تخشى وسائل الإعلام الغربية انتقاد "الإرهاب" الإسلامي، وفي هذا السياق فإن تظاهرة الاحتجاج والتضامن المليونية التي جرت في العاصمة الفرنسية باريس، يجب أن لا تخفي أو تطمس الحقيقة. فقد انتصر الإرهابيون الذين قتلوا الصحافيين العاملين في صحيفة "شارلي إبدو"، واليهود في متجر الأطعمة اليهودية (هيبر كاشير) في ضواحي باريس.

صحيح أن منفذي الهجومين عوقبوا وقتلوا، غير أن الكلمة الأخيرة كانت كلمتهم. وقد استكملت وسائل الإعلام العالمية تحقيق غايتهم، فهي ستعمل منذ الآن تحت رقابة ذاتية وإشراف إسلامي، وباتت حرية الصحافة في أوروبا أمرا يعود إلى الماضي. ومع أن شبكات التلفزة الكبرى مثل بي. بي. سي و سي. إن. إن وباقي قنوات التلفزة العالمية، تحدثت بتوسع وإسهاب عن العدد الجديد لصحيفة "شارلي إبدو" الأسبوعية، إلاّ أنها امتنعت بشكل متعمد عن عرض صورة (رسم) للنبي محمد، ظهرت على غلاف عدد الصحيفة (الصادر في 14 كانون الثاني 2015)، كذلك لم يجرؤ سوى عدد قليل جداً من الصحف الغربية على نشر صورة صفحة غلاف الصحيفة الفرنسية الساخرة، على الرغم من حقيقة أن هذه الصورة لم تسخر من النبي محمد. وعلى ما يبدو فإن الحديث يدور هنا على تغيير واضح الاتجاه، والذي كان قد بدأ في الواقع، في وقت سابق، في أعقاب مظاهرات عنيفة نظمها المسلمون احتجاجا على منشورات بدت لهم مسيئة للإسلام، ولكن يبدو أن الأمر قضي في هذه المرة، وأن وسائل الإعلام العالمية في "العالم المتنور" ستعمل بمقتضى معيار أو قاعدة مؤداها أن مواجهة المسلمين مسألة تنطوي على خطورة، وأن من الأفضل قبول وجهة نظرهم. وبطبيعة الحال فإن ذلك لن يمنع وسائل الإعلام من المس برموز الديانتين المسيحية واليهودية، والاستمرار في عرض وترويج صورة كاذبة عن إسرائيل.

فضلا عن ذلك، فقد عانت المسيرة الرسمية التضامنية التي جرت في باريس بمشاركة خمسين رئيس دولة وحكومة من نقص خطير ومقلق، إذ امتنع "زعيم العالم الحر" الرئيس الأميركي باراك أوباما عن المشاركة في هذه المسيرة، كما أنه لم يرسل مندوبا رفيعا لينوب عنه فيها. صحيح أن المتحدث باسم البيت الأبيض أقر بأن ذلك كان خطأ (وأنه كان يجب على الإدارة الأميركية أن ترسل مسؤولا ذا مرتبة أعلى من سفير للمشاركة في المسيرة التضامنية في باريس)، وأن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أعرب عن أسفه واعتذاره أمام الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، ولكن ذلك لا يبدل ولا يغير في ما حدث. فقط الرئيس أوباما ذاته كان يمكن له اتخاذ مثل هذا القرار اللافت والبعيد الأثر، ومما لا شك فيه أن المسلمين أينما كانوا، فهموا هذه الرسالة. فالرئيس أوباما يحرص، وفقا للسياسة التي يتبعها منذ توليه لمنصبه، على توجيه رسالة للعالم الإسلامي فحواها أنه معني بالحوار مع المسلمين، حتى لو كان ذلك بثمن التغاضي عن الإرهاب الإسلامي. ويرى أوباما في إضعاف الولايات المتحدة الأميركية وفي الحوار مع العالم الإسلامي هدفين مهمين من الدرجة الأولى، وقد برهن على ذلك بوضوح في أول خطابين ألقاهما في أنقرة والقاهرة. وقد وجدت استراتيجيا تطبيق هذه السياسة تعبيرا سافرا لها في الوثيقة التي نشرها البيت الأبيض في كانون الأول 2011، والتي أكدت على ضرورة التعاون مع الجاليات المحلية في الولايات المتحدة، أي مع المسلمين ومنظماتهم، وخاصة مع "الإخوان المسلمين"، وذلك بهدف مكافحة التطرف والراديكالية، والمقصود بطبيعة الحال الإرهاب الإسلامي، غير أنه لم تذكر بالاسم، في هذا السياق، سوى منظمة "القاعدة". واستمرار لما تضمنته هذه الوثيقة فإن المؤسسات الرسمية الأميركية – ومن ضمن ذلك وكالة مكافحة الإرهاب – لا تربط كلمة "التطرف" بمصطلحات مثل "الإسلام" و "الجهاد" أو "الشريعة الإسلامية".

من هنا فإن تغيب الرئيس أوباما عن التظاهرة المناهضة للإرهاب والإرهابيين المسلمين الذين ارتكبوا جرائم خطيرة باسم الإسلام، له أساس أيديولوجي – استراتيجي. وقد مضى أوباما شوطا أبعد حين دعا الأوروبيين، في المؤتمر الصحافي المشترك مع (رئيس الوزراء البريطاني) دافيد كاميرون في 16 كانون الثاني الماضي، إلى التعامل بصورة أفضل مع الأقليات المسلمة، والعمل على دمجها في المجتمع، كما جرى في الولايات المتحدة الأميركية. لقد تجاهل الرئيس أوباما بصورة تامة حرب الإسلام ضد الولايات المتحدة، والتي وجدت تعبيرا لها في الأعوام الأخيرة في هجمات وقعت في الولايات المتحدة ذاتها، نفذها مسلمون كانوا مبدئيا "مندمجين" في المجتمع الأميركي، كما حصل في بوسطن و"بورت هود".

صحيح أن الولايات المتحدة تخوض حربا ضارية ضد عناصر منظمة "القاعدة" في اليمن وباكستان وأفغانستان، تستخدم فيها بشكل رئيس طائرات بدون طيار هجومية، ولكن وفقا للمصطلحات الأميركية المذكورة، فإن الحديث يدور حول "متطرفين" أو "مجرمين"، وسط تجاهل الأيديولوجيا الدينية التي يعملون باسمها. فهل يعني ذلك دس الرأس في الرمال بغية تجنب الاعتراف بالمشكلة؟ وهل يمكن القضاء على عدو إسلامي متطرف، يجد قواعد دعم وتأييد في البلدان الإسلامية وفي صفوف الأقليات المسلمة في دول الغرب، دون التطرق للأيديولوجيا التي يعمل انطلاقا منها؟!

إلى ذلك، فإن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق (داعش)، تجري أيضا وسط التغاضي عن عقيدة وأهداف هذا التنظيم، ودون أي نجاح يستحق الذكر حتى الآن. فعلى الرغم من مئات الغارات الجوية التي شنها التحالف الدولي على أهداف لمنظمة "داعش" في العراق وسورية، فقد واصلت المنظمة توسيع مناطق سيطرتها، والاستعداد في الوقت ذاته لشن هجمات في أوروبا، كما أعلنت اعتزامها تنفيذ هجمات في الولايات المتحدة أيضا.

هناك تفكير مشابه قائم في أوروبا أيضا، وإن كانت أسبابه مختلفة. وعلى ما يبدو فإن هذا التفكير ينبع من أيديولوجيا السياسة الصائبة والتعددية الثقافية، من جهة، ومن الخوف من الإرهاب الإسلامي وقلة الفهم والحيلة تجاه الأقليات المسلمة، التي ترفض الاندماج في المجتمعات الأوروبية (الغربية)، والتي تشكل في الوقت ذاته دفيئات للمنظمات الإرهابية، من جهة أخرى. ويلاحظ في هذا السياق أن السلطات ووسائل الإعلام في أوروبا تتعمد إخفاء أسماء الرعايا المسلمين الذين يرتكبون جرائم وأعمالاً إرهابية، بل وتجد الذرائع والمبررات لتفسير سلوك هؤلاء "الشبان"، كما تصفهم أحيانا، من قبيل عدم الاندماج في المجتمع بسبب سياسة حكومية فاشلة أي أنها توجه اللوم لنفسها. وتبذل وسائل الإعلام الأوروبية جهدا وحرصاً كبيرين على إخفاء ما يحدث في المجتمعات الإسلامية المحلية (في دول أوروبا)، وإخفاء أهدافها المعلنة بشأن الرغبة في أسلمة الغرب. فقط في مواقع الانترنت الخاصة (في أوروبا) يمكن العثور على مواد مثيرة للاهتمام والمخاوف حول تنامي قوة الأقليات المسلمة ونواياها.

هذا الاتجاه من التفكير السائد في الغرب، وجد تعبيرا جليا أثناء الأحداث (الهجمات) الأخيرة في فرنسا. فكلمة "إسلام" لم يرد ذكرها تقريباً (في سياق الهجمات التي وقعت في فرنسا)، بل جرى الحديث دون توقف عن "إرهابيين"، على الرغم من أن هؤلاء الإرهابيين أنفسهم قالوا مرارا بأنهم يعملون باسم الإسلام. كذلك لم يتطرق أحد إلى حرب الحضارات، فيما اكتفى المتحدثون الرسميون بالقول إن الهجمات استهدفت المس بحرية الصحافة، التي تشكل إحدى القيم الجوهرية لفرنسا. ولكن، لماذا لا تشكل التعديات المستمرة التي يرتكبها مسلمون ضد يهود فرنسيين، فقط لكونهم يهوداً، مسا بهذه القيم الفرنسية؟ ومن اللافت أنه أثناء وقوع الحادث في محل بيع المأكولات اليهودية، تحدثت وسائل الإعلام والسلطات الفرنسية عن احتجاز رهائن في "هيبر كاشير" من دون ذكر كلمة يهود. يبدو أنه ليس مريحاً للفرنسيين أن ينطقوا بكلمة "يهودي"، التي تنطوي على تاريخ ثقيل وطويل من الاضطهاد والإساءة، واللذين لم تواجههما أوروبا حتى الآن. وقد ذهب الرئيس الفرنسي شوطا أبعد، حين سارع إلى مخاطبة الجمهور المسلم في "معهد العالم العربي" في باريس قائلاً إن المسلمين هم الضحية الأولى للتعصب وعدم التسامح. ولكن السؤال هنا: تعصب من؟! ومن هو الضحية الدائمة لهذا التعصب إن لم يكن اليهود، والقيم الديمقراطية بطبيعة الحال؟ وبحسب ما قاله الرئيس هولاند، فإنه لا تناقض بين الإسلام والديمقراطية(؟!)، في الوقت الذي تشكل فيه الديمقراطية العدو الأول للإسلام، القائم على مبدأ أن الله هو المشرِّع الوحيد، وليس قطعا البرلمان صنيعة الإنسان. إن الحرب التي تشنها منظمة "داعش" ومثيلاتها، ليست ضد حرية التعبير، وإنما هي تهدف إلى تدمير الديمقراطية توطئة لانتصار الإسلام.

إن حكومة فرنسا وحكومات سائر دول أوروبا، وكذلك الإدارة الأميركية الحالية، ومعها وسائل الإعلام العالمية المسماة Main stream Media، تعيش حالة تنكر تامة وشاملة تجاه ما يحدث، وهي بذلك تساهم في تفاقم الأزمة الاجتماعية في أوروبا، وتعيق معالجة جذر المشكلة. كذلك فإن الأحزاب التقليدية في أوروبا، سواء المحسوبة على اليمين أو اليسار، ليس لديها حل للمشكلة، أو على الأصح تتجاهل المشكلة، وتواصل الوعظ ضد العنصرية وضد "الخلط" بين الإرهاب والإسلام، في الوقت الذي يتصاعد فيه خطر وتهديد الإرهاب الإسلامي. في المقابل فإن مواطني تلك الحكومات والأحزاب، أقل ارتباكا و"بلبلة"، فهم يردون بمظاهرات احتجاج آخذه في الاتساع، كما حصل في ألمانيا، و/ أو بالتصويت لأحزاب اليمين المتطرف، كما رأينا في السويد وفرنسا، بل وفي جميع دول أوروبا، في الانتخابات الأخيرة لبرلمان الاتحاد الأوروبي، حيث حصلت أحزاب اليمين المتطرف على 43% من الأصوات.

لقد بات واضحا لكل ذي بصيرة، في أعقاب الأحداث الأخيرة في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، أن الحرب ضد الإرهاب الإسلامي أصبحت في أوجها، وهناك في دول أوروبا حاليا مئات "الجهاديين"، الذين عادوا من سوريا والعراق، وهم يتأهبون لشن عمليات إرهابية لترويع السكان الأوروبيين والمس بأمنهم الشخصي، بل ولزعزعة الاستقرار السياسي للقارة الأوروبية "الأكثر تنورا" بين سائر القارات، والتي لم تدرك وجوب الاستعداد لما هو قادم، رغم أن العنوان كان مكتوبا على الجدار منذ سنوات طوال. مع ذلك، وبعد كل ما حدث في الأسابيع الأخيرة، فإن لهجة الخطاب الأوروبي لم تتغير حتى الآن: الإسلام بريء من الإرهاب، بينما تواجه إسرائيل تقديم دعاوى ضدها أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وكما يقال: الملك يمشي عاريا، لكنه لا يريد الاعتراف.

_____________________________

(*) سفير إسرائيل الأسبق في مصر وباحث كبير في "المركز الأورشليمي للأبحاث والشؤون العامة". ترجمة خاصة.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أغسطس 12, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية