شهدت مستوطنات "منطقة بنيامين" في وسط الضفة الغربية، خلال صيف 2026، توسعًا لافتًا في النشاط الثقافي والترفيهي، شمل عروضًا موسيقية لفنانين إسرائيليين معروفين، ومهرجانات للنبيذ والبيرة، وافتتاح فضاءات جديدة للعروض والترفيه. فوفق تقرير نشره موقع "الاستيطان الآن" في 7 آب (1)، افتتح المغني يشاي ريبو مدرجًا جديدًا للعروض في "تل مونيم"، هو الأول من نوعه في غربي بنيامين؛ وأحيا الموسيقي مارك إلياهو عرضًا في موقع شيلو القديمة، وقدمت فرقة "تيبيكس" عرضًا في مصنع نبيذ "بساغوت"، فيما ظهر مغني الراب جيمبو جاي في حانة جديدة افتتحت هذا العام في منطقة "شاعر بنيامين". وتزامن ذلك مع تنظيم مهرجان للنبيذ في شيلو القديمة، وآخر للبيرة في "شاعر بنيامين"، إلى جانب فعاليات أخرى استقطبت جمهورًا من داخل المنطقة وخارجها.
يقدم التقرير هذا النشاط باعتباره تحوّلًا في موقع "بنيامين" على خريطة الثقافة والترفيه الإسرائيلية، فبعد سنوات كان فيها المستوطنون يتجهون إلى القدس ووسط إسرائيل لحضور العروض والفعاليات، يقول إن صيف هذا العام شهد "تغيرًا في الاتجاه": حيث جاء إسرائيليون من القدس و"المركز" إلى "بنيامين" من أجل العروض ومصانع النبيذ والحانات والمواقع السياحية. ويضع مجلس بنيامين، بحسب التقرير، هذا التحول إلى جانب نمو الاستيطان والتشغيل والبنى التحتية، معتبرًا أن ترسخ حياة ثقافية وترفيهية غنية يعزز "جودة الحياة" في المنطقة ويجلب إليها جماهير جديدة من أنحاء إسرائيل.
الثقافة كبنية تحتية للاستيطان!
يصعب فصل هذا النشاط الثقافي عن الطريقة التي تصوغ بها المؤسسات الاستيطانية نفسها تطور مشروعها، فمجلس مستوطنات "بنيامين" يقدّم تاريخ المنطقة كسردية متصلة: بدأت، بحسب موقعه الرسمي، بـ "نضالات ريادية وعزيمة صهيونية" رافقت تأسيس المستوطنات منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم أضيف إليها مع الزمن "مستوى مرتفع من جودة الحياة، وحياة مجتمعية وثقافية وتعليمية غنية" (2). وفي الموقع نفسه، يأتي النشاط الثقافي والاجتماعي الواسع ضمن عناصر النمو والتطور إلى جانب السكان والتشغيل والصناعة والبنية التحتية. وهكذا، نجد أنه لا يقتصر تثبيت الاستيطان على عدد الوحدات السكنية أو امتداد الطرق، لكنه أيضا يشمل قدرة المكان على إنتاج يومياته الخاصة، وجمهوره، واقتصاده الثقافي، وصورته وكأنه جزء طبيعي من المجال الإسرائيلي.
تكشف هذه الصياغة انتقالًا في أدوات تثبيت المشروع أكثر مما تصف مجرد تحسن في الخدمات المقدمة للمستوطنين، فالسيطرة على الأرض وإنشاء المستوطنة وشق الطرق تشكّل البنية المادية للاستيطان، فيما وكأن الثقافة والتعليم والترفيه والسياحة تمنح المكان قدرة أخرى بأن يصبح صالحًا لإنتاج حياة إسرائيلية كاملة ومستقرة وجاذبة. فمن هذا المنظور تعمل الثقافة كبنية تحتية مدنية للاستيطان، تؤدي وظيفة موازية للطريق والمنطقة الصناعية والخدمات، لأنها تساعد على تحويل الحضور الاستيطاني من فعل سيطرة استعمارية إلى نمط حياة قابل للاستمرار والتوسع.
هذا المنطق عبّر عنه رئيس مجلس بنيامين ورئيس مجلس "يشع" إسرائيل غانتس، بوضوح لافت في أيار 2026، وإن كان في سياق الإعلان عن مركز طبي جديد، فقد وصف المشروع بأنه جزء من مسار يرمي إلى توفير "جودة حياة كاملة"، و"ربط بنيامين بدولة إسرائيل، ليس فقط بالأمن والاستيطان، بل أيضًا بالطب والبنية التحتية والحياة نفسها" (3). هنا تحديدًا تتضح وظيفة الحفلات والمهرجانات والمطاعم ومصانع النبيذ: إنها تشارك في إنتاج تلك "الحياة نفسها" التي تجعل المستوطنة تبدو، في التجربة الإسرائيلية اليومية، مدينة أو ضاحية طبيعية أكثر منها أداة للسيطرة الاستعمارية.
من "الأمن" إلى الحياة العادية: إنتاج المركز الاستيطاني
لهذه الحركة دلالة تتجاوز أعداد الزوار، فالذهاب إلى المستوطنة يجري هنا من خلال نشاط مألوف لا يحمل، في ظاهره، معنى سياسيًا مباشرًا: شراء تذكرة لحفل، تناول الطعام، تذوق النبيذ أو زيارة موقع سياحي. وتتيح هذه الممارسة اليومية دمج المستوطنة داخل خريطة الخيارات الثقافية والترفيهية للإسرائيلي، بحيث تتراجع خصوصية عبور الخط الأخضر أمام طبيعة النشاط نفسه. يأتي الجمهور من أجل فنان يعرفه أو تجربة استهلاكية مألوفة، فيما تصبح الجغرافيا الاستعمارية خلفية غير مرئية للتجربة الثقافية.
فالثقافة هنا تؤدي وظيفة تطبيعية داخلية شديدة الأهمية، عبر إنتاج معنى اجتماعي جديد للمكان الذي قامت السيطرة الاستيطانية بتشكيله ماديًا وسياسيًا. فكلما ازدادت قدرة المستوطنة على تقديم نفسها كفضاء للحياة اليومية، تراجع حضورها في المخيال الإسرائيلي وكأنها بؤرةً أو جبهةً، وتقدمت صورتها كبلدة أو ضاحية أو مقصد للسياحة والترفيه. ضمن هكذا تصور، يجري إدماج الضفة الغربية في الجغرافيا الاجتماعية الإسرائيلية عبر الممارسة اليومية نفسها: تتحول الأرض المحتلة إلى مكان مألوف، والمكان المألوف إلى جزء من الحياة الإسرائيلية العادية.
ومن هذه الزاوية، يصبح "التغير في الاتجاه" الذي يحتفي به "تقرير بنيامين" أكثر من مؤشر إلى نجاح موسم ثقافي، فهو يعبر عن مرحلة أوسع في تطوّر المشروع الاستيطاني: الانتقال من تثبيت الإسرائيلي في المستوطنة إلى جعل المستوطنة نفسها قادرة على جذب الإسرائيلي إليها، ومن هامش يحتاج إلى الارتباط بـ "المركز" إلى فضاء يسعى إلى أداء وظيفة المركز وجذب الحركة نحوه. يندرج هذا التحول ضمن منطق أوسع رافق المشروع الصهيوني منذ مراحله الأولى، حيث اقترنت السيطرة على الأرض بحلم بناء مجتمع ومؤسسات واقتصاد وحياة عامة تربط السكان بالمكان وتحوله إلى مركز مستقر وقابل للاستمرار (4). وبذا جمع الاستيطان منذ بداياته بين السيطرة على الجغرافيا وإنتاج مجال اجتماعي يرسّخ الحضور فيها.
خاتمة
توضح حالة "بنيامين" هذه أن ترسيخ الاستيطان يتقدّم اليوم أيضًا عبر أدوات تبدو وكأنها مدنية وعادية: برنامج فني، موسم سياحي، مصنع نبيذ، مطعم أو فضاء ترفيهي. وتكمن قوة هذه الأدوات في قدرتها على إعادة تعريف علاقة الإسرائيلي بالمستوطنة، بحيث تصبح زيارتها جزءًا من الممارسة اليومية أكثر من كونها انتقالًا إلى مجال سياسي "متنازع عليه".
ضمن هذا الفهم، يكتسب الاستيطان بعدًا اجتماعيًا وثقافيًا يوازي امتداده العمراني والجغرافي، فكل فعالية تستقطب جمهورًا جديدًا، وكل تجربة استهلاكية تربط الزائر بالمكان، تساهم في ترسيخ حضوره داخل الوعي الإسرائيلي وإعادة صياغة الضفة الغربية باعتبارها امتدادًا قابلًا للاستخدام والزيارة والاستثمار. وهكذا تعمل الثقافة كإحدى الأدوات التي تمنح المشروع الاستيطاني مظهرًا مدنيًا مألوفًا، فيما تستمر بنيته الاستعمارية في تشكيل المكان وشروط الوصول إليه ومن يملك حق تعريفه واستخدامه.
هوامش:
(1) ليمور دباش، "الصيف في بنيامين: عروض ضخمة، مصانع نبيذ ومهرجانات اجتذبت آلاف الزوار"، الاستيطان الآن، 7 آب 2026. انظر الرابط https://hit-n.co.il/community/112206/
(2) المجلس الإقليمي مَطيه بنيامين، "عن المجلس". انظر الرابط:
https://www.binyamin.org.il/99/
(3) المجلس الإقليمي مطيه بنيامين، "مركز لإعادة التأهيل للمقاتلين سيفتتح في بنيامين"، 3 أيار 2026. انظر الرابط:
https://www.binyamin.org.il/articles/item/526/.
(4) بنيامين زئيف هرتسل، تل أبيب (ألتنويلاند)، ترجمة ناحوم سوكولوف (1902)، مشروع بن يهودا. انظر الرابط:
https://benyehuda.org/read/7260