المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 4
  • برهوم جرايسي

حصل رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أخيرا، من حزبه الليكود، على ما سعى له منذ عدة أشهر، وهو صلاحية تعيين مرشحين في قائمة الحزب للانتخابات البرلمانية المقبلة، بقدر سيتيح الإطاحةبحوالي نصف الكتلة البرلمانية الحالية، بما يشمل وزراء تخلّوا عن عضوية الكنيست، لصالح أعضاء آخرين من الحزب، بموجب ما يسمى "القانون النرويجي"؛ فعلى الرغم من أن هذه ليست المرّة الأولى التي يحصل فيها نتنياهو على صلاحية كهذه، بل هذا بدأ قبل نحو 12 عاما، فإن حصوله على 6 مقاعد ضمن المقاعد الـ 18 الأولى، ولاحقا على مقعدين آخرين حتى المقعد 29، يجعل القائمة الفعلية، عمليا، بيده. ومن شأن هذا أن يقود إلى أزمة ليست سهلة، بعد الانتخابات الداخلية في الشهر الجاري، آب، إلا أن نتنياهو لم يعد يأبه بأزمات حزبه، لأنه يعرف أنه الاسم الوحيد القادر على إبقاء الحزب في صدارة النتائج.

فقد أقر المجلس المركزي لحزب الليكود، مطلع الأسبوع الماضي، طلب نتنياهو، تعيين حتى ثمانية مرشحين، ضمن المرشحين الثلاثين الأوائل، في قائمة مرشحي الحزب للانتخابات البرلمانية المقبلة، إلا أن القرار جاء بأغلبية ضئيلة، كما أن نسبة الحاضرين من أعضاء المجلس، أقل من 73%، تُعد منخفضة، في قضية بهذا المستوى، التي تشغل الحزب منذ عدة أشهر، وهذا يدل على حالة امتعاض متصاعدة، خاصة من النواب والوزراء الحاليين، ومؤيديهم.

وبحسب تقرير الحزب، عند صدور النتائج، فقد شارك في عملية التصويت 3387 عضو مجلس مركزي، من أصل 4659 عضوا، أي ما نسبته 72.7%، وهذه تعد نسبة منخفضة، خاصة وأن الأعضاء صوتوا في المدن والبلدات الكبرى، أي قريبة من مكان إقامتهم، من دون حاجة إلى السفر.

وبحسب القرار، فإنه سيكون بإمكان نتنياهو أن يعين ثمانية مرشحين حتى المقعد 29 في قائمة الحزب، لكن من بينهم 6 مرشحين حتى المقعد 18، وهؤلاء أكثر واقعية من المقعدين 26 و29، بحسب ما تمنحه استطلاعات الرأي العام لليكود حاليا، ما بين 21 وحتى 23 مقعدا.

وهذا يعني أن 40 عضو كنيست ووزيرا حاليا لحزب الليكود، سيتنافسون على المقاعد الأكثر واقعية، من المقعد الثاني حتى المقعد 23، أي ما بين 14 وحتى 16 مقعدا.

وقد بدأ عدد قليل جدا من نواب الليكود الحاليين بالاستقالة من الكنيست، بحثا عن مأوى سياسي جديد، قد يضمن لهم العودة الى الكنيست، وقد تشتد الظاهرة لاحقا، مع إتمام انتخاب قائمة الليكود، إذ بحسب التقديرات، سنشهد أسماء بارزة في الكتلة البرلمانية قد غابت عن الترشيحات الواقعية. 

نتنياهو خطّط لهذا منذ عدة أشهر

ظهرت في السنة الأخيرة توجهات أكثر حدّة من نتنياهو، من أجل إتمام السيطرة على حزب الليكود، بدءا من مؤسساته، ولكن الأهم، قائمة مرشحيه للكنيست، فقبل نحو ثمانية أشهر، وبعد مماطلة طويلة، حسمتها المحكمة الداخلية في الحزب، جرت انتخابات داخلية للمجلس المركزي، ومنها السكرتارية القطرية، وعلى الرغم من أن النتائج جاءت لصالح نتنياهو، فإن الأخير رفض الاعتراف بالنتائج، إذ بحسب تقارير صحافية، كان يريد تأييدا وموالاة بقدر أكبر من النتيجة الحاصلة. 

لهذا، فإن نتنياهو سعى بداية لإلغاء الانتخابات الداخلية لاختيار مرشحي الحزب للكنيست، على أن يتم اختيار المرشحين من خلال لجنة مصغرة يقودها بنفسه، لكن هذا فشل، ولاحقا طلب بعدد أكبر من المرشحين، ليعينهم بنفسه، وانتهى الأمر بتخصيص ثمانية مقاعد له، كما سبق أن ذُكر هنا. 

ويبرر المقربون من نتنياهو، في أحاديث لوسائل الإعلام الإسرائيلية، بأن هدف نتنياهو هو عدم افساح المجال لعودة نواب من الليكود، يسيئون للحزب في الجمهور الواسع، وتردد بكثير اسم المحامية طالي غوتليف، المنفلتة الشرسة في جلسات الكنيست، الهيئة العامة واجتماعات اللجان، وتستهدف بشكل خاص النواب العرب، كي تشوش خطاباتهم، ولكن ليس وحدهم، بل أيضا نواب المعارضة. 

لكن مشاهد غوتليف امتدت الى قاعات المحكمة العليا، حينما هاجمت مرارا قضاة المحكمة العليا، ووبختهم، ما اضطر القضاة عدة مرات لإصدار أوامر بإخراجها من قاعة المحكمة. لكن غوتليف، هي "اسم رمز" لظاهرة واسعة في كتلة الليكود البرلمانية الحالية. 

وقال تقرير في صحيفة "هآرتس"، وتقارير صحافية أخرى، إن عائلة نتنياهو مشاركة في هندسة قائمة الحزب للانتخابات، إذ يتم ابراز اسم زوجته سارة وابنه يائير. 

من الصعب رؤية الليكود يستمر بعد نتنياهو! 

تحركات نتنياهو في الأشهر الأخيرة تشكل ذروة جديدة في نهجه في حزب الليكود، منذ أن وصل إلى رئاسته لأول مرة في العام 1993، ولاحقًا بات رئيس الحكومة باسمه، في العام 1996، وحتى حينما ابتعد نتنياهو عن مؤسسات الحزب، لثلاث سنوات، بعد انتخابات العام 1999 التي خسرها لصالح إيهود باراك، بقي ظله مهيمنًا على الحزب، حتى تحت رئاسة أريئيل شارون.

وحينما عاد نتنياهو لتولي رئاسة الحزب في خريف العام 2005، كثف ممارساته لمحاصرة وحتى استبعاد أكبر منافسيه، رغم أنه في كل منافسة واجهها على رئاسة الحزب، كانت نتيجتها معروفة سلفًا. واستخدم نتنياهو كل الوسائل، من أجل تحقيق الهدف، لكن من أكثر المحطات بروزًا في هذا المجال، حينما عمل عشية انتخابات العام 2013، من أجل تصفية كبار شخصيات التيار الأيديولوجي القديم في الحزب، شخصيات لها اسمها في الشارع الإسرائيلي، ووصل الى الكنيست بعد انتخابات 2013، مع كتلة برلمانية ضعيفة.

وعمليًا، لم تبق في حزب الليكود شخصية واحدة، ذات مكانة، وقادرة على أن تقود الحزب، كما هي الحال مع نتنياهو، لذلك، فإن التقدير السائد هو أنه بعد نزول نتنياهو عن المسرح السياسي، بفعل العمر، وحاليا 77 عاما، أو لربما صدور قرار محكمة في قضايا الفساد التي يواجهها منذ قرابة 11 عاما، يلزمه بإنهاء حياته السياسية. ما يعني أن الليكود بعد نتنياهو مرشح لانقسامات، بعد صراعات حادة جدا على رئاسة الحزب، وهذا قد ينهي مكانة آخر حزب إسرائيلي قديم، له وزن في السياسة الإسرائيلية.

تحوّلات سياسية داخلية 

منذ أن ظهر نتنياهو على الساحة السياسية، في سنوات الثمانين من القرن الماضي، كدبلوماسي في البعثة الإسرائيلية في الأمم المتحدة، ولاحقا كنائب لوزير الخارجية، في مطلع سنوات التسعين، كان ضمن التيار السياسي الأكثر تشددًا في الحزب، ولهذا فإنه حينما وصل إلى رئاسة الحكومة، في منتصف العام 1996، كان واضحًا أنه سيغير مسار أوسلو، في سبيل عدم الوصول الى الأهداف التي أعلن عنها في بدايتها، لكن الظروف السياسية محليًا وإقليميًا وعالميًا، جعلته يتأنى، ويلجم بعضًا من مخططاته.

في النصف الثاني من سنوات التسعين، وبعد أن تبنى الليكود طريقة الانتخابات المفتوحة جماهيريًا لاختيار مرشحي الحزب للانتخابات البرلمانية، "حارب" بقدر كبير مسعى المستوطنين، رغم قلتهم نسبيًا، في تلك السنوات، مقارنة مع اليوم، للسيطرة على المجلس المركزي لليكود، أو تشكيل مركز قوة صاحب تأثير قوي، واستمر نتنياهو في هذا المسعى لأكثر من عشر سنوات، أيضًا تمهيدًا لانتخابات الكنيست في العام 2009.

لكن تمهيدًا لانتخابات مطلع العام 2013، أقدم نتنياهو على تحول كبير، ولنقل انعطافة، واستعان بتيار المستوطنين، من أجل الإطاحة بالشخصيات الكبيرة البارزة في الحزب، من التيار الأيديولوجي القديم، التي رأى فيها نتنياهو عائقًا أمامه، للسيطرة المطلقة على الحزب، ومنذ ذلك الحين، باتت علاقة نتنياهو مع هذا التيار مختلفة تمامًا، إذ تحول إلى الذراع الطولي لنتنياهو في الحزب، حتى الآن.

وبالإمكان القول، إن هذا التحول، لكن ليس وحده، ساهم بقدر كبير، في طغيان التيار الكهاني، الأشد تطرفًا في اليمين الاستيطاني، على كتلة الليكود في الكنيست، وعلى أداء وزراء الليكود في الحكومة، بدءًا من رئيسها. 

أنصار لليكود يبتعدون عن الحزب بسبب نتنياهو

يقول المحلل السياسي الإسرائيلي مايكل هاوزر طوف، في مقال له في صحيفة "هآرتس" الأسبوع الماضي، إنه إذا كانت النائبة غوتليف تُبعد مصوتين عن الليكود، فإن نتنياهو يُبعد أنصار الليكود عن الحزب. وكتب: "يسعى نتنياهو بكل قوته لإلغاء الانتخابات التمهيدية للحزب، مدعيًا أن الشخصيات المتوقع انتخابها لمناصب عليا، مثل طالي غوتليف ودافيد بيتان، تُشكّل عبئًا على الليكود. لكن ما يرفض نتنياهو فهمه هو أنه هو نفسه أصبح عبئًا على الليكود. فقد غادر حوالي عشرة مقاعد، أي أكثر من 350 ألف شخص، حركة الليكود بعد سنوات طويلة من التصويت لها (وفق استطلاعات الرأي العام)، بسبب فشله الشخصي في الحرب، والانقسام، وسلوكه. قد تكون غوتليف تُنفّر المترددين، لكن نتنياهو يُنفّر الليكوديين".

وتابع الكاتب: "في استطلاع للرأي العام أُجري قبل نحو أسبوعين، تم طرح السؤال التالي: ’هل أثرت أحداث 7 أكتوبر على موقفكم الأيديولوجي والسياسي أم لا؟’. وقد أجاب 38% من المشاركين بأنهم أصبحوا أكثر ميلًا لليمين. ويُظهر استطلاع آخر أجراه معهد أبحاث السياسات التابع للشعب اليهودي أن 70% من اليهود الإسرائيليين يُعرّفون أنفسهم بأنهم يتبنون مواقف يمينية معتدلة إلى متطرفة (بينما بقي المجتمع العربي على حاله بعد 7 أكتوبر).

"وكان من المفترض أن تُترجم الأغلبية اليمينية الواضحة في الرأي العام إلى أغلبية تاريخية واضحة في المعسكر اليميني. فعلى صعيد المقاعد، كان من المفترض أن يُمثّل اليمين في إسرائيل اليوم بنحو 85 عضوًا في الكنيست. إلا أن نتنياهو، ملك إسرائيل، يُعرقل هذا الإنجاز التاريخي بجهوده الشخصية".

وبرأي هاوزر طوف "يُسبب نتنياهو، بسلطته ونفوذه السياسي، ظاهرة مزدوجة: أولًا، يتلاشى الحوار بين اليمين واليسار، ويفقد اليمين السياسي قيمته، لأن معيار الحسم في المجتمع الإسرائيلي هو ’نعم لنتنياهو’ أو ’لا لنتنياهو’. لكن حتى على الصعيد العملي، يُشكّل نتنياهو عبئًا على اليمين".

ويقول هاوزر طوف: "قبل كل شيء، يقع العبء الحقيقي على رئيس الحكومة، إضافةً إلى كونه عبئًا على حزبه وحلفائه، على دولة إسرائيل نفسها. وسواءً أحبّها الناس أم لا، فإنّ إحدى مزاياه التي لا جدال فيها خلال سنوات حكمه كانت مكانته في الولايات المتحدة. فنتنياهو، بصفته أميركيًا سابقًا، كان أكثر درايةً بالسياسة والمجتمع من أي شخص آخر.

"فلسنوات، كانت صورة بنيامين نتنياهو أقوى في الولايات المتحدة من صورة دولة إسرائيل. بالنسبة للأميركيين، تلاشت الحدود بين إسرائيل ونتنياهو. لكن صورة نتنياهو انهارت، انهيارًا مدويًا يُسقط معه مكانة دولة إسرائيل بأكملها.

"فقد أظهر استطلاعٌ للرأي العام أجراه مركز بيو للأبحاث في نيسان انخفاضًا بنحو 20% في ثقة الأميركيين بنتنياهو منذ بداية حرب 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى اليوم. ولتوضيح مدى خطورة وضعه الشخصي في الولايات المتحدة، يكفي النظر إلى استطلاع للرأي العام نُشر مؤخرًا في مجلة الإيكونوميست، وأظهر أن نصف الأميركيين وربع الجمهوريين يؤيدون اعتقاله في ضوء دعوات عمدة نيويورك زهران ممداني. نتنياهو علامة تجارية مكروهة في أميركا. وأي مجتمع يرغب في البقاء عليه أن ينأى بنفسه عنه ويبني صورة مستقلة".

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات