المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 5
  • ياسر مناع

أعلنت وزارتا الدفاع الإسرائيلية واليونانية يوم الاثنين 31 آب 2026 توقيع صفقة عسكرية بقيمة تقارب ثلاثة مليارات يورو، لإنشاء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات في اليونان تجمع وسائل الكشف والاعتراض والقيادة والسيطرة لمواجهة الصواريخ والطائرات والمسيّرات. وتحمل الصفقة اسم "درع أخيل"، في إحالة إلى أحد أبرز أبطال الأساطير اليونانية وملحمة "الإلياذة"، بما يختزل دلالة الحماية والتحصين ويعكس هدفها المركزي في تعزيز منظومة الدفاع الجوي اليونانية.

وتقدم إسرائيل الصفقة بوصفها إنجازًا لصناعاتها العسكرية وخطوة لترسيخ شراكاتها الإقليمية، فيما تعوّل أثينا عليها لتحديث دفاعاتها وحماية جزرها ومواقعها الحيوية في مواجهة القدرات الصاروخية والمسيّرات التركية. وفي ظل تصاعد التوتر بين إسرائيل وتركيا، واستمرار الخلافات اليونانية التركية حول الجزر والمجالات البحرية، يمكن فهم الاتفاق أيضًا بوصفه رسالة إلى أنقرة بشأن تعمق التعاون العسكري بين إسرائيل واليونان وانتقاله إلى شراكة طويلة الأمد في بناء القدرات الدفاعية.

نستعرض في هذه المساهمة تطور التعاون العسكري بين إسرائيل واليونان، ومسار إقرار صفقة "درع أخيل" ومكوناتها وكلفتها، ثم نتناول أبعادها السياسية والإقليمية في سياق التوتر مع تركيا والتنافس في شرق المتوسط وآفاق توسيع التعاون الدفاعي بين البلدين.

من تعاون محدود إلى شراكة دفاعية استراتيجية

بدأ التعاون العسكري المؤسسي بين إسرائيل واليونان في العام 1994، حين وقعت الدولتان اتفاقًا شمل التدريبات المشتركة في شرق المتوسط وتبادل تدريب الضباط والتعاون في الصناعات الدفاعية ومبيعات السلاح. لكن العلاقة بقيت محدودة خلال التسعينيات، في ظل الشراكة العسكرية الوثيقة التي أقامتها إسرائيل مع تركيا آنذاك، وجدد الطرفان الاتفاق العام 1999 من دون انتقال فوري إلى تعاون عسكري واسع.

إلا أن بوادر التوسع ظهرت في العام 2008 مع مناورة "Glorious Spartan" الجوية المشتركة، ثم تسارع التقارب بعد تدهور العلاقات الإسرائيلية التركية العام 2010، ودفعت هذا المسار ثلاثة عوامل رئيسة:

  1. تراجع العلاقة مع تركيا، ما دفع إسرائيل إلى البحث عن شركاء عسكريين ومساحات تدريب جديدة في شرق المتوسط.
  2. الأهمية العملياتية لليونان، إذ يوفر مجالها الجوي وتنوّع تضاريسها بيئة مناسبة للتدرب على الطيران بعيد المدى والتزود بالوقود جوًا.
  3. اكتشافات الغاز والتنافس الإقليمي، اللذان عززا التعاون بين إسرائيل واليونان وقبرص في مجالي الطاقة والأمن.

وفي العام 2011، وصفت الحكومة اليونانية تطوير العلاقات العسكرية مع إسرائيل بأنه "خيار استراتيجي"، ثم كثف البلدان المناورات الجوية والبحرية. وعينت إسرائيل ملحقًا عسكريًا مقيمًا في أثينا العام 2014، قبل أن يوقع وزيرا الدفاع العام 2015 اتفاقًا ينظم وجود أفراد القوات المسلحة لكل دولة في أراضي الأخرى خلال التدريبات والتعاون العسكري. وبحلول العام 2020، كانت وزارة الدفاع اليونانية تصف العلاقة بأنها انتقلت من التصريحات والمناورات إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة.

ومنذ العام 2021، توسعت الشراكة لتشمل تحديث منظومة تدريب الطيارين اليونانيين، استجابة لحاجة أثينا إلى معالجة تقادم طائرات التدريب ومشكلات صيانتها وتسريع تأهيل الطيارين للعمل على المقاتلات الحديثة. ووقعت الدولتان صفقة بنحو 1.65 مليار دولار لإنشاء مركز تدريب وتشغيله لمدة تقارب عشرين عامًا، تتولى خلالها "إلبيت سيستمز" توفير الطائرات والصيانة. فيما توسعت المشتريات لاحقًا بـ صفقة صواريخ "سبايك" بنحو 370 مليون يورو العام 2023 ومنظومات المدفعية الصاروخية "PULS" بنحو 650 مليون يورو في نيسان 2026.

"درع أخيل": تفاصيل الصفقة ومسار إقرارها

امتدت المفاوضات وإجراءات الموافقة على اتفاق "درع أخيل" نحو ثلاث سنوات، وشملت اختيار المنظومات وترتيبات التسليم والإنتاج المحلي. وفي نيسان 2024، عرضت "رفائيل" منظومة "سبايدر" على قيادة سلاح الجو اليوناني، ثم أحالت هيئة الأركان اليونانية في تشرين الثاني طلبات عروض لمنظومات "باراكMX " و"سبايدر" ورادارات مرافقة، ضمن صفقة قدرت التقارير قيمتها بنحو ملياري يورو. وظل إدراج "مقلاع داود" غير محسوم في تغطيات تلك المرحلة.

وخلال العام 2025، تحدثت التقارير عن برنامج للدفاع الجوي متعدد الطبقات بتكلفة تقديرية تقارب 2.8 مليار يورو، مع تقدم إسرائيل بين المرشحين لتوريده. وبعد موافقة أولية خلال العام 2026، أقر مجلس الأمن القومي اليوناني عقود الشراء في 23 تموز، وقدرت التغطيات قيمتها آنذاك بنحو 3.5 مليارات يورو.

وشملت إجراءات الإقرار موافقة البرلمان اليوناني، مع تباين التقارير بشأن توقيتها. ففي 17 آب 2026 توقعت صحيفة "غلوبس" حصول الموافقة خلال ذلك الأسبوع وأوردت تقديرًا بنحو 2.9 مليار يورو للاتفاق الأول، كما ذكر تقرير "يديعوت أحرونوت" في 28 آب 2026 تقديرًا يقارب 3.1 مليارات يورو.

وفي 31 آب 2026 وقع الاتفاق وأعلن قيمته رسمية التي تقارب ثلاثة مليارات يورو، أي أكثر من عشرة مليارات شيكل. ووصف بيان وزارة الدفاع الإسرائيلية توقيع الاتفاق بأنه أكبر صفقة تصدير دفاعي في العلاقات الإسرائيلية اليونانية، ومن أكبر الصفقات في تاريخ إسرائيل.

وتشمل الصفقة خمسة مكونات رئيسة لإنشاء منظومة دفاع جوي متكاملة:

  1. منظومة "مقلاع داود"، وهي من صنع شركة "رفائيل" لاعتراض الصواريخ الباليستية وصواريخ، وستشكل الطبقة الدفاعية العليا في المشروع. 
  2. منظومة "باراك MX"، وهي من الصناعات الجوية الإسرائيلية لمواجهة الطائرات والمروحيات والمسيّرات والصواريخ، وتتيح استخدام ثلاثة أنواع من الصواريخ الاعتراضية بمديات تصل إلى 35 و70 و150 كيلومترًا، وستوفر الطبقة الدفاعية الوسطى.
  3. منظومة "سبايدر"، وهي صواريخ أرض جو متنقلة، وتستخدم صواريخ "بايثون 5" الموجهة بالأشعة تحت الحمراء و"ديربي" الموجهة بالرادار، وستوفر الطبقة الدفاعية المنخفضة.
  4. رادارات"MMR" متعددة المهام، ومن وظائفها كشف الأهداف الجوية وتصنيفها، كما ترصد القذائف الصاروخية والمدفعية وتحسب مساراتها ونقاط سقوطها المتوقعة.
  5. منظومة قيادة وسيطرة، حيث تقود "رفائيل" تطويرها لجمع بيانات الكشف وربطها بمنظومات الاعتراض، وتنسيق إدارة التهديدات وعمليات الإطلاق على المستوى الوطني.

وبحسب تقرير "يديعوت أحرونوت" ستربط الشبكة الجديدة هذه القدرات ببعض الدفاعات الموجودة لدى اليونان، ومنها بطاريات "باتريوت" مع دمج قدرات للذكاء الاصطناعي. ويهدف هذا الربط إلى مساعدة القوات على اختيار وسيلة اعتراض تناسب طبيعة التهديد وكلفته، خصوصًا عند مواجهة أعداد كبيرة من المسيّرات الرخيصة التي تجعل استخدام صواريخ باهظة ضدها الدفاع مكلفًا. 

كما وقع الطرفان في اللقاء نفسه اتفاقًا مكملًا منفصلًا بقيمة 26 مليون يورو لتوفير منظومات "درون دوم" من "رفائيل"، لحماية المواقع الاستراتيجية من المسيّرات وتعزيز وسائل الحماية القائمة. ويجري تنفيذ المشروع ضمن اتفاق حكومي بين وزارتي الدفاع، بينما تتولى الشركات الإسرائيلية أعمال التوريد والتطوير بصفتها مقاولين من الباطن. 

ويرتبط هذا النموذج بتسهيلات تنظيمية وضمانات حكومية لتنفيذ الالتزامات، ويشمل المشروع نقل المعرفة والتكنولوجيا وإنتاج جزء من المكونات داخل اليونان. ويقدر مشاركة نحو 12 شركة يونانية بأعمال تتجاوز قيمتها 700 مليون يورو بما يقارب 25% من المشروع. أما من حيث الجدول الزمني، فتشير التقديرات إلى أن تنفيذ المشروع سيستغرق نحو 35 شهرًا من تاريخ توقيع الاتفاق.

حسابات الأطراف والتوازنات الإقليمية

تربط المواقف الرسمية والتغطيات المصاحبة للصفقة بين تعزيز الشراكة الإسرائيلية اليونانية، ومواجهة القدرات العسكرية التركية، والتنافس على النفوذ في شرق المتوسط.

أولًا: إسرائيل

قدمت القيادة الإسرائيلية الاتفاق باعتباره امتدادًا لشراكتها مع اليونان وقبرص، فقد ربط رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الصفقة بتعزيز التحالفات الإقليمية والثقة بالصادرات الدفاعية، بينما أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن البلدين يتقاسمان مصالح استراتيجية ويواجهان تحديات مشتركة، مشيرًا إلى جهات تسعى إلى توسيع نفوذها وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

أما المدير العام لوزارة الدفاع أمير برعام فقد ربط الاتفاق باستراتيجية تستخدم الصادرات العسكرية للتأثير في السياسة الخارجية وتقوية الصناعة والاقتصاد، وأوضح أن الصفقات الحكومية الكبيرة تتيح توسيع الإنتاج وزيادة المخزونات وتعزيز الاستقلالية التسليحية. وأضاف يائير كولس - رئيس قسم الصادرات الأمنية في وزارة الدفاع الإسرائيلية - أن زيادة الإنتاج تخدم احتياجات الجيش الإسرائيلي أيضًا، خصوصًا في تجديد مخزونات وسائل الدفاع الجوي والاستعداد لمواجهات مقبلة.

وفي البعد الدبلوماسي، رأى الكاتب أهارون لبيدوت في مقال له نشر في "يسرائيل هيوم" أن اختيار دولة عضو في حلف الناتو المنظومات الإسرائيلية يمنح إسرائيل مكسبًا سياسيًا في فترة تواجه فيها ضغوطًا وانتقادات دولية. ووضع الصفقة إلى جانب صفقات الدفاع الجوي مع ألمانيا وفنلندا، معتبرًا أن المصالح الأمنية الأوروبية تحافظ على التعاون العسكري على الرغم من الدعوات إلى المقاطعة في أوساط سياسية وأكاديمية وثقافية.

ثانيًا: اليونان

ربطت أثينا الصفقة بحاجة اليونان إلى حماية الجزر والقواعد والمواقع الحيوية في مواجهة القدرات الصاروخية والمسيّرات التركية. إذ ثمّة مخاوف يونانية من تعرض الجزر إلى ضربات افتتاحية في حال اندلاع مواجهة، والحاجة إلى تأمين نقل التعزيزات إليها من البر اليوناني. 

أما رئيس الحكومة اليونانية كيرياكوس ميتسوتاكيس فــ يرى أن هناك أهمية سرعة التوريد، مشيرًا إلى أن شراء بطاريات "باتريوت" جديدة يتطلب انتظار أربع أو خمس سنوات بسبب قيود الإنتاج، وأن القدرات الأوروبية محدودة، بينما قد تستطيع إسرائيل توفير البديل بسرعة أكبر. كما تندرج الصفقة ضمن برنامج أوسع لتحديث القوات اليونانية، يشمل مقاتلات وسفنًا ومنظومات تسليح من مصادر متعددة.

كما تناولت المفاوضات قدرة اليونان على صيانة المنظومات وتطويرها مستقبلًا. إذ أن الوصول إلى الشيفرة المصدرية للبرمجيات كان من الموضوعات المركزية في المباحثات، لما قد يوفره من استقلالية أكبر في التعديل والتحديث من دون أن يؤكد حصول أثينا على هذا الحق في الاتفاق النهائي.

ثالثًا: تركيا

وضعت التغطيات الإسرائيلية المشروع في سياق الخلافات اليونانية التركية حول الجزر والمجالات البحرية، إلى جانب تنامي الصناعات العسكرية التركية. وقدم تحليل "يسرائيل هيوم" القدرات الجديدة باعتبارها وسيلة لتعزيز الردع اليوناني أمام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الهجومية التي تطورها تركيا.

أما نظرة أنقرة إلى التعاون الثلاثي، فتناولها حاي إيتان كوهين ينروجاك - الباحث بالشؤون التركية في مركز موشيه ديان - الذي يرى إن تركيا تنظر تقليديًا إلى اليونان وقبرص باعتبارهما تهديدًا لأمنها القومي، وإن هذا التصور سبق حكم أردوغان، وأضاف أنها تعتبر التقارب بين إسرائيل وأثينا ونيقوسيا خطوة تهدف إلى استفزازها. 

رابعًا: الإقليم

يمتد التعاون الإسرائيلي اليوناني إلى إطار ثلاثي يضم قبرص مع تصاعد التنسيق الأمني بين الدول الثلاث في مواجهة ما تعدّه تحديات تركية متنامية، وهو ما انعكس في شراء قبرص منظومة "باراك MX" الإسرائيلية. ويتقاطع هذا المسار الأمني مع مصالح الطاقة والبنية التحتية في شرق المتوسط، ولا سيما مشروع الربط الكهربائي بين إسرائيل وقبرص واليونان، وخط غاز "إيست ميد" والممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا، إضافة إلى التحركات التركية في ليبيا والاتصالات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية مع سورية.

ختامًا، تندرج صفقة "درع أخيل" ضمن التنافس على التوازنات الإقليمية، إذ تعزز التعاون العسكري والتكنولوجي بين إسرائيل واليونان وقبرص، وقد توفر قوة موازنة للتقارب بين تركيا ومصر والسعودية ودول الخليج. وبذلك تضيف إلى الشراكة في شرق المتوسط ارتباطًا دفاعيًا طويل الأمد يقوم على التسليح والتكنولوجيا والتعاون الصناعي.

وقد تمهد الصفقة لمشتريات يونانية إضافية من الذخائر وتوسيع نشر المنظومات الدفاعية، بالتوازي مع مساعٍ إسرائيلية لتصدير أنظمة مماثلة إلى ست دول، بينها أربع دول أوروبية. ويتزايد الاهتمام بهذه القدرات في ضوء ما أظهرته الحرب في أوكرانيا من قدرة المسيّرات منخفضة الكلفة على إلحاق أضرار كبيرة بالمنشآت والحاجة إلى وسائل دفاع تناسب طبيعة هذه التهديدات وكلفتها.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات