أثارت التصريحات التي أدلى بها الرئيس السابق للمحكمة الإسرائيلية العليا (1995 ـ 2006) والمستشار القانوني السابق للحكومة للإسرائيلية (1975 ـ 1978) وأستاذ القانون حاليا في "المركز المتعدد المجالات في هرتسليا"، البروفسور أهارون باراك (81 عاما)، ضمن مقابلة مُطوّلة نشرت في ملحق صحيفة "يديعوت أحرونوت" مؤخرا (31/1/2018)، ردود فعل واسعة بين قطاعات مختلفة، سياسية وقضائية، في المجتمع الإسرائيلي، خاصة وأنها مقابلة استثنائية، من حيث كونها الأولى التي يدلي بها باراك منذ سنوات عديدة ويكسر من خلالها "حاجز الصمت" الذي فرضه حول نفسه طوال هذه السنوات... "فقد قررت كسر الصمت وإطلاق صرختي الآن... قد يكون هذا مفيداً. وإن لم يكن، فلن يقولوا، على الأقل، أنني كنت بين الصامتين في وقت تتكرس فيه قواعد وممارسات موبوءة، في أذرع الحكم المختلفة".

 

وبالإضافة إلى ردود الفعل التي نشرناها في ص 5 من هذا العدد بجانب العرض المفصل للمقابلة نفسها، وجد المحامي اليميني المتطرف يورام شِفطِل في المقابلة مع أهارون باراك فرصة لشن هجوم كاسح عليه وعلى سيرته القضائية "منذ تعيينه قاضيا، ابتداء من أوائل الثمانينيات، ثم نائبا لرئيس المحكمة العليا ثم رئيسا لهذه المحكمة، حتى العام 2006"، متهماً إياه بـ "إنشاء نظام حكم سياسي خاص تحت غطاء قضائي؛ نظام حكم سياسي ـ قضائي لا مثيل له، لم يكن له مثيل ولن يكون في أي مكان في العالم"... وهو "نظام لا مفر من تعريفه بأنه دكتاتورية المحكمة العليا"!

وعدّد شفطل ("معاريف" ـ 10/2/2018) "أربعة أسس" قامت عليها "دكتاتورية المحكمة العليا": الأول ـ إلغاء مبدأ "عدم قابلية التقاضي"، من خلال جعله "أي تصرف أو إجراء، حتى لو كان سياسيا أو أمنيا، قابلا للبحث والحسم القضائيين". وبهذا، "أصبح باراك، سوية مع مجموعة القضاة التي حرص على تعيينهم لاتساق آرائهم مع آرائه هو هو المقرر الأعلى في الشؤون السياسية والأمنية"!؛ الثاني ـ إلغاء القيود على مبدأ "حق المثول أمام المحكمة (العليا)"، من خلال إتاحة هذا الحق، بصورة واسعة وغير محدودة، لأي شخص و/ أو لأي جسم إذا كان الموضوع المطروح في الالتماس إلى المحكمة العليا "عاما، من جهة، ويثير تساؤلات تتعلق بسلطة القانون أو ذات طابع دستوري أو تمس حقوق الإنسان الفرد الأساسية من جهة أخرى"؛ الثالث ـ إدخال "مبدأ المعقولية" القاضي بضرورة أن يخضع أي إجراء، أو قرار، سلطوي لمعيار المعقولية، والذي "أتاح لباراك، ومجموعة القضاة الذين يفكرون مثله، إمكانية النظر والحسم في أي شأن سياسي يرغبون فيه"، كما يقول شفطل؛ الرابع ـ التفسير القضائي الذي أرساه باراك لـ"قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته"، على ضوء "قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية" وبما ينسجم معها، بحيث تشمل "كرامة الإنسان وحريته"، أيضا، مبادئ المساواة، حرية التعبير، حرية المعتقد والدين، حرية الإبداع، حرية التجمهر والانتظام. وهذا ما يعتبره شفطل "منح باراك نفسه صلاحية سن تشريعات تتضمن مبادئ لم يذكرها قانون الأساس في نصه الصريح"، وهي الصلاحية التي "اعتمدها باراك لإلغاء أي قانون يتعارض مع تلك المبادئ"!

ويرى شفطل أن هذه "الأسس الأربعة" هي التي مكّنت باراك من "إنجاز مهمة تشكيل دكتاتورية المحكمة العليا" التي شكلت، منذ نهاية الثمانينيات وحتى اليوم، "الحكومة الأعلى" في إسرائيل.

غروس: الديمقراطية الإسرائيلية لن تحمينا إذا لم نحمِها

ودافع البروفسور عمانوئيل غروس، أستاذ القانون الدستوري السابق في جامعة حيفا، عما قاله أهارون باراك وأكد أن وزيرة العدل أييلت شاكيد "لا تفهم معنى الديمقراطية الحقيقي"، لأن "الديمقراطية هي ليست حكم الأغلبية فقط. من الواضح، ضمنا، أن الديمقراطية لا تقوم بدون حكم الأغلبية، لكن الديمقراطية هي، أيضا، حكم القيم، حماية الأقليات والدفاع عن حقوق الإنسان"، ما يعني "أنك لا تستطيعين فعل كل ما يحلو لك باسم حكم الأغلبية وبدون الأخذ في الحسبان احتياجات الأقليات وحقوق الإنسان"!

وتطرق غروس، في مقال نشر تحت عنوان "وقاحة أييلت شاكيد" ("هآرتس" ـ 5/2/2018)، إلى ما كتبته شاكيد عن "انحراف وتشويه السكة"، فقال إنه "كان من الحري بوزيرة العدل أن تعرف أن السكة لم تنحرف ولم تتشوه بسن قوانين الأساس المذكورة وأن كل ما فعله القاضي باراك هو تطبيق أهداف تلك القوانين وترجمتها من خلال تفسيرات مضمونية جوهرية".

ودعا غروس، في ختام مقالته، إلى "وضع حد للصمت المؤذي الذي تلتزمه قطاعات هامة في المجتمع الإسرائيلي حيال ما تسببه الحكومة الحالية من أضرار لسلطة القانون"، إذ "حان الوقت للنهوض والدفاع عن الديمقراطية الإسرائيلية وحمايتها، وإلا فهي لن تحمينا"!

 في مستهل المقابلة معه، قال باراك ـ ردا على سؤال عما إذا كانت "الديمقراطية الإسرائيلية في خطر" ـ إن "الخطر هو تعبير حاد جدا. لكن، مع ذلك، ثمة توجه قد يؤدي، إذا ما تصاعد واشتد، إلى هذا الخطر. نحن الآن في منحدر زلق لا نعرف كيف وأين يمكن أن يتوقف. قد لا يتوقف، وعندئذ سيحصل تدهور تام. إذا ما تواصلت الوجهة الحالية، فقد تقودنا إلى خطر يطلق عليه في الأدبيات القضائية اسم "استبداد الأغلبية"، أو كما وصفه القاضي ألفرد فيتكون (قاض سابق في المحكمة العليا) ذات مرة بأنه "دكتاتورية الأغلبية". أنا لا أقول إننا موجودون هناك، لكن إذا ما استمر الوضع على حاله كما هو الآن، فسنقترب منه كثيرا".

قيادة متجبّرة غير واثقة بنفسها وطريقها

من بين مكوّنات "المنحدر الزلق" وجوانب القلق التي يثيرها، أشار باراك إلى ما يلي: 1. "ثمة لدى القيادة السياسية في إسرائيل مؤخرا توجه يعتقد بأن القوة أهمّ من الحاجة لفهم الغير والحاجة إلى البحث عن قواسم مشتركة ونقاط اتفاق... قيادة متجبّرة تعتمد مبدأ حق القوة، بدلا من قوة الحق، تخلق وتغذي مواجهات وصراعات بين شرائح وقطاعات مختلفة من السكان ـ بين اليهود والعرب، بين الحريديم وغير الحريديم"؛ 2. تآكل الطابع التناسبي للديمقراطية البرلمانية المعمول بها في إسرائيل. فالسياسيون يقولون إنه ينبغي على المحكمة العليا أن "تضبط نفسها". و"هذا صحيح والمحكمة العليا تعتمد ضبط النفس، فعليا، وبدرجة كبيرة جدا"، يقول، "لكن على المشرّع (الكنيست)، أيضا، أن يضبط نفسه... عليه أن يعي أنه لا ينبغي له فعل كل ما يستطيع فعله. عليه أن يعي أنه يعيش في قلب مجتمع مركب ومعقد، مجتمع أسباط كما وصفه رئيس الدولة". وأوضح باراك، أيضا: "على المشرِّع أن يأخذ في حساباته، أيضا، الإنسان الفرد والأقلية. وحتى لو كان يمتلك القوة التي تخوله تسجيل نقاط ضد الأقلية، فليس من اللائق أن يفعل ذلك، فكم بالحري إن كان يفعل ذلك بصورة غير تناسبية كما نرى اليوم؟"؛ 3. التصريحات المتكررة التي يدلي بها قادة سياسيون في مركزها التأكيد على أن "الشعب انتخبنا كي نطبق إيديولوجيتنا". يوضح باراك: "هذا القول صحيح إلى حد معين فقط، لأنه في اللحظة التي يتم فيها انتخاب قيادة ما، فإنها تصبح قيادة جميع أبناء المجتمع، بمن فيهم أولئك الذين لم ينتخبوا تلك القيادة. ومن هنا، لزام على هذه القيادة الأخذ في الاعتبار تشكيلة التوجهات والآراء، ثم العمل بما يوحّد ويقرّب شرائح المجتمع المختلفة، لا بما يحطمها إلى شظايا... فسرّ عظمتنا هو في إيجاد القاسم المشترك، لا في التشديد على ما يفرّق".

يرى أهارون باراك أن استخدام القيادة، التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (الكنيست)، قوتها السياسية بهذه الدرجة من الإفراط (في الإجراءات الحكومية ـ الإدارية وفي التشريعات القانونية)، هو "تعبير عن انعدام الثقة. تعبير عن انعدام الإيمان والثقة بقوتها، بقوة كلماتها، بقوة أفكارها وطروحاتها".

ويضيف: "لا تمتلك القيادة الحالية ثقة كافية بالنفس لتحاول إقناع المواطنين بما ترى وتعتقد، ولذا فهي تلجأ إلى استخدام القوة. إنه انعدام الثقة بنفسك وبطريقك. القيادة السياسية في إسرائيل ليست واثقة بقدراتها، ولذا فهي تلجأ إلى القوة، القوة ثم المزيد من القوة".

السلطات "لا تتعامل مع العرب بتفهّم واحترام"!

حين يتحدث باراك عن "استخدام القوة" من جانب الكنيست ويطالبه بـ"ضبط النفس" فهو يقصد، أساسا، "النشاط التشريعي غير المنضبط الذي يمسّ بنسيج العلاقات بين الفئات المختلفة في المجتمع الإسرائيلي.. بين اليهود والعرب في داخل دولة إسرائيل نفسها، أولا ـ في "قانون النكبة" و"قانون لجان القبول" اللذين تم سنّهما واعتمادهما، وفي اقتراحات قوانين أخرى مطروحة على جدول أعمال الكنيست، مثل اقتراح قانون الدولة القومية واقتراح قانون منع الآذان وغيرهما".

"صحيح أن قيادة العرب في إسرائيل ترتكب الكثير من الأخطاء"، يقول ثم يضيف: "لكن هذا ليس مبررا تعتمده قيادة الأغلبية للتصرف على نحو يُقصي عددا كبيرا جدا من المواطنين ويدفعهم إلى الشعور بعدم الانتماء إلى الدولة". ويستذكر هنا ما ورد في "وثيقة استقلال إسرائيل" عن "دعوة أبناء الشعب العربي سكان دولة إسرائيل إلى الحفاظ على السلم والمشاركة في بناء الدولة على قاعدة المواطنة الكاملة والمتساوية"!!

يعبر أهارون باراك عن "إيمانه التام" بأن "الأغلبية اليهودية والأقلية العربية في الدولة تستطيعان العيش بتفاهم مشترك واحترام متبادل"، لكنّ "السلطات الإسرائيلية ـ التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (الكنيست) ـ لا تتعامل مع الأقلية العربية بتفهّم واحترام"! ويشير، برضى وارتياح، إلى "ضخ ميزانيات لا بأس بها، مؤخرا، لتحسين الظروف الاقتصادية لدى الأقلية العربية" وإلى "زيادة عدد الأكاديميين العرب ودمجهم في المجتمع" ويقول: "هذا هامّ أيضا، لكن فوق كل شيء وقبله يجب احترام الإنسان العربي كإنسان وكمواطن متساوي الحقوق. يجب إعطاؤه الاحترام الذي تعتقد أنك تستحقه، لأنه يستحقه أيضا".

لكن باراك، الذي يشير بإصبع الاتهام الواضح هنا إلى السلطتين التنفيذية والتشريعية، يتناسى السلطة الثالثة ـ القضائية (الجهاز القضائي) ـ التي ترأسها هو ردحا من الزمن وكان من أبرز من أرسى قواعد عملها ورسم ملامحها الأساسية طوال سنوات عديدة، إذ تثبت الوقائع والدراسات العديدة أن هذه السلطة أيضا تتعامل مع المواطنين العرب ليس فقط بالصورة نفسها وبالنهج ذاته (دون تفهّم ودون احترام)، بل بتمييز فاضح وصارخ، سواء في الأحكام أو في العقوبات التي تفرضها المحاكم الإسرائيلية على العرب مواطني إسرائيل مقارنة بتلك التي تفرضها على المواطنين اليهود، في المخالفات والاتهامات ذاتها. وهذا ناهيك عن ممالأة المحاكم للنيابة العامة والإذعان التام لسياستها في تقديم لوائح الاتهام، إذ يكون المواطنون العرب عادة ـ وفق ما تثبته الدراسات أيضا ـ "الحلقة الأضعف" من حيث سهولة تقديم لوائح الاتهام بحقهم ومن حيث خطورة بنود الاتهام الموجهة إليهم.

يهودية الدولة وديمقراطيتها ـ "لا تناقض"!

يرى أهارون باراك أن محاولات اليمين السياسي (البرلماني والحكومي) إجراء تغييرات دستورية جوهرية في المنظومة القانونية والقضائية في إسرائيل تنطلق من "فهم خاطئ بأن المحاكم قد أخضعت القيم اليهودية للقيم الديمقراطية"! ذلك أن "الموقف الثابت والمثابر الذي أكدته وكرسته المحكمة العليا على مدى تاريخها كله، هو أن قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية متساوية، في القيمة والأهمية، مع قيمها كدولة ديمقراطية... لا تناقض بينهما، بل تكامل". ومن هنا، بالذات، معارضة باراك لاقتراح قانون الدولة القومية، كما أوضح: "إذا لم يتضمن اقتراح القانون نصا صريحا وواضحا يقول إن دولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي التي تمنح حقوقا متساوية لأي إنسان يعيش في إسرائيل، يهوديا كان أو غير يهودي، فسيكون هذا القانون مناقضا لقيم إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية ومناقضا لوثيقة الاستقلال"!

ثم يتقدم درجة أخرى ليقول إن "لا تناقض بين قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية وبين الصهيونية"! ولذلك ـ يضيف ـ "حين تجسد المحكمة قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، فهي تجسد الصهيونية أيضا، على نحو صادق وأمين"!

الهجوم على الجهاز القضائي ـ هجوم على الإنسان البسيط!

يقول باراك إن الهجوم (من قبل رئيس الحكومة ووزراء وأعضاء كنيست) على المؤسسات الرسمية وأذرع تطبيق القانون بشكل خاص، مثل الشرطة والنيابة العامة ومراقب الدولة وغيرها، "هو بمثابة حلقة أخرى في السلسلة التي تحدث عنها ـ استخدام القوة بما يعبر عن غياب الثقة بالنفس وبالطريق... ثمة توجه نحو إضعاف هذه المؤسسات والأذرع، وخصوصا إضعاف الشرطة والجهاز القضائي، بذريعة "الحاجة إلى الحوكمة". لكن "الحوكمة" على ألسن الوزراء وأعضاء الكنيست المعنيين ليست سوى كلمة "نظيفة" للقيام بعمل ضد القانون، عمل يمس بالوضع الدستوري".

ويضيف أنه "حين يصرح منتَخبو الجمهور بأن الوقت قد حان للتفكير في ما إذا كان ينبغي احترام قرارات المحاكم وتنفيذها، بينما يلتزم الجميع الصمت، بمن في ذلك رئيس الحكومة ووزيرة العدل ورئيس الكنيست، فإنني أتساءل: إلى أين وصلنا وإلى أين سنصل بعد؟؟... عندما نصل إلى لحظة لا يتم فيها تنفيذ قرارات المحاكم، نكون قد وصلنا عندها إلى نهاية الديمقراطية. لا إلى بداية نهاية الديمقراطية، إنما إلى نهايتها تماما".

واعتبر باراك أن "محاولات الاعتداء على صلاحيات المحاكم هي، في حقيقة الأمر، محاولات للاعتداء على الإنسان البسيط، على حقه في نيل حقوقه وعلى قدرته على نيل حقوقه. لأن الإنسان البسيط حين يأتي إلى المحكمة متظلما جراء إجراء سلطوي ما يقف أمام المحكمة قويا مثل السلطة التي يشكو أمرها. هذا هو معنى استقلالية الجهاز القضائي".

وحين سئل عمن يقصد بـ "محاولات الاعتداء هذه"، رد باراك: "الجميع. الجميع يقولون والأغلبية تلتزم الصمت"!

حكم الأغلبية وحقوق الإنسان وفهم وزيرة العدل

يؤكد باراك أن أوساطا واسعة في المجتمع الإسرائيلي وقياداته السياسية "لا تتمتع بفهم كاف لمعنى الديمقراطية ومضمونها، ولا تفهم أن الديمقراطية ليست مفهوما أحادي البعد ينحصر في حكم الأغلبية". ويوضح قائلا: "من المؤكد أن لا ديمقراطية بدون حكم الأغلبية. ولكن، إلى جانب حكم الأغلبية، ثمة مجموعة من القيم والمبادئ التي يجب على النظام الديمقراطي تطبيقها: سلطة القانون، الفصل بين السلطات، استقلالية السلطة القضائية، وفوق هذه كلها ـ حقوق الإنسان. حقوق الإنسان الفرد. الإنسان أيا كان. وكما أن لا ديمقراطية بدون حكم الأغلبية، كذلك أيضا لا ديمقراطية بدون سيادة هذه القيم التي تشكل حقوق الإنسان مركزها وجوهرها... الديمقراطية بدون حقوق إنسان ليست ديمقراطية، وإنما استبداد".

ويرى باراك أن "ثمة توترا مستديما بين مبدأ حكم الأغلبية وسيادة القيم وحقوق الإنسان. لكن حل التناقض والصدام بين هذين الطرفين لا يتم بتنازل أحدهما عن الآخر، وإنما بالتجسير والموازنة بينهما، على قاعدة التناسبية". وأضاف: "أعتقد أن وزيرة العدل الحالية لا تفهم هذا الأمر الأساس".

25 سنة إلى الوراء!

يؤكد باراك أنه إذا ما تكللت بالنجاح محاولات وزيرة العدل الحالية، أييلت شاكيد، وائتلافها اليميني عموما في سن "قانون أساس: القضاء" الذي يخول الكنيست صلاحية إعادة سن أي قانون، أو بند قانون، تقوم المحكمة العليا بإلغائه نظرا لعدم دستوريته وتناقضه مع قوانين أساس قائمة، وخاصة "قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته" و"قانون أساس: حرية العمل"، فسيكون ذلك "بمثابة إعادة القضاء الإسرائيلي 25 سنة إلى الوراء"! خاصة وأن اقتراح "قانون أساس: القضاء" الجديد يخول الكنيست القيام بذلك بأغلبية عادية وضئيلة قوامها 61 عضو كنيست فقط، بينما يعتقد باراك أن الأغلبية اللازمة لتغيير قانون أساس هي 80 عضو كنيست على الأقل، لكنه يشدد على أن "ما يريدونه حقا وفعليا هو تكريس نظام القوة، بينما كان من بين أهداف القوانين الدستورية المركزية: منع استخدام القوة بصورة غير مبررة وغير متعقلة ووضع قيود على المشرِّع العادي".

قانون الإعدام والقضية الفلسطينية

يرى باراك أن "مجرد طرح موضوع الإعدام لا يؤدي إلا إلى توترات لا حاجة لها". فالقانون الساري اليوم يتيح تنفيذ حكم الإعدام، "فلمَ الحاجة إلى قانون خاص، سوى مغازلة جمهور معين، من خلال زرع الشقاق بين مؤيدي القانون ومعارضيه؟". وأضاف أنه إذا ما تم سن مثل هذا القانون فعلا، فسيكون عرضة للرقابة القضائية بالتأكيد "لأن عقوبة الإعدام تمس بحق الإنسان في الحياة، وهو حق دستوري". وخلال تطبيق الرقابة القانونية ـ قال ـ ينبغي النظر في اعتبارات وأسئلة عديدة ومختلفة، "من بينها بالطبع: مدى نجاعة هذه العقوبة، التي تعلن الأجهزة الأمنية معارضتها لها، إضافة إلى اعتبارات هامة جدا تتعلق بأخلاقيات دولة إسرائيل وصورتها تجاه الداخل وتجاه الخارج، على حد سواء".

ورفض باراك البوح بموقفه من قضية طالبي اللجوء الأفارقة في إسرائيل والسعي المحموم لطردهم بالقوة متذرعا بالقول: "أتحدث عن هذا الموضوع بحذر لأنني أعرف أنه ستقدم التماسات بشأنه إلى المحكمة العليا"!! وأضاف: "أكتفي فقط بطرح الإطار القضائي لبحث متعقل في الموضوع"!

برغم كل ما قاله أهارون باراك في المقابلة مع ملحق "يديعوت أحرونوت" وما اعتبره "كسرا لحاجز الصمت"، فضّل مواصلة التزام الصمت في قضايا أساسية أخرى منوهاً بأنه "يهرب من السياسة"(!)، أبرزها وأهمها القضية الفلسطينية والصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، والتي اكتفى بالقول بشأنها: "أعي أنني لم أتطرق إلى القضية الفلسطينية. هذا بسبب التقييدات المفروضة عليّ. أتجنب التعبير عن موقف بشأن الصراع الإسرائيلي ـ العربي، برغم العلاقة الوثيقة بين حل هذا الصراع وتطبيق الصهيونية وتحقيق قيم إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. آمل أن يعم السلام بيننا وبين جيراننا. آمل أن الحل الذي سيتم التوصل إليه، أيا كان ـ وأنا أومن بأن حلا ما سيكون في نهاية المطاف ـ سيحقق نبوءة الشعب ومعتقداته، كما عبرت عنها وثيقة الاستقلال"!!

 

الثلاثاء, أكتوير 23, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية