، وهذا أثمن من المال بكثير، بما في ذلك رفع "الفيتو" الأميركي في مجلس الأمن الدولي. ويخلص هؤلاء إلى الاستنتاج بأن تحوّل إسرائيل إلى "دولة مارقة" أو منبوذة دوليًا من دون مظلة الولايات المتحدة سيؤدي إلى فرض عقوبات اقتصادية دولية تجعل من المستحيل عليها تمويل حروبها أو الحفاظ على استقرارها المالي.
عند هذا الحدّ نجد لزامًا أن نستعيد ما سبق أن كتبنا عنه مرارًا، وهو وجود تقديرات أميركية وإسرائيلية رسمية متطابقة تشير إلى أن العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتسم بطابع خاص لا يقدر عليه أي تبدّل للإدارات الأميركية. ويُشار بهذا الشأن تحديدًا إلى أنه منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 تبدو العلاقات الأمنية بين البلدين أوثق من أي وقت مضى، في ظل الخطر الجديد المتمثل بـ "الإرهاب العالمي"، ولكنها كانت وثيقة في ما سبق.
ومما يجري التوقف عنده في هذا الصدد هو ما يلي:
- منذ يوم 27 كانون الأول 1962 قال الرئيس الأميركي جون كينيدي لوزيرة الخارجية الإسرائيلية في ذلك الوقت غولدا مائير إن "للولايات المتحدة علاقات خاصة مع إسرائيل في الشرق الأوسط يمكن مقارنتها فقط بالعلاقات التي تربطها مع بريطانيا فيما يختص بسلسلة طويلة من المسائل الدولية".
- في أثناء الحرب الباردة (بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق) كانت هناك مصالح استراتيجية مشتركة للبلدين في كبح ما وصفت بأنها "العدوانية التي كانت سمة ملازمة لدول تحت رعاية الاتحاد السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط"، ولاحت تلك المصالح في أفق العلاقات الثنائية مع تدخل مصر عبد الناصر في الحرب اليمنية.
- في العام 1981 أقدمت إسرائيل على تدمير مفاعل تموز النووي في العراق إبان حكم الرئيس صدام حسين، ما تسبب بمسّ قدراته العسكرية على نحو كبير. وبعد عشرة أعوام، في تشرين الأول 1991، وفي إثر تدخل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، شكر وزير الدفاع الأميركي ريتشارد تشيني إسرائيل "على العمل الشجاع والدراماتيكي" الذي قامت به قبل عقد.
- في سياق الشهادة التي أدلى بها أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي يوم 15 آذار 2007 قال الجنرال بنتس ج. كرادوك، قائد منطقة أوروبا في الجيش الأميركي USEUCOM، إن إسرائيل كانت بمثابة "الحليف الأقرب" للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ودعمت المصالح الأميركية "بشكل مثابر ومباشر". وهذا تقدير مهني من شأنه أن يسحب البساط من تحت أقدام القائلين إن إسرائيل تشكل عبئًا استراتيجيًا ولا تعود بأي منافع على المصالح القومية الأميركية.
- بسبب أن كثيرًا من الموضوعات المرتبطة بالعلاقات الاستراتيجية الأميركية- الإسرائيلية تلفّها السريّة المطلقة أو الغموض الكبير، ولا سيما على مستوى التعاون في المجال الاستخباراتي، فمن شبه المستحيل أن يُتاح أمام الدارسين والمحللين إمكان تقويم القيمة الحقيقية لهذه العلاقات. ومع ذلك نشير إلى أنه في العام 1986 قال الجنرال جورج ف. كيغن، الذي خدم في استخبارات سلاح الجو الأميركي، إنه ما كان سينجح في جمع المواد الاستخباراتية التي حصل عليها من إسرائيل حتى لو كانت تحت تصرفه "خمس وكالات سي. أي. إيه" (وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية). ووردت أقواله في سياق مقابلة صحافية في الوقت الذي كانت فيه الحرب الباردة في ذروتها، وأضاف خلالها قائلًا: "إن قدرة سلاح الجو الأميركي خصوصًا والجيش عمومًا على الدفاع عن مكانتهما في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مدينة للاستخبارات التي تزودهما إسرائيل بها أكثر من أي مصدر استخباراتي آخر"!
- كما أن جنرالًا أميركيًا آخر هو ألكسندر هيغ، الذي شغل منصبي القائد الأعلى لقوات الناتو ووزير الخارجية الأميركي في أثناء الحرب الباردة، أكد أن إسرائيل "هي حاملة الطائرات الأكبر في العالم التي لا يوجد جنود أميركيون على متنها، ولا يمكن إغراقها، وهي راسية في منطقة حساسة أمنيًا واقتصاديًا. كما أن إسرائيل توفّر على الولايات المتحدة نفقات ترتبط بإنتاج ونصب حاملات طائرات وألوية عسكرية إضافية في المحيط الهندي والشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، تصل إلى نحو 15 مليار دولار سنويًا".
تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.