أقرّت معظم القراءات الإسرائيلية بأن فوز الدكتور عبدول السيّد (عبد الرحمن السيّد)، قبل عدة أيام، ببطاقة ترشيح الحزب الديمقراطي الأميركي لانتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان هو بمثابة "منعطف ملفت" في السياسة الداخلية الأميركية، ومن المحتمل أن تكون له تداعيات واضحة على طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ورأى بعضها أن هذه العلاقات تتجّه أكثر فأكثر نحو استقطاب أعمق، بحيث يظل الحزب الجمهوري داعمًا مطلقًا لإسرائيل، بينما يزداد التوتر والفجوة التنظيمية مع قيادات وقواعد الحزب الديمقراطي الشابة.
وقد فاز السيّد في الانتخابات، بفارق ضئيل، على عضوة الكونغرس الحالية والمؤيدة لإسرائيل، هايلي ستيفنز.
وتشير معطيات التصويت والمعلومات الأولية إلى أن السيّد حظي بدعم كبير بين الشباب وبين ذوي التعليم الأكاديمي، في حين تمتعت ستيفنز بأغلبية بين السود في الولاية.
وتعود الرؤية الإسرائيلية لهذا الفوز كـ "منعطف مُلفت"، على وجه العموم، إلى الأسباب التالية:
أولًا، بموجب ما أكده الدكتور أفيشاي بن ساسون- غورديس، رئيس مجال الولايات المتحدة في "معهد دراسات الأمن القومي" والمحاضر في كلية العلوم السياسية والحكم والعلاقات الدولية في جامعة تل أبيب، والبروفسور تيد ساسون، الباحث في مجال الولايات المتحدة في "معهد دراسات الأمن القومي" وأستاذ علم الاجتماع في جامعة ميدلبري الأميركية، فإنه على الرغم من أن الأمر يتعلق بسباقٍ واحدٍ، فإنه يجسّد في طياته قصة "التحدّي الذي تواجهه دولة إسرائيل في السياسة الأميركية في الوقت الراهن". وبالتالي فإن المعركة على تمثيل ميشيغان هي في الوقت نفسه معركة على مكانة إسرائيل في السياسة الأميركية (موقع قناة التلفزة الإسرائيلية 12، 6/8/2026).
ثانيًا، جرى التركيز، بشكل خاص، على أن هذه الانتخابات التمهيدية شهدت ضخًا ماليًا قياسيًا من طرف لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) وحلفائها لإسقاط عبدول السيد ودعم منافسته هايلي ستيفنز. وفي ضوء ذلك فإن فوزه بالرغم من هذا الإنفاق الضخم يظهر تراجع قدرة لجان الضغط الداعمة لإسرائيل على الحسم الإجباري في المعارك الانتخابية المعقدة، كما أن هذا الفوز يشجّع مرشحي الحزب الديمقراطي الجدد على تبني مواقف أكثر نقدية لسياسات إسرائيل من دون الخوف المطلق من التمويل المضاد.
ثالثًا، كذلك جرى التركيز، في سياق متصل مع ما سبق، على أنه مثلما حدث في منافسات داخلية أخرى في الحزب الديمقراطي في هذه الدورة، كانت إسرائيل واللوبي المؤيد لها موضوعًا مركزيًا في الانتخابات التمهيدية في ميشيغان. وقد حظيت ستيفنز في السابق بدعم من "أيباك"، وحصلت حملتها على استثمار بلغ نحو ستين مليون دولار، وفقًا لتقارير إعلامية، من مجموعات مرتبطة باللوبي، ما جعلها السباق الأغلى في تاريخ الانتخابات التمهيدية الديمقراطية غير الرئاسية. أما السيّد، من جانبه، فقد استخدم المشاركة المالية لـ "أيباك" باعتبارها عنصرًا مركزيًا في حملته الانتخابية، من خلال تقديم نفسه بوصفه المرشح الأضعف الذي يكافح التأثير المفسد للمال الأسود في السياسة الأميركية. ومع ذلك، فإن انتقادات السيّد تجاه إسرائيل لم تقتصر على المشاركة المالية للوبي المؤيد لها. فقد رفض التعبير عن دعمه لحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية، وانتقد الدعم الأميركي للإبادة الجماعية والفصل العنصري اللذين تنتهجهما إسرائيل. كما أنه يدعم فرض حظر على تصدير السلاح، أو ربط المساعدات العسكرية الأميركية إلى إسرائيل بمدى التزامها بالقانون الدولي.
رابعًا، تناولت صحف وقنوات تلفزة إسرائيلية فوز السيّد من وجهة نظر ترى أن الصوت الناقد لإسرائيل لم يعد محصورًا في مجلس النواب أو في مقاعد مناطق معينة بل وصل إلى مستوى التنافس على مجلس الشيوخ، وهو المجلس المسؤول عن المصادقة على صفقات السلاح، ومعاهدات الدفاع، وتعيينات السفراء. ومن شأن دخول عضو يطالب بوقف الدعم العسكري المباشر أن يُصعّد النقاشات حول الميزانيات المخصصة لإسرائيل. وبطبيعة الحال لم تستخلص هذه الصحف والقنوات أن ترشح عبدول السيد وفوزه في الانتخابات التمهيدية يعنيان تحوّلًا فوريًا كاملًا في السياسة الخارجية الأميركية تجاه إسرائيل، ولكنها في الوقت عينه شدّدت على أنهما يُسرّعان مما وصفته بأنه "تحوّل بنيوي داخل الحزب الديمقراطي نحو سياسة أكثر صرامة ونقدًا تجاه إسرائيل"، ويضع موضوع "كبح الدعم العسكري الأميركي المطلق ضمن أجندة النقاش السياسي الرئيس في واشنطن".
كذلك لا بُدّ من الإشارة إلى استخلاصين آخرين: الأول، أن هذا الفوز يُعدّ ضربة موجعة للجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) ولجنتها للعمل السياسي. فقد أنفقت هذه اللجنة عشرات ملايين الدولارات لدعم منافسة السيّد، هايلي ستيفنز، إلا أن قواعد الحزب الديمقراطي في ميشيغان اختارت مرشحًا يُنادي بصراحة بوقف الدعم العسكري لإسرائيل. والثاني، أن هذه النتيجة تكسر الاعتقاد السائد بأن الاستثمار المالي الضخم لـ "أيباك" قادر على إسقاط أي مرشح يتبنى مواقف ناقدة لسياسات إسرائيل.
وحث استخلاص آخر تبناه البعض على وجوب النظر إلى نتائج ميشيغان بوصفها مؤشرًا مبكرًا إلى الاتجاه السياسي للحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأميركية القادمة (2028)، وقد يعني أن التيار الداعي إلى ربط أو منع المساعدات عن إسرائيل أصبح جزءًا أصيلًا من التيار الرئيس للحزب الديمقراطي وليس مجرد هامش تقدمي. وفي هذا الإطار جرى التنويه بأن هناك صعودًا واضحًا لما يُنعت إسرائيليًا بأنه "التيار التقدميّ المسلم" الذي اجتاح الولايات المتحدة، بدءًا من رشيدة طليب وإلهان عمر، اللتين وصلتا إلى عضوية الكونغرس في العام 2018، ضمن ما عُرف لاحقًا باسم "السكواد"، مرورًا بانتخاب زهران ممداني في العام 2025 لرئاسة بلدية نيويورك، وانتخاب ثلاثة مرشحين محسوبين عليه، عن مدينة نيويورك، إلى مجلس النواب، قبل نحو شهر، الأمر الذي دفع كامالا هاريس إلى الاجتماع بممداني، وبناشطين مؤيدين للفلسطينيين وشخصيات تقدمية.
خامسًا، ثمة اتفاق على أننا في بداية فصل سيتم تحديد خاتمته، إلى حدّ كبير، من خلال نتائج الانتخابات العامة في تشرين الثاني المقبل. والتقديرات السائدة في إسرائيل ترجّح أنه في حال فوز السيّد، فمن المرجح ألا تكون السردية هي أن توحّد مختلف المعسكرات في الحزب الديمقراطي في مواجهة الجمهوريين هي العامل الأرأس الواقف وراء هذا الفوز، بل سيُعتبر نجاحًا مؤيدًا للفلسطينيين سيعقبه استمرار في اتجاه الحزب الديمقراطي نحو معارضة التحالف مع إسرائيل. وإذا ما خسر السيّد، فمن المرجح أن تُلقى المسؤولية على مواقفه تجاه إسرائيل، باعتبارها مواقف نفّرت ناخبين محتملين وكلفت الديمقراطيين فقدان السيطرة على مجلس الشيوخ. وفي هذه الحالة، سيرى كثيرون في ذلك تأكيدًا للادعاء بأن اختيار مرشحين ينتمون إلى الجناح اليساري في الحزب، وبالمواقف التي تمثله، كان خطأ فادحًا. ويشدّد أصحاب هذه التقديرات على أنه من المرجح كذلك ألا يتوقف الزخم المؤيد للفلسطينيين تمامًا، ولكنه سوف يتباطأ بالتأكيد في هذه الحالة.
سادسًا، أشير أعلاه إلى أن هايلي ستيفنز، منافسة السيّد، فازت بأغلبية بين السود في ميشيغان ما دفع بعض المحللين في إسرائيل إلى اعتبار أن هذا الأمر ينبئ بإمكان إقامة "تحالف تاريخي بين يهود الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجالية الأفرو- أميركية من جهة أُخرى". والفكرة التي تقف وراء اجتهاد هؤلاء المحللين فحواها (كما كتب أحدهم في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، 5/8/2026) أن المطلوب الآن "إعادة التفكير في هوية الجماعات التي توجد أرضية مشتركة واسعة بين إسرائيل وبينها، وكيف نحرص على تنمية هذه العلاقة وبناء ائتلاف حولها قادر على التعاون مع إسرائيل بشجاعة، وبطريقة ملائمة للواقع الحالي".
تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.