هذه حلقة أخيرة من القراءة في تقرير جديد لـ "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، خلص إلى أن فترة عمل الكنيست الـ25 شهدت مسارًا متواصلًا لإضعاف الديمقراطية في إسرائيل، وليس مجرد خطوات متفرقة.
هذه الورقة تتوقف عند سائر المحاور وخلاصة التقرير.
المساس بالإعلام غير المقرّب من السلطة وتقليص النقد العام
اعتُبر "الإعلام الحرّ" طوال فترة ولاية الحكومة الحالية جبهة مركزية، من خلال محاولة تعزيز وسائل الإعلام المقرّبة من السلطة وإضعاف مراكز النقد العام. وتجلّى ذلك في مزيج من الإجراءات البنيوية وخطوات الإسكات الموضعية: الدفع بتغيير سوق البث، وإضعاف البث العام وخصخصته وتسييسه، ولا سيما هيئة البث الإسرائيلية (كان) وإذاعة الجيش (غالي تساهل)، ومنح امتيازات تنظيمية لجهات مقرّبة من السلطة، إلى جانب تشريعات لإغلاق وسائل إعلام وتصاعد التحريض والتهديدات ضد الصحافيين والمؤسسات الإخبارية.
ناقشت لجنة خاصة "إصلاحًا جذريًا لسوق البث"، رغم اعتراض المستشارة القانونية للكنيست التي رأت أن لجنة الاقتصاد هي الجهة المختصة بإعداده، وملاحظات سلطة التنظيم بشأن عيوب في إعداد مذكرة القانون. كما جرت العملية بسرعة، وقُسّم مشروع القانون قبيل نهايتها من دون تشاور مسبق مع مستشاري الكنيست والحكومة القانونيين.
مضمونيًا، ألغى القانون الالتزام بتشغيل شركة أخبار منفصلة عن هيئات البث، بعد إعادة تعريف جميع قنوات البث باعتبارها "أصحاب ترخيص صغير". كما أنشأ جهة تنظيمية جديدة يختار أعضاء مجلسها عبر لجنة بحث يترأسها المدير العام لوزارة الاتصالات، ما يبقي السيطرة السياسية على التعيينات. وأدى التصميم التنظيمي الجديد إلى فوضى في توزيع الصلاحيات، إذ ستستمر جهات تنظيمية قائمة في ممارسة بعض صلاحياتها بالتوازي مع الهيئة الجديدة.
وقد أشارت المحكمة العليا إلى أن الالتماسات تثير مسائل ذات وزن بشأن إجراءات التشريع وبعض ترتيبات القانون، وأصدرت أمرًا مؤقتًا بشأن الأحكام التي كان يفترض أن تدخل حيز التنفيذ منذ نشره.
بالتزامن، تواصل الهجوم على هيئة البث العام. فطُرح مشروع لإخضاع رئيس مجلس الهيئة لجلسة استماع علنية سنوية أمام لجنة الاقتصاد، وأقرت اللجنة الوزارية للتشريع في حزيران 2025 مشروعًا لإغلاق قسم الأخبار وخصخصة بث "ريشت ب"، بما يعني إغلاق قناتين عامتين، وإن لم يُستكمل المسار.
كما طُرحت محاولة لإلغاء لجنة البحث التي تختار أعضاء مجلس هيئة البث وإخضاع التعيينات لوزير الاتصالات والحكومة، بما يعني عمليًا سيطرة سياسية على البث العام.
وفي الوقت نفسه، استمر الخلاف حول تركيبة المجلس الذي يعمل من دون نصاب، بعد تمديد المحكمة مؤقتًا ولاية بعض أعضائه بسبب رفض الوزير تعيين أعضاء إضافيين اختارتهم لجنة البحث. كما أعلن الوزير إقالة رئيسة اللجنة، لكن المحكمة جمدت الإقالة بأمر مؤقت.
خطوات حثيثة غرضها التدخل في الإعلام التجاري أيضًا
أعاد الكنيست تمديد ترتيبات تلزم أصحاب "الترخيص الصغير"، وفي مقدمتهم القناة اليمينية 14، بالبث مع إعفائهم من تكاليف التوزيع وتحميلها لهيئة البث والكنيست وخزينة الدولة، وإعفائهم كذلك من توفير البث المباشر مجانًا للمنصات الإلكترونية، فضلًا عن تمديد امتيازات أخرى.
وفي آذار 2026 أقرت الحكومة تركيبة جديدة لمجلس السلطة الثانية للتلفزيون والراديو. وأثيرت إشكالات بشأن بعض التعيينات بسبب تصريحات سابقة ضد هيئات خاضعة لرقابة المجلس أو بسبب تضارب المصالح. وبعد التماس ضد التعيينات، قررت المحكمة أن يواصل المجلس السابق عمله إلى حين البت في قانونية التعيينات. واستقال بعض أعضائه، وسط خشية، وفق الأمر المؤقت، من أن تكون الاستقالات تمت تحت ضغط وزير الاتصالات أو من يمثله؛ لذلك قررت المحكمة استمرار المجلس حتى البت في الالتماس. ورغم ذلك أعلنت الحكومة أنها لا تعترف بالأمر القضائي، مع أنه موجّه إلى مجلس السلطة الثانية وليس إليها.
كذلك، قررت الحكومة إغلاق إذاعة الجيش، رغم أن صلاحيات وزير الدفاع القانونية تجاهها تقتصر على البرامج العسكرية، بينما تقع الأخبار والشؤون الجارية ضمن مسؤولية البث العام. وفقًا للتقرير، يشكل الإغلاق مساسًا خطيرًا بحرية التعبير ومحوًا فعليًا لنصف البث الإخباري العام في الإذاعة، ولذلك يتطلب تشريعًا أصليًا.
في العام 2024 أقر قانون يتيح لوزير الاتصالات وقف بث هيئة إعلامية أجنبية ومصادرة الأجهزة المستخدمة لتقديم محتواها إذا تقرر أن محتواها "يضر بصورة جوهرية بأمن الدولة"، حسب النص، مع الاكتفاء بالتشاور مع الجهات الأمنية بدون القانونية. ورغم عدم ثبوت فاعليته الأمنية، جرى تمديده وتوسيعه. وفي كانون الأول أقر تعديل مدّة سريانه حتى نهاية 2027، رغم انتهاء القانون أصلًا في أواخر تشرين الثاني، وألغى عمليًا شرط وجود حالة طوارئ أو حالة خاصة في الجبهة الداخلية لتفعيله. كما أضيفت الشرطة إلى الجهات الأمنية التي يمكن الاستناد إلى موقفها لإغلاق هيئة بث، ومددت مدة الإغلاق إلى 90 يومًا.
تسييس التعليم والأكاديميا وتضييق المجال أمام المجتمع المدني
أقر الكنيست العام 2024 قانونًا بشأن العاملين في التعليم وسحب التمويل من المؤسسات التعليمية تحت ذريعة "إظهار التضامن مع عمل إرهابي أو منظمة إرهابية". ويمنح القانون وزير التربية والتعليم ومدير عام الوزارة صلاحية واسعة لحرمان مؤسسة من الميزانية إذا "ثبت، بما يقنعهما"، وجود مظاهر تضامن مع الإرهاب، حتى عندما لا تصل إلى مستوى التحريض المحظور الذي تطبقه الشرطة والنيابة. وقد يتيح ذلك اتخاذ إجراءات ضد موظفين لأسباب سياسية لا تتصل مباشرة بالأمن.
كذلك طُرح مشروع قانون يسمح لمؤسسات التعليم العالي بفصل عضو هيئة تدريس إذا ثبت أنه "حرض على الإرهاب أو دعم منظمة إرهابية أو كفاحًا مسلحًا أو عملًا إرهابيًا ضد إسرائيل"، حسب النص، مع شروط إجرائية محددة وإمكان خفض ميزانية المؤسسة إذا لم تنفذ الفصل.
ويرى التحليل أن المشروع لا يضيف فعليًا إلى العنوان العام "مكافحة الإرهاب"، لأن المؤسسات الأكاديمية لا تملك أدوات أجهزة إنفاذ القانون لتحديد ما إذا كان التعبير يشكل تحريضًا أو دعمًا للإرهاب. وفي المقابل، يفرض على الأكاديميين نظامًا خاصًا وأوسع من القانون العام، ما يهدد حرية التعبير والحرية الأكاديمية ويخلق "أثرًا رادعًا" على من يفترض أن يمارسوا التفكير النقدي وانتقاد سياسات السلطة.
في مسعى لتسييس البحث والعلم عمل وزير التربية والتعليم على زيادة سيطرته على أجندة التعليم العالي وتعييناته وتمويله، ومن ذلك إبقاء مجلس التعليم العالي فترة طويلة من دون نائب رئيس إلى أن عُيّن مرشح من جانبه. وتضاف إلى ذلك محاولات سابقة لتسييس مجالس مؤسسات ثقافية وأكاديمية. كما حاول الوزير العام 2024 تغيير جائزة إسرائيل وحصرها في مجالات جديدة، بعد تقارير عن رفضه منح إحدى الجوائز لرجل أعمال انتقد بشدة الحكومة ومحاولات إضعاف الديمقراطية. وبعد التماس إلى المحكمة وتأكيد المستشارة القانونية أنها لن تمثل الوزير، تراجع عن القرار. وفي تموز 2025 غُيّر نظام الجائزة بحيث يمكن استبعاد من شارك في إجراءات قضائية أو سياسية خارج إسرائيل ضد جنود أو ضد الدولة، بما في ذلك تقديم الشكاوى والالتماسات والتمثيل القانوني وجمع الأموال. وقد يستبعد ذلك مبدعين ينتقدون الحكومة، ويحوّل الجائزة "من مؤسسة وطنية جامعة إلى أداة سياسية".
مساس بالحقوق الأساسية: المساواة وحرية التعبير والحقوق المدنية للمواطنين العرب
شملت مشاريع القوانين والإجراءات في هذا الباب، بصورة خاصة، الحق في المساواة وحرية التعبير والحقوق المدنية للمواطنين العرب.
في آذار 2026 وسّع الكنيست صلاحيات المحاكم الدينية اليهودية والشرعية لتشمل التحكيم في طيف واسع من النزاعات المدنية، كقضايا العمل والجيران، إذا وافق الطرفان. وتكمن المخاطر بحسب التقرير في أن الموافقة قد لا تكون حرة بسبب تفاوت القوة أو الضغط الاجتماعي، فضلًا عن غياب الضمانات بأن تُحترم الحقوق الأساسية وقوانين الدولة. وأزيلت كذلك الرقابة القضائية المدنية المعتادة على أحكام التحكيم، ما منح أحكام المحاكم الدينية قوة ملزمة واسعة.
في الشهر نفسه أُقر قانون يجعل الإعدام العقوبة الافتراضية للفلسطينيين الذين "أدينوا بارتكاب أعمال إرهابية"، مع إمكان السجن المؤبد في ظروف خاصة. ويمس القانون الحق في الحياة والكرامة، ويتعارض مع الاتجاه السائد في الديمقراطيات الغربية نحو إلغاء عقوبة الإعدام، كما يثير إشكالًا تمييزيًا لأنه يستهدف منفذي الإرهاب العرب بصورة خاصة. ولم تر معظم الجهات المهنية أنه سوف يعزز مكافحة الإرهاب، وحذر مختصون من مخاطره الأمنية.
وفي تموز 2026 توسع الفصل بين الجنسين في التعليم العالي من نطاقه السابق، الذي اقتصر على برامج البكالوريوس والجمهور الحريدي وقاعات التدريس، ليشمل الدراسات العليا وجميع مجالات الدراسة. وأتاحت الصياغة النهائية احتمال توسيع الفصل إلى المجال العام داخل المؤسسات، ما يمس المساواة وجودة التعليم ويتعارض مع القيود التي وضعتها المحكمة ومجلس التعليم العالي سابقًا.
أما مشروع "قانون الإعفاء من التجنيد"، فلم يفرض تجنيدًا متساويًا على المجتمع الحريدي، بل حدد أهدافًا دنيا للتجنيد بما ينظم عمليًا إعفاء الغالبية الساحقة من طلاب المعاهد الدينية. وبعد الحرب على إيران أُعيد دفعه على الرغم من التحذيرات من "أزمة القوى البشرية في الجيش". وفي حزيران 2026 أقر تعديل يجمّد ثلاثة أشهر إجراءات الاعتقال والتحقيق والتنفيذ ضد طلاب المعاهد غير الملتحقين بالخدمة، بل يوقف الإجراءات والأحكام القائمة، رغم استمرار واجب التجنيد قانونًا. وأصدرت المحكمة العليا في اليوم التالي أمرًا مؤقتًا بتعليق دخوله حيز التنفيذ. وقبل ذلك بأيام أُقر "قانون أساس: دراسة التوراة"، ما أثار مخاوف من استخدام قوانين الأساس لتسوية خلافات سياسية.
وفي مجال حرية التعبير، جُرّم "الاستهلاك المنهجي والمستمر لمنشورات التحريض على الإرهاب" حتى من دون نشرها أو القيام بفعل علني يدل على التضامن، ومدد سريان الأمر حتى تشرين الثاني 2027. كما طُرح منح الشرطة صلاحية فتح تحقيقات في جرائم التحريض من دون موافقة النيابة، بالتزامن مع إنشاء قسم جديد للتحريض ومراقبة النشاط على شبكات التواصل، بما يثير مخاوف من توسيع تدخل الشرطة في التعبير، خصوصًا في سنة انتخابية.
أما في المجتمع العربي، فتكررت محاولات خفض أو تحويل ميزانية خطة السنوات الخمس "تقدّم". فطُرحت محاولة لتحويل نحو 3 مليارات شيكل، ثم حُولت 220 مليون شيكل للشرطة والشاباك، وفي تموز 2026 أُقر تحويل 497 مليون شيكل من ميزانيات القرار 550. وقد يضر ذلك بالتعليم والتشغيل والحكم المحلي. كما يثير توسيع دور الشاباك في مكافحة الجريمة الجنائية غير الأمنية مخاوف بشأن الخصوصية وحقوق المشتبه بهم، ويطمس الحدود بين العمل الأمني وإنفاذ القانون المدني.
خلاصة التقرير: الضرر الذي تراكم عبر سنوات لا يمكن إصلاحه بخطوة واحدة
تكشف المجالات التي تطرّق إليها التقرير وغطّاها أن التراجع الديمقراطي لم يكن سلسلة إجراءات منفصلة، بل عملية تراكمية لإضعاف مراكز الرقابة وإعادة تشكيل توازن القوى لمصلحة السلطة السياسية. ولم يقتصر ذلك على القضاء، بل امتد إلى المستشارية القانونية، والشرطة، والخدمة العامة، والإعلام، والتعليم والأكاديميا، والمجتمع المدني، ثم إلى الحقوق الأساسية نفسها.
والأهم أن هذا المسار لم يعتمد على التشريع وحده؛ فقد جرى أيضًا عبر التعيينات والإقالات، تعطيل المؤسسات، تحويل الميزانيات، التدخل الإداري، وتحدي الأعراف والالتزامات القانونية. وحتى المبادرات التي أوقفتها المحكمة أو لم تكتمل أسهمت في إضعاف الأعراف التي شكلت لسنوات جزءًا من النظام الديمقراطي.
في المقابل، أثبتت المحاكم، والمستشارية القانونية، والجهات المهنية، والمجتمع المدني، والأكاديميا والإعلام والاحتجاج الشعبي، وفقًا لتقييم التقرير، أن مؤسسات الكبح المستقلة لا تزال قادرة على الحد من بعض مظاهر التراجع. لكن الاستنتاج الأهم هو أن "الديمقراطية لا تُقاس بعدد القوانين التي أُقرت، بل بالتغير التراكمي في توازن القوى، واستقلال المؤسسات، وثقافة الحكم".
ومن هنا يخلص إلى أن "استعادة الديمقراطية لا تعني فقط إلغاء قوانين بعينها، بل تتطلب إعادة بناء استقلال مؤسسات الدولة، وترسيخ قواعد دستورية واضحة، وحماية الحقوق الأساسية، واستعادة استقلال الإعلام والخدمة العامة والمجتمع المدني، وضمان خضوع السلطة للقانون والرقابة. فالضرر الذي تراكم عبر سنوات لا يمكن إصلاحه بخطوة واحدة، بل يحتاج إلى إعادة ترسيخ منظومة التوازنات والضوابط التي تجعل ممارسة السلطة خاضعة للقانون والديمقراطية".