المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 5
  • عبد القادر بدوي

أعادت عملية تفجير شبكة الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان، في 10 أيلول 2026، اسم وحدة "يهلوم" إلى واجهة النقاش؛ فبعد أشهر من العمل في هذه المنطقة وكل ما رافق ذلك من نقاشات حول مستقبلها، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات من "الوحدة الهندسية للمهام الخاصة" عملت إلى جانب "لواء الكوماندوز" على فحص المسارات تحت الأرض وتجهيزها للتدمير، قبل أن تنهي الفرقة 36 العملية بتفجير الشبكة. وقال الجيش في بيانه، إن طول المسارات التي تم تدميرها تجاوز كيلومترين باستخدام أكثر من 1,100 طن من المواد المتفجرة، في ما وصفها بأنها واحدة من أكبر وأعقد العمليات الشبيهة في السنوات الأخيرة. هذه المساهمة، تقدم مادة تعريفية بالوحدة ونشأتها وتطورها عبر السنوات الماضية، لا سيما بعد ورود اسمها في عمليات التدمير الواسعة خلال حرب الإبادة في قطاع غزة وجنوب لبنان. مع أهمية الإشارة إلى أن المصطلحات والأفكار الواردة أدناه لا تعبّر عن وجهة نظر معدّ المساهمة، أو مركز مدار.

تقدم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وحدة "يهلوم" على أنها مرجعيتها العليا في "المهمات الهندسية الخاصة"، ولكن التعريف الرسمي للوحدة يتجاوز الصورة المرتبطة بالتفجيرات الكبيرة، فهي تجمع اختصاصات العمل في الأنفاق، الهدم، الاستطلاع الهندسي، الاقتحام، ومعالجة الذخائر والعبوات والأسلحة غير التقليدية قبل التفجير. وقد اتسع مجال عملها خلال العقود الثلاثة الماضية بالتوازي مع اتساع اعتماد الجيش الإسرائيلي على الهندسة القتالية في غزة ولبنان والضفة الغربية. لذلك، يعكس تطورها جانبًا من التحوّل في طريقة استخدام القوة البرية الإسرائيلية، حيث تتداخل مهمة القتال مع تفكيك البنية المادية للمكان وتدميرها، فوق الأرض وتحتها على حدٍّ سواء.

من معالجة المتفجرات إلى إدارة الحرب تحت الأرض

تأسست وحدة "يهلوم" في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وبشكل أساس من دمج قدرات هندسية خاصة كانت موزعة بين وحدات أصغر، أبرزها "سييرت ياعيل" ووحدات إزالة المتفجرات. وفي مراحلها الأولى، تركّز عملها على الألغام والعبوات والهدم والاستطلاع الهندسي، قبل أن تدفع الانتفاضة الفلسطينية الثانية والعمليات في الضفة وقطاع غزة إلى توسيع وظائفها. ويشير أحد القادة السابقين للوحدة، إلى أن المواجهة مع العبوات والأسلحة الأكثر تطورًا خلال عملية اجتياح الضفة الغربية (عملية "السور الواقي") العام 2002 دفعت الوحدة إلى بناء وتطوير أساليب عمل جديدة خلال العمليات نفسها.

أما التحول الأبرز، فجاء من الأنفاق في قطاع غزة؛ إذ تحول فريق صغير كان يعمل في هذا المجال إلى تشكيل متخصص أُلحق بـ "يهلوم" وحمل اسم "سمور" (اختصارًا لعبارة "مخابئ وأنفاق" بالعبرية). ومع الحرب الإسرائيلية على غزة العام 2014، برزت معضلة اتساع الفجوة بين حجم شبكة الأنفاق تحت الأرض من جهة، وبين استعداد الجيش الإسرائيلي لها من جهة أخرى، ما دفع إلى زيادة حجم هذا التخصص وتوسيع التدريب والوسائل المخصصة له. وبحسب تعريف الجيش لبنية الوحدة، أصبح "سمور" الجهة المختصة بالعمل تحت الأرض، بما يشمل العثور على المسارات ودراستها ومعالجتها بمختلف الوسائل.

لا يقتصر عمل "يهلوم" على قطاع غزة؛ فقد عملت الوحدة في الضفة الغربية للكشف عن مخابئ وذخائر، ودخل عناصر منها خلال العام 2024 ضمن فريق خاص أنشأته قيادة المنطقة العسكرية الوسطى في الجيش للتحقق من الاشتباه بوجود أنفاق بالقرب من مناطق شمال الضفة، كما تشارك في عمليات هدم منازل ينفذها الجيش، بما يضع قدراتها الهندسية داخل منظومة السيطرة العسكرية وسياسات الردع العقابي، إلى جانب وظيفتها القتالية المباشرة.

ستة اختصاصات داخل الوحدة

يقسّم الجيش "يهلوم" حاليًا إلى عدة اختصاصات هندسية، أبرزها "سمور" المرتبط بالأنفاق والمخابئ؛ "سييرت ياعيل" المختصة بالاستطلاع الهندسي والهدم ومعالجة حقول الألغام؛ "مدرون موشلاغ" التي تختص بعمليات الاقتحام الهندسي وفتح العوائق. وتضم الوحدة كذلك تشكيلات لمعالجة العبوات والذخائر غير المنفجرة، و"سايفان" المختصة بالأسلحة غير التقليدية، إلى جانب قدرات مرتبطة بالذخائر الجوية والعمل المشترك مع "سلاح الجو"، وفقًا للمعلومات الرسمية التي ينشرها الجيش عن الوحدة.

يعكس هذا التقسيم طبيعة وحدة "يهلوم" التي أصبحت تجمعًا لاختصاصات هندسية مختلفة أكثر من كونها قوة مهمتها التفجير وحده، وفي كثير من الحالات تعمل "يهلوم" مع وحدات أخرى، بحيث تتولى "ألوية المشاة" أو "الكوماندوز" السيطرة على المنطقة، فيما تدخل الوحدة لمعالجة المهمة الهندسية المتخصصة. وظهر ذلك في قطاع غزة، حيث عملت إلى جانب ألوية "المناورة" في كشف وتدمير شبكات تحت الأرض في مدينتي غزة وخان يونس ومناطق أخرى.

لا تخفي منشورات الجيش الإسرائيلي اتساع تأثير الحرب التي بدأت في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 على طبيعة التدريب داخل الوحدة؛ ففي نهاية 2024 أعلن الجيش عن تعديل برنامج تأهيل عناصر "يهلوم"، بحيث يحصل المقاتل على معرفة أوسع في اختصاصات الوحدة الأخرى بدل الاقتصار المبكر على مجال ضيق. وقد برّر الجيش التغيير بالحاجة التي ظهرت خلال الحرب إلى أن تعمل الفرق الصغيرة بصورة أكثر استقلالية، وأن تواجه في المهمة الواحدة أنفاقًا وعبوات وعوائق هندسية مختلفة.

الروبوتات والذكاء الاصطناعي: أين تبدأ "يهلوم" وأين تنتهي؟

أدخلت الحرب تحت الأرض وسائل روبوتية وغير مأهولة إلى عمل القوات الهندسية بدرجة متزايدة، وفي هذا السياق، يصف تقرير لـ "يديعوت أحرونوت" القتال داخل أنفاق غزة بأنه نمط يقوم على إدخال روبوت مزوّد بكاميرا إلى الفتحة التي جرى العثور عليها لفحصها قبل إرسال الأفراد، ثم استخدام وسائل إضافية إذا ما بقيت الصورة غير مكتملة، وقد رافق ذلك استخدام المسيّرات والوسائل البصرية والمجسّات لتقليل الحاجة إلى دخول الجنود مباشرة إلى بيئة قد تكون مفخخة. كما تشير القناة الـ 12 الإسرائيلية، في مراجعة لتوسع استخدام الروبوتات داخل الجيش الإسرائيلي، إلى تطوير أدوات صغيرة لمسح الأنفاق وبثّ الصور، ومسيّرات قادرة على العمل في الظلام وفي بيئات لا يتوفر فيها استقبالGPS، مع إمكان بناء نماذج ثلاثية الأبعاد للمجال المحيط.

في هذا السياق، تتطلّب مسألة الذكاء الاصطناعي قدرًا أكبر من الحذر، فمن ناحية، هناك توثيق رسمي لاستخدام الوحدة 9900 التابعة للاستخبارات العسكرية تقنيات الذكاء الاصطناعي والـ Big Data  في تحليل الصور والمعلومات الجغرافية المتعلقة بشبكات الأنفاق؛ فقد أعلن الجيش بعد الحرب على قطاع غزة العام 2021 أن تقنيات الذكاء الاصطناعي استُخدمت في بناء صورة لشبكة "المترو" التابعة لحركة حماس، عبر دمج صور الطائرات والمجسات ومصادر معلومات مختلفة ومقارنتها على مدى الزمن. 

في المقابل، يوجد استخدام موثّق ومباشر للذكاء الاصطناعي داخل أحد مجالات عمل "يهلوم"؛ ففي حزيران 2024 كشف الجيش عن نظام أطلق عليه اسم "مِكتسوعان"، الذي طورته الوحدة التكنولوجية 1337 في "سلاح البر" لصالح عناصر إزالة المتفجرات. ويعمل هذا النظام، وبحسب ما ورد في المادةالرسمية التي نشرها الجيش، كأداة محادثة تعتمد خوارزمية ذكاء اصطناعي للمساعدة في التعرّف الأولي على أنواع الذخائر والعبوات استنادًا إلى مجموعة من الخصائص التي يدخلها المستخدم.

تكشف هذه المعطيات مسارًا تدريجيًا لتحوّل "يهلوم" إلى وحدة قائمة على الذكاء الاصطناعي، تُدخل الخوارزميات إلى عملها عبر مستويات مختلفة، بدءًا من الاستخبارات التي توفر صورة للمجال تحت الأرض، وبرامج مساعدة في تحديد الذخائر، وروبوتات ومسيّرات تتجه إلى مزيد من الاستقلالية، وذلك على الرغم من أن المصادر الإسرائيلية لا تُقدم، حتى الآن، دليلًا على امتلاك الوحدة منظومة ذكاء اصطناعي مستقلّة تتولّى رسم الأنفاق أو تحديد كيفية تدميرها بصورة آلية!

المصطلحات المستخدمة:

يديعوت أحرونوت

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات