المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 7
  • أنطوان شلحت

تتوقع أغلب التقديرات الإسرائيلية السائدة فيما يتعلق بموقف أوروبا حيال ما تقوم به إسرائيل من ممارسات تجاه الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة منذ 1967 وتجاه القضية الفلسطينية عمومًا، بأن يبقى المسار الأكثر ترجيحًا منحصرًا في التشديد على التمييز بين إسرائيل والمستوطنات في أراضي 1967، وعدم الانتقال إلى فرض عقوبات شاملة على إسرائيل. ويُشار في هذا الصدد إلى أنه منذ العام 2013 توجد توجيهات لدى الاتحاد الأوروبي تحدّ من استخدام أموال الاتحاد في النشاطات الإسرائيلية الواقعة وراء الخط الأخضر، ولا يُعدّ ذلك في قراءة إسرائيل مقاطعة أوروبية بل سياسة تمييز بين إسرائيل والمستوطنات. والاعتقاد المتداول في إسرائيل هو أنه على مستوى الاتحاد الأوروبي فإن أسهل خطوة من الناحية السياسية هي الاستمرار في إضافة أشخاص ومنظمات وهيئات تمويل، بل وحتى سياسيين إسرائيليين مرتبطين بالنشاط وراء الخط الأخضر، إلى قائمة هذه العقوبات. وهذا يتطلب موافقة جميع الدول الأعضاء، ولكن يُنظر إليه على أنه خطوة موجهة ضد جهات محددة، وليس عقابًا لإسرائيل بأكملها. 

وفي الوقت نفسه، ستتمكن الدول الراغبة في زيادة الضغط على إسرائيل من التحرّك بصورة مستقلة كلًا على حدة. وتُعد إسبانيا المثال الأوضح على ذلك، ففي أيلول 2025 اعتمدت مرسومًا يقيّد تصدير المعدات الدفاعية والعسكرية وبعض التقنيات ذات الاستخدام المزدوج إلى إسرائيل واستيرادها منها. كما يقيّد المرسوم مرور المعدات العسكرية والوقود ذي الاستخدام العسكري عبر الموانئ والمطارات والمجال الجوي الإسباني. واتخذت سلوفينيا خطوة مشابهة في تموز 2025، عندما حظرت تصدير ونقل الأسلحة والمعدات العسكرية من سلوفينيا أو عبرها إلى إسرائيل، وكذلك استيراد الأسلحة والمعدات العسكرية الإسرائيلية إلى سلوفينيا. وأوضحت الحكومة السلوفينية صراحة أنها تتحرك بشكل مستقل لأن الاتحاد الأوروبي لم ينجح في التوصل إلى توافق بشأن خطوات مشتركة، غير أنه في الآونة الأخيرة تشكلت في سلوفينيا حكومة يمينية، وهو ما يغيّر الصورة هناك. وفي أيرلندا يتم الدفع نحو إقرار قانون يحظر استيراد السلع القادمة من الضفة الغربية، وقد تشمل خطوات أحادية أخرى منع دخول أشخاص معينين أو إعلانهم أشخاصًا غير مرغوب فيهم داخل الدولة.

وتتجّه الأنظار بين الفينة والأخرى إلى الاتحاد الأوروبي لأنه لا يزال أكبر شريك تجاري لإسرائيل. ففي العام 2025 شكّل 31.7 بالمائة من تجارة إسرائيل مع العالم، وبلغ حجم التبادل التجاري في السلع بين الجانبين 43.3 مليار يورو. ولذلك فإن القلق في إسرائيل لا يقتصر على العقوبات الحالية، التي يُعد تأثيرها الاقتصادي محدودًا، بل يمتد إلى احتمال حدوث تصعيد يتأدّى عنه الانتقال من فرض عقوبات على أشخاص محددين وجهات بعينها في الضفة الغربية، إلى خطوات تمس العلاقات التجارية أو البحث العلمي أو التعاون الاقتصادي مع إسرائيل بأكملها.

يُشار هنا إلى أن كل هذه الإجراءات حُدّدت في اتفاقية الشراكة التي وُقعت بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي في العام 1995، ودخلت حيز التنفيذ العام 2000. ولتنفيذ الاتفاقية، يطبق الاتحاد الأوروبي منذ عامي 2004-2005 ترتيبًا تقنيًا مع إسرائيل يتيح للسلطات الجمركية الأوروبية تحديد منشأ المنتج، وفقًا لمكان الإنتاج أو اسم البلدة أو الرمز البريدي، وما إذا كان مصدره منطقة تقع وراء الخط الأخضر.

غير أن امتناع الاتحاد الأوروبي من فرض مقاطعة شاملة على إسرائيل والاكتفاء بإجراءات محددة ومستهدفة، يعود إلى مزيج من التعقيدات المؤسسية والسياسية والاقتصادية. ولعل أبرزها ما يلي:

أولًا، نظرًا إلى أن  الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، فإن المقاطعة الشاملة ستضر أيضًا بالعديد من الشركات الأوروبية التي تعتمد على سلسلة التوريد الإسرائيلية. بالإضافة إلى ذلك هناك تعاون وثيق في مجالات التقنية العالية والأبحاث المتقدمة والابتكار والتطوير الأمني والعسكري، وتخشى بعض الدول الأوروبية خسارة هذا التعاون. 

ثانيًا، الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ليست كتلة واحدة. فهناك دول تدفع نحو موقف أكثر تشددًا بكثير تجاه إسرائيل، مثل إسبانيا وأيرلندا. وفي المقابل، توجد دول مستعدة لانتقاد إسرائيل بل وحتى لدعم عقوبات محددة، لكنها تعارض خطوات قد تُعتبر عقابًا لإسرائيل بأكملها. وتُعتبر ألمانيا المثال الأبرز. فمن وجهة نظر برلين، لا تمثل العلاقات الألمانية- الإسرائيلية مجرد علاقات دبلوماسية عادية. ووزارة الخارجية الألمانية تعتبرها تعبيرًا عن المسؤولية التاريخية لألمانيا تجاه الهولوكوست، بل تصفها بأنها "حجر أساس" في السياسة الخارجية للدولة. ولذلك، حتى عندما تنتقد ألمانيا سياسة إسرائيل في قطاع غزة أو في الضفة الغربيّة أو الوضع الإنساني، فإن العتبة التي ينبغي أن تتجاوزها لدعم فرض عقوبات واسعة على إسرائيل كدولة تظل أعلى من تلك الموجودة لدى كثير من دول الاتحاد.

كما أن الخط السياسي في جمهورية التشيك مؤيد لإسرائيل. ففي أيار هذا العام صرح وزير الخارجية التشيكي بأن بلاده لن توافق على عقوبات تجارية إضافية، ولا على تعليق أو تقييد اتفاقية الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي. وتعتبر الحكومة التشيكية الحالية إسرائيل حليفًا مهمًا.

وتحاول دول أخرى التمييز بين إسرائيل وحكومة إسرائيل. وهي تقول عمليًا، كما تؤول ذلك التحليلات الإسرائيلية: لدينا انتقادات شديدة لبعض الوزراء، ولسياسات الحكومة، أو لعناصر متورطة في أعمال عنف وانتهاكات لحقوق الإنسان في الضفة الغربية؛ لكننا لا نريد معاقبة إسرائيل كدولة أو عموم المواطنين الإسرائيليين.

وكان هذا هو موقف إيطاليا الذي جرى التعبير عنه مُجدًّدا في نيسان من هذا العام، حيث أكد وزير الخارجية الإيطالي أنه من الأفضل فرض عقوبات على المسؤولين شخصيًا عن الأفعال، مثل الجهات المتورطة في العنف في الأراضي المحتلة، بدلًا من تعليق اتفاقية التجارة مع إسرائيل، لأن مثل هذه الخطوة ستضر بجميع السكان الإسرائيليين. ونوّه الوزير بأن الموقف الإيطالي يماثل الموقف الألماني.

ثالثًا، يكمن جانب من الجوانب المهمة الأخرى، الذي لا يُعلن عنه دائمًا، في ازدياد الطلب الأوروبي على منظومات الدفاع الإسرائيلية. فمنذ الحرب الروسية على أوكرانيا، تحتاج أوروبا بصورة ملحة إلى منظومات دفاع جوي لاعتراض الصواريخ والتعامل مع الطائرات المسيّرة، وإلى أنظمة تكنولوجية أخرى. 

وقد أحدثت هذه الحرب تحوّلًا استراتيجيًا جوهريًا تسبّب بتغيير ملامح العقيدة الدفاعية الأوروبية، ودلّت كذلك على وجود نقص حادّ لدى العديد من دول القارة في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي ذات المدى العالي والطبقات المتعددة. 

وتُعتبر إسرائيل موردًا مهمًا في هذه المجالات المتخصصة. ووفقًا لمعطيات وزارة الدفاع الإسرائيلية فإن صادرات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية بلغت في العام 2024 رقمًا قياسيًا تجاوز 14.7 مليار دولار، وأكثر من نصف الصفقات كانت مع دول أوروبية. فعلى سبيل المثال، اشترت ألمانيا منظومة "حيتس 3"، ثم وسعت الصفقة لاحقًا؛ وعرضت وزارة الدفاع الألمانية المنظومة بوصفها قدرة استراتيجية تعزز ليس فقط الدفاع عن ألمانيا، بل أيضًا الدفاع عن شركائها في أوروبا. كما وافقت فنلندا في نيسان 2023 على شراء منظومة "مقلاع داود" من شركة رافائيل. وبحسب وزارة الدفاع الفنلندية، تشمل الصفقة أيضًا ترتيبًا مع وزارة الدفاع الإسرائيلية يهدف إلى ضمان توفير المكونات الحيوية "في جميع الظروف الأمنية". ولا تمنح مثل هذه المشتريات إسرائيل حصانة، لكنها توجد قدرًا معينًا من الاعتماد التشغيلي والاستراتيجي. فقد تسعى وزارات الخارجية الأوروبية إلى زيادة الضغط على إسرائيل، لكن وزارات الدفاع في تلك الدول ستتحفظ على أي خطوة قد تضر بسلسلة التوريد أو الصيانة أو البرمجيات أو التحديثات. وينطبق ذلك بصورة خاصة على الدول التي ترى في روسيا تهديدًا مباشرًا. كل ذلك يجعلنا أمام وضع مختلف تحتّم علينا عمليّة تأويله استحضار مجموعة من الاعتبارات الأوروبية المتعلقة بدول الاتحاد الأوروبي والتي يمكن لنا أن نعدّ إسرائيل على معرفة بيّنة بها.

رابعًا، يعود إقبال أوروبا على منظومات الدفاع الإسرائيلية تحديدًا إلى عدة أسباب منها: 1- أنها تتميّز باختبارها الميداني المكثف والسريع في حروب ومواجهات متعددة، مما يمنح المشتري الأوروبي ثقة بفاعليتها التشغيلية؛ 2- أن خطوط إنتاج المنظومات الدفاعية الأوروبية والأميركية تعاني من بطء في تسليم الطلبيات الكبرى وتلبية الاحتياجات العاجلة، بينما استطاعت الشركات الإسرائيلية توفير جدول تسليم أسرع نسبيًا؛ 3- فضلًا عما تقدّم، من المعروف أنه لا توجد منظومة دفاعية أوروبية مصنعة بالكامل تضاهي قدرات منظومة "حيتس 3" في اعتراض الصواريخ الباليستية في طبقات الجو العليا/ الخارجية، مما أجبر دولًا كألمانيا على البحث عن خيارات خارجية معتمدة من طرف حلف الناتو بالتنسيق مع الولايات المتحدة. 

خامسًا، لا بُدّ من أن نشير إلى أن بعض الدول في الاتحاد الأوروبيّ غير مقتنعة بأن العقوبات الأوروبية الواسعة ستغيّر فعلًا سلوك إسرائيل، سواء فيما يتعلق بقضية الاستيطان في الضفة الغربية، أو السياسة في قطاع غزة، أو تركيبة الحكومة. وخلال النقاش الذي جرى في نيسان الماضي، أثارت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي شكوكًا بشأن ما إذا كان تعليق الاتفاقيات مع إسرائيل سيوقف بالفعل توسعة المستوطنات. وهناك أيضًا اعتبار يتعلق بإنشاء سابقة. فإذا عاقب الاتحاد الأوروبي إسرائيل بعقوبات شاملة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، أو السيطرة العسكرية على الأراضي، أو الإضرار بالسكان المدنيين، فإن بعض الدول ستتساءل: لماذا لا تُستخدم أدوات مشابهة أيضًا تجاه دول أخرى تربطها بالاتحاد علاقات تجارية وأمنية، مثل تركيا، ومصر، والمغرب، والسعودية، والصين، أو دول في أفريقيا؟ فالحكومات لا تحب إنشاء أداة سياسية قد ترتد عليها في ساحات أخرى.

 

تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.

المصطلحات المستخدمة:

الخط الأخضر

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات