لعل أبرز ما طغى على التحليلات الإسرائيلية هو الإجماع الواسع على أن توصّل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق بشأن نهاية المواجهة العسكرية فيما بينهما يلحق بإسرائيل خسارة استراتيجية. ويمكن العثور على عدة مسوّغات تقف وراء هذا الإجماع، في مقدمها مسوّغان جوهريان: الأول، النواقص الكبيرة التي ينطوي عليها الاتفاق، والثاني، الربط مع الساحة اللبنانية لا سيما وأن إسرائيل لم تحقّق إنجازات استراتيجية بارزة في هذه الساحة الأخيرة. وبالنسبة إلى هذا المسوّغ الثاني، يُشار على وجه الخصوص إلى نجاح إيران في ربط قضية حزب الله ولبنان بملفها الخاص، الأمر الذي من شأنه أن يحدّ عاجلًا أم آجلًا من حريّة عمل الجيش الإسرائيلي في الشمال، وأن تصبح إسرائيل أكثر تقييدًا مما كانت عليه قبل الحرب.
ولدى متابعة ما كتب في هذه التحليلات الإسرائيلية بشأن الاتفاق المرتقب، فيما يتعلق بخسارة إسرائيل الاستراتيجية، ينبغي أن ننوّه بما يلي على وجه التحديد:
أولًا، أخفقت الحرب في إسقاط النظام الإيراني. ومثلما جرى التشديد في أغلبية التحليلات فإن إسرائيل هي من ادعت أن إسقاط هذا النظام ممكن، واقتنعت الولايات المتحدة بذلك. وكما أجمل ذلك المحلل العسكري لصحيفة "يسرائيل هيوم"، يوآف ليمور، فإنه بالرغم من أن قيادات عليا في النظام الإيراني تمت تصفيتها، إلا أن خلفاءهم ظهروا بسرعة، وهم يبدون أكثر استقرارًا، بل وربما أكثر تشدّدًا وخطورة من أسلافهم (13/6/2026).
ثانيًا، بالنسبة إلى البرنامج النووي الإيراني، كان الهدف المعلَن للحرب هو السيطرة على 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمائة من إيران، بالإضافة إلى السيطرة على أطنان أخرى مخصبة بمستويات أقل. لكن ذلك لم يحدث، ومن المشكوك فيه أن يحدث بالكامل، والنتيجة، برأي معظم المحللين وذوي الاختصاص، أن إيران ستظل على بعد خطوة واحدة من امتلاك قدرة نووية عسكرية بعد أن تضع الحرب أوزارها.
ثالثًا، كانت إسرائيل تطالب بفرض قيود على قدرة إيران على إنتاج الصواريخ والتزوّد بها، ولكن ذلك لم يتحقّق.
رابعًا، ركّزت إسرائيل كذلك على ما يوصف بأنه "تمويل الوكلاء الإقليميين"، ولكن التحليلات للاتفاق المرتقب تؤكد أن تمويل الجماعات الحليفة لإيران لم يُدرَج ضمن الاتفاق أيضًا، بل أكثر من ذلك، نجحت إيران في ربط قضية حزب الله ولبنان بملفها الخاص، كما جرت الإشارة أعلاه.
خامسًا، من المتوقع بموجب الاتفاق أن تستعيد إيران بالتدريج جزءًا من أموالها، وكذلك أن تعود إلى تصدير النفط بحرّيّة أكبر، الأمر الذي سيمنح الاقتصاد الإيراني دفعة قوية، وهذا سيقلل، من وجهة نظر إسرائيل، الضغوط الداخلية على النظام، وفي الوقت نفسه سوف يزيد خطره الخارجي، لأن إيران ستملك موارد مالية أكبر لتعزيز قدراتها العسكرية. وفي هذا الصدد أشير إلى أن هناك أموالًا إيرانية مجمدة حول العالم تُقدَّر بما يصل إلى 300 مليار دولار، بالإضافة إلى القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية. وقبل الحرب، كانت العقوبات تخنق الاقتصاد الإيراني، حتى إن سعر الصرف اقترب من مليونَي ريال في مقابل الدولار الواحد.
سادسًا، كل ما تقدّم ذكره ينبئ بازدياد التباعد بين إسرائيل والولايات المتحدة، بحسب تقديرات إسرائيلية متطابقة، وفي المقابل هناك أيضًا ما يُنعت بأنه تسابق من جانب دول الشرق الأوسط ولا سيما دول الخليج لإقامة حوار مع إيران. وحول هذه الجزئية كتب يوآف ليمور: قبل أسابيع فقط، كانت إسرائيل تحلم بتوسيع "اتفاقيات أبراهام" لتشمل السعودية وقطر وباكستان، أمَّا الآن، فأصبح الهدف هو الحفاظ على ما تحقق فعلًا.
كذلك فإن التوتر مع العديد من الدول الأوروبية آخذ بالتصاعد، بما في ذلك تواتر الدعوات إلى مقاطعة إسرائيل في مجالات متعددة.
حيال كل ما ذكر أعلاه، لوحظ أنه بدأت تتعالى في إسرائيل أصوات تشير إلى أنه فيما يتعلق بإيران، ينبغي التأكد من أن الاتفاق المرتقب يركز بصورة جدية على معالجة البرنامج النووي، مع إعطاء هذه القضية أولوية على ملفي الصواريخ و"الوكلاء الإقليميين"، والتخلي عن أوهام إسقاط النظام الإيراني. وفيما يخص لبنان يجب التركيز على "المصالح الحيوية القابلة للتحقيق، وعلى رأسها ضمان خلو جنوب لبنان من وجود حزب الله، بدلًا من التمسك بشعارات كنزع سلاح الحزب بالكامل وفورًا أو القضاء عليه نهائيًا" ("يديعوت أحرونوت"، 14/6/2026).
ولكن في مواجهة هذه الأصوات تعلو أصوات تطالب بأن تتصرّف إسرائيل وفقًا لمصالحها الوطنية حتى عندما لا تكون متطابقة مع المصالح الأميركية. ولقد أشار أحدها، على سبيل المثال، إلى أن أساس الصداقة بين إسرائيل والولايات المتحدة قام طوال أعوام على حقيقتين لم يشكّك فيهما أحد: الأولى، أن إسرائيل دولة مستقلة تعرف كيف تدافع عن مصالحها، وتتصرّف وفقًا لمصالحها الوطنية حتى عندما لا تنسجم مع المصالح الأميركية. والثانية، أن إسرائيل دولة قوية قادرة على الدفاع عن نفسها بنفسها، ولا تحتاج إلى جنود أميركيين ليخوضوا حروبها نيابة عنها. وبسبب ذلك "احترمنا الأميركيون، ورأوا فينا رصيدًا استراتيجيًا، وأخذونا في الحسبان في كل شيء". وبرأيه "إذا كنا نرغب في بناء علاقتنا مع الولايات المتحدة على أساس متين ومستقر، فعلينا أن نعود إلى تلك الأسس، وأن ندافع عن مواقفنا بحزم، حتى لو أدى ذلك إلى توتر في العلاقات مع واشنطن، كما علينا أن نتحرر من العناق الأميركي الذي يحولنا إلى دولة تابعة، تخوض حروب الولايات المتحدة وتحتاج إلى حمايتها في مواجهة أعدائها" (إيال زيسر، "يسرائيل هيوم"، 14/6/2026).
كما لوحظ تعالي أصوات تدعو إلى أن تركّز إسرائيل من الآن فصاعدًا على هدف "إضعاف الوكلاء" عبر الاستفادة مما حدث في سورية في الفترة الأخيرة، بمعنى أن "يكون التغيير نابعًا من الداخل، بينما تقتصر مهمة إسرائيل على المساعدة بوسائل تتلاءم مع كل ساحة" (موقع قناة التلفزة الإسرائيلية 12، 10/6/2026).
مثل هذا السلوك أشير إليه فيما يخص لبنان عبر المطالبة باستغلال اللحظة السياسية الناتجة عن التفوق الاستخباراتي والاغتيالات لإعادة هندسة المشهد والضغط لتغيير موازين القوى الداخلية في لبنان.
وإن مُجرّد ورود سيرة الداخل يستلزم أن نشير ختامًا إلى مسألتين مرتبطتين بما تجري الدعوة إليه الآن:
الأولى، استُخدم أسلوب إسرائيل في اختراق الداخل فعلًا ضد إيران، وكان المنطق من وراء التركيز عليه هو أن ضرب القلب (إيران) سيؤذي الأطراف ("الوكلاء") بصورة قاتلة. ولذا، عمل جهاز الموساد طوال أعوام داخل إيران وخارجها لتعطيل المشروع النووي، بما في ذلك اغتيال علماء ومسؤولين كبار مرتبطين به. ويمكن أيضًا أن ندرج في إطاره محاولات لدعم تحركات داخلية، وخصوصًا بين الأكراد، بهدف إسقاط النظام لم تنجح، وكانت بمثابة مثال واضح على فشل استخباراتي وسياسي إسرائيلي حسبما دلّت الكثير من التقارير المستجدّة.
أما المسألة الثانية والتي ستحتاج منّا إلى وقفة أوسع في سياق لا حق فهي أثر النقاش الأميركي الداخلي على سيرورة الحرب ضد إيران ولبنان وصيرورتها، خصوصًا في ظل الاعتراضات المتزايدة داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وانضمام عدد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين البارزين في الآونة الأخيرة إلى الأعضاء الديمقراطيين في الدعوة لتقييد صلاحيات الحرب.
تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.