إلى جانب الجدالات التي تشهدها الحلبة السياسية والحزبية في إسرائيل بشأن ما آلت إليه الحرب على إيران ولبنان، تتصاعد الانتقادات الحادّة حيال سلسلة التعيينات الأخيرة التي دفع قدمًا بها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ولا سيما من جانب أحزاب المعارضة، والأوساط القانونية. وتنطلق هذه الانتقادات من رؤية مؤداها أن هذه التعيينات ليست مجرد خطوات إدارية بل هي جزء من استراتيجية أعمق تهدف إلى تحقيق عدة مرامٍ مترابطة. ويمكن القول إن الغاية الأبرز هي تفكيك أجهزة المراقبة والمحاسبة، حسبما تجلّى ذلك مثلًا في الآونة الأخيرة في النقاش الذي دار حول تعيين ميخائيل رافيلو، المحامي الشخصي لنتنياهو وعائلته، في منصب مراقب الدولة، والذي أشارت المحكمة الإسرائيلية العليا إلى أن عملية انتخابه في الكنيست شابتها عدة إجراءات مشبوهة أبرزها أن أعضاء كنيست من حزب الليكود تلقوا تعليمات بتصوير أنفسهم في أثناء الاقتراع خلف الستار، في خطوة اعتبرت مخالفة لسرية التصويت.
ويعتبر مراقب الدولة الإسرائيلية بمثابة الهيئة الأساسية الصالحة للتحقيق في إخفاقات الحكومة، من الناحيتين السياسية والأمنية، وجمع الأدلة، خصوصًا في حالة عدم إقامة لجنة تحقيق رسمية. وبناء على ذلك فإن تعيين شخصية مقربة جدًا يهدف بالدرجة الأولى إلى إحباط أي تحقيقات مستقبلية قد تدين نتنياهو أو ائتلافه الحاكم فيما يتعلق بملفات الفساد أو القرارات الاستراتيجية الكبرى، وتوفير مظلة حماية قانونية له.
بالتوازي مع هذا التعيين تجري داخل حزب الليكود ترتيبات داخلية منها محاولة نتنياهو إلغاء الانتخابات التمهيدية ("البرايمريز") داخل الحزب واستبدالها بلجنة تعيين يتحكم بها هو شخصيًا لتحديد قوائم المرشحين للكنيست، تحقيقًا لغاية إحكام القبضة على الحزب وضمان عدم تمرد أي من أعضائه عليه، ناهيك عن هندسة مشهد سياسي يضمن بقاء المقربين والولاة مخلصين له تمامًا، استعدادًا لمعركة الانتخابات العامة المقبلة هذا العام، وضمان ائتلاف مستقبلي لا يشكل أي تهديد لبقائه في سدّة الحكم.
ولا بُدّ من أن نشير كذلك إلى أن المنظومة الأمنية شهدت تغييرات جوهرية، أبرزها تعيين رومان غوفمان، السكرتير العسكري السابق لنتنياهو، رئيسًا جديدًا لجهاز الموساد، وتعيين شموئيل بن عزرا رئيسًا جديدًا لمجلس الأمن القومي ومستشارًا لرئيس الحكومة لشؤون الأمن القومي، وتعيين البريغادير غاي ماركيزانو سكرتيرًا عسكريًا جديدًا له.
وفيما يتعلّق بتعيين غوفمان تحديدًا، تجاوز نتنياهو حتى توصيات من وصفت بأنها أوساط مهنية، إذ واجه تعيينه معارضة قانونية وأخلاقية من جانب رئيس لجنة تعيين كبار المسؤولين، الرئيس السابق للمحكمة العليا آشر غرونيس، والمستشارة القانونية للحكومة غالي بهراف- ميارا (التي يصفها المقربون من نتنياهو بأنها "المستشارة المعطِّلة للحكومة")، على خلفية تحفظات تتعلق بالنزاهة ومحدودية خبرته في العمليات السرية. وأشير في معظم التحليلات إلى أن نتنياهو يرمي من وراء ذلك إلى ضمان الولاء المطلق من قادة الأجهزة الاستخباراتية والأمنية الحساسة، وإضعاف النفوذ المستقل لـ "الدولة العميقة" أو القيادات العسكرية التقليدية التي غالبًا ما تختلف معه في الرؤى الاستراتيجية.
كذلك يجب أن نشير إلى أن خطة الانقلاب على الجهاز القضائي التي تعمل حكومة بنيامين نتنياهو على تطبيقها، بقيادة وزير العدل ياريف ليفين، لم تتوقف بل تحولت، بحسب ما يتم وصفه في تقارير متطابقة، من صيغة هجوم شامل وتشريعات خاطفة تسببت بإشعال أوار احتجاجات الشارع الإسرائيلي في العام 2023 (حتى أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023) إلى استراتيجية قضم بطيء ومتدرّج وتفكيك هادئ من الداخل.
ومع استمرار جلسات محاكمة نتنياهو في ملفات الفساد، واقتراب موعد الانتخابات العامة، بات الائتلاف الحاكم يركّز على أدوات قانونية وإدارية محددة لإعادة صوغ المشهد القضائي.
وتندرج ضمن هذا المسعى معركة تسييس لجنة تعيين القضاة، التي تهدف إلى التحكم بهوية القضاة المستقبليين. ويرفض وزير العدل ليفين بشكل مستمر عقد اللجنة بشكلها التقليدي أو تمرير تعيينات للقضاة المحسوبين على التيار المستقل. ومثلما جاء في استخلاصات "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، فإن الهدف الأساس للحكومة هو تعديل تركيب هذه اللجنة لضمان الأغلبية المطلقة للسياسيين من الائتلاف الحاكم، بما يتيح لهم إمكان تعيين قضاة المحكمة العليا والمحاكم المركزية بناءً على الولاء الأيديولوجي والسياسي، وليس الكفاءة المهنية.
وتجري في المحور ذاته محاولات شتيتة لمحاصرة المستشارين القانونيين وتحويلهم إلى وظائف ثقة، باعتبار أن المستشار القانوني لكل وزارة وكذلك المستشارة القانونية للحكومة ينظر إليهم في القانون الإسرائيلي بأنهم "حراس التخوم" الذين يضمنون قانونية القرارات. وتعمل الحكومة عبر مقترحات تشريعية وضغوط إدارية على تحويل منصب المستشار القانوني في الوزارات من "وظيفة مهنية مستقلة" إلى تعيين سياسي مباشر يخضع للوزير، بما يفضي إلى تحويل هؤلاء القانونيين إلى جهات تصادق على قرارات الوزراء وتشرعنها بدلًا من مراقبتها، ويؤدي إلى إفراغ الرقابة الداخلية للحكومة من مضمونها.
ومنذ طرح خطة الانقلاب على الجهاز القضائي، نصادف إجماعًا في التحليلات الإسرائيلية المعارضة لنتنياهو على أن كل التعيينات التي أقدم عليها هذا الأخير ليست أحداثًا منفصلة، بل هي أجزاء من مشهد صُممت بعناية لتفكيك ما يعتبره بمنزلة مراكز قوة مستقلة داخل إسرائيل، وتحويلها إلى أدوات تدور في فلك الزعيم الأوحد، وهو ما يراه قطاع واسع من المحللين خطرًا داهمًا يقود البلاد نحو نظام حكم فردي يعيد صوغ هوية إسرائيل المعهودة حتى الآن.
وفيما يتعلق بمسوغات أبواق نتنياهو، نلاحظ أن أبرزها ذلك الجزم بأن التعيينات الرفيعة في قمة الإدارة العامة والجهاز القضائي، تذكّر بما لم يُنجَز وكان يجب إنجازه منذ زمن بعيد، منذ التحوّل السياسي في العام 1977، مثلما كتب البروفيسور آشر كوهين في صحيفة "يسرائيل هيوم" يوم 3 حزيران الحالي، في إشارة إلى العام الذي شهد فوز حزب الليكود بالحكم بعد أن احتكره تيار العمل منذ إقامة الدولة فيما أصبح يعرف في السردية الإسرائيلية بـ "الانقلاب".
وأشار كوهين أيضًا أنه في إثر ذلك التحوّل السياسي ساد الانطباع بأن الوصول إلى السلطة السياسية بمعناها الضيق، أي الفوز في الانتخابات، يكفي لإحداث تغييرٍ جوهري، لكن تبيّن أنه توجد في المجتمع الحديث مراكز تأثير متعددة تتفاعل فيما بينها، وتؤثر في بعضها البعض؛ سياسية، وعسكرية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية، وإعلامية، وأكاديمية، وغيرها. وكان سرّ قوة الهيمنة القديمة يكمن في تحقيقها السيطرة على مجموعة واسعة من مراكز النفوذ، وليس على النظام السياسي وحده، أمّا حكومات الليكود المتعاقبة فلم تنجح في فهم ذلك بعمق، أو العمل على تحويل الانقلاب السياسي إلى تحوّل حقيقي، أي إلى تحقيق التوازن المطلوب في مختلف مراكز التأثير. ولم تستمر الهيمنة القديمة في معظم هذه المراكز فحسب، بل إنها ازدادت قوةً في بعض المجالات أيضًا. وهذا ما حاول أن يجيب عنه كتاب إيرز تدمور "لماذا تصوّت لليمين وتحصل على اليسار؟".
ويصل كوهين إلى بيت القصيد حين يعلن أنه يجب أن يكون واضحًا وحاسمًا أن ممثلي الجمهور المنتخَبين هم الذين يجب أن يختاروا ويعيّنوا، على الأقل، جميع كبار المسؤولين الذين من المفترض أن ينفّذوا سياسات هؤلاء الممثلين المنتخَبين. ويجب أيضًا أن تنتهي ولاية هؤلاء المسؤولين فور انتخاب حكومة جديدة، ما لم يقرّر الممثلون المنتخَبون الجدد الإبقاء عليهم في مناصبهم.
إجمالًا يمكن القول إن كل مُكوّن في هذه التعيينات المتزامنة يؤدي دوره كاملًا في ما ينبغي اعتباره بمثابة كلّ متسّق، فضلًا عن حقيقة أخرى لا يجوز التغاضي عنها وهي أن هذا الكلّ يتأبّى على التقسيم أو التجزئة من حيث مراميه.
تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.
المصطلحات المستخدمة:
مراقب الدولة, الموساد, يسرائيل هيوم, عزرا, الليكود, الكنيست, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو