المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 18
  • أنطوان شلحت

قبل شن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران (بدأت يوم 28 شباط 2026) بثلاثة أيام أصدرت "يش دين (يوجد قانون)"، منظمة متطوعين إسرائيلية لحقوق الإنسان، يوم 25 شباط الماضي، تقريراً تحت العنوان: "مستوطنون بالزي العسكري: عنف المدنيين الاسرائيليين في زي الجيش المُمارس ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية"، استهلته بالقول إن إسرائيل سلّحت آلاف المستوطنين وزوّدتهم بالزي العسكري ومنحتهم القوة الفتاكة بغياب آليات إشراف ورقابة على تفعيلها. وإن إطلاق النار، والإعتداءات، والتعدي على الممتلكات والأراضي، والسطو والسرقة، وإتلاف الممتلكات، ليست سوى بعض الأمثلة على الحوادث التي ارتكب فيها مدنيون إسرائيليون جرائم ضد الفلسطينيين في العامين الماضيين وهم مزودون بالسلاح وبالزي العسكري. هذه الاعتداءات ارتكبها مستوطنون جنود بصفة عسكرية، في تجاوز للصلاحيات والسُلطة، ومستوطنون جنود كانوا في إجازة وليس في إطار أي عمل أو نشاط رسمي، أو مستوطنون بالزي العسكري تصرفوا بشكل مستقل كما يحلو لهم.

ويصل التقرير إلى بيت القصيد حين يقول: توفر السلطات الإسرائيلية الدعم لعنف المستوطنين بالزي العسكري ضد الفلسطينيين، ليس فقط بواسطة توزيع الزي العسكري والسلاح عليهم، بل بكونها لا تُنفذ القانون على المُجرمين والجُناة. حينما تُقدّم شكاوى ضد المُعتدين، تحاول سلطات إنفاذ القانون بالعموم التهرب من مسؤوليتها بالتحقيق في الحادث وتدعي النيابة العسكرية أن العنف لا يُرتكب في إطار نشاط عسكري، وبالتالي لا تقع الحادثة تحت مسؤوليتها، بينما تغلق الشرطة ملفات التحقيق أو تزعم أن الأفعال ارتكبها أشخاص بزي عسكري، وعليه لا تملك صلاحية التحقيق فيها. وعلى الرغم من أن العديد من المستوطنين الذين تم تجنيدهم ببداية الحرب إلى قوات التدخل السريع وكتائب الحماية الاقليمية، لا يخدمون اليوم في خدمة احتياط نشطة، فقد سمح لهم الجيش بالاحتفاظ بالسلاح والزي العسكري. هذا الشكل من الاعتداءات يساعد إسرائيل على تحقيق طموحها بوضع يدها على المزيد من أراضي الضفة الغربية وضم الأراضي خالية من سكانها.

ويرمي التقرير إلى أن يثبت أنه بشكل منهجي وكسياسة مُتبعة، تُتيح إسرائيل عمداً طمس المعالم التي تُميّز بين المستوطنين وقوات الجيش، وتشجّع أعمال العنف من ميليشيات مدنية تعمل من أجل مصالح الاستيطان ضد السكان المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية. وتتعارض هذه المُمارسات الإسرائيلية مع التزامات الدولة بموجب القانون الدولي كقوة مُحتلة في الضفة الغربية، وتنتهك حقوق الإنسان للفلسطينيين في الضفة الغربية بشكل صارخ.

في سياق متصل أشارت تقارير إعلامية وحقوقية مستجدة إلى أن المستوطنين في الضفة الغربية صعّدوا هجماتهم على الفلسطينيين بالتزامن مع الحرب على إيران، وذلك في ظل استغلال جليّ لآخر الأوضاع الإقليمية وللانشغال الدولي. ونُشرت في وسائل إعلام إسرائيلية تقارير تحدثت عن موجة اعتداءات جديدة منذ بدء الحرب مع إيران، شملت عمليات إطلاق نار، واقتحامات  قرى، وتخريب ممتلكات. بالتوازي مع ذلك اتهمت تقارير حقوقية المستوطنين باستغلال اللحظة لتسريع التهجير والاستيلاء على الأراضي خصوصاً في مناطق ج.  وينوّه البعض بأنه من المهم التشديد على أن التصعيد لم يبدأ مع الحرب على إيران فقط، بل هو امتداد للارتفاع الكبير في العنف منذ شن الحرب على غزة يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث قُتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة خلال تلك الفترة نتيجة عمليات الجيش والمستوطنين. وقبل ذلك مع انطلاق عمل الحكومة الإسرائيلية الحالية في أواخر 2022 وقيامها بالتساهل بل وبتوفير الحماية لمجموعات المستوطنين المسلحة، والذي كان بمثابة المساهم الرئيس في تصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

إن ما يجدر التنويه به حتى الآن بشأن هذا العنف المتصاعد للمستوطنين ارتباطاً بالحرب على إيران هو ما يلي:

أولاً، مع أن بعض المحللين الإسرائيليين ينحون، في معرض تفسير تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية في أثناء الحرب (سواء على إيران في الوقت الحالي، أو في سياق الحرب السابقة على قطاع غزة وغيره من الجبهات)، إلى توجيه اتهام إلى الدولة بأنها فقدت السيطرة على مجموعات المستوطنين المتطرفة، إلا أن بعضاً آخر أكد أن سبب هذا الاستنتاج يعود إلى فقر استكشاف أن ما يحدث هو جزء من سياسة إسرائيلية رسمية لفرض وقائع استيطانية جديدة في الضفة الغربية تعتبر جزءاً من عملية الضم الزاحف لأراضي هذه المنطقة. ومن الواضح أن الحرب على إيران أوجدت "نافذة فرص" جديدة للمستوطنين.

ثانياً، أكد تقرير لصحيفة "هآرتس" نشر يوم 6 آذار الحالي أن التهجير في الضفة الغربية من جرّاء مضايقات المستوطنين تصاعد منذ الحرب على إيران، ولكنه في الوقت عينه شدّد على أنه منذ هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، اضطُرت عدة تجمعات فلسطينية في الضفة إلى مغادرة منازلها بسبب مضايقات المستوطنين. وفي كثير من الحالات، يتكرّر النمط نفسه: على النحو الآتي 1- إقامة بؤرة استيطانية قرب تجمع رعاة فلسطيني. 2- تصاعد المضايقات ضد السكان. 3- طردهم من أراضي الرعي واقتحام التجمع مراراً. 4- تتحول المضايقات إلى واقع يومي. وفي النهاية، يُضطر السكان إلى مغادرة المكان. وبحسب التقرير، فقد كانت جهات في الجيش والشرطة على علم بالعديد من حالات تهجير الفلسطينيين، ولكنها سمحت باستمرارها. بمعنى آخر فإن هذه الجهات في الجيش والشرطة ليست مشرفاً موازياً على حالات التهجير هذه فحسب إنما أيضاً حاضنة لها.

ثالثاً، قبل هذا التقرير، لفتت مراسلة صحيفة "هآرتس" لشؤون الفلسطينيين والأراضي المحتلة منذ 1967 عميرة هس الأنظار إلى تصاعد وتيرة هدم المباني والمنازل الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية. وأشارت، في سياق تقرير ظهر يوم 23 شباط الماضي، أنه خلال كانون الثاني من العام الحالي، هدمت الإدارة المدنية ما مجموعه 24 مبنى في الضفة الغربية بحجة عدم الترخيص في المنطقة ج. ووفقاً لمعطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، فقد هُدم خلال العامين الماضيين 2461 مبنى يملكها فلسطينيون للسبب نفسه، مقارنة بـ 4984 مبنى خلال الأعوام التسعة التي سبقتهما. ونتيجة لذلك فَقَدَ نحو 3500 شخص منازلهم خلال هذين العامين. وبرأيها يتقاطع ارتفاع وتيرة الهدم الإداري للبناء الفلسطيني مع مسارين بارزين في الضفة الغربية خلال الأعوام الأخيرة: تهجير نحو 80 تجمعاً فلسطينياً بسبب التوسع المتسارع في إقامة المزارع والبؤر الاستيطانية وما يرافقها من عنف منظم، والتغييرات التي أدخلتها الحكومة على ترتيبات الأراضي في الضفة. ومن هذه التغييرات: إلغاء الحظر على شراء اليهود بصورة خاصة أراضي في الضفة، ورفع السرية عن سجل الأراضي وإلغاء إشراف الإدارة المدنية على صفقات الأراضي، واستئناف تسوية الأراضي وتسجيلها حسب الملكية، وتسريع إعلان مزيد من الأراضي الفلسطينية العامة أو تلك التي لا تتضح صلتها الملكية كـ "أراضي دولة". وتؤدي هذه العناصر مجتمعة إلى توفير مزيد من الأراضي "الخالية" من الفلسطينيين ("هآرتس"، 22/2/2026).

رابعاً، لعلّ الجديد الذي يروّج له المستوطنون في إثر الحرب على إيران فيما يتعلّق بالضفة الغربية هو الذي عبّر عنه القائم بأعمال رئيس "المجلس الإقليمي شومرون"، دافيدي بن تسيون، في إطار مقال نشره في موقع "واينت" التابع لصحيفة "يديعوت أحرونوت" أمس (8/3/2026) تحت العنوان الموحي: "بين طهران وجنين"،  ويستحث الحكومة الإسرائيلية فيه على الاستمرار في الاستفادة مما وصفه بـ "النظام الإقليمي الآخذ بالتغيّر"، ومما تحظى به إسرائيل من دعم أميركي واضح في مكافحة "الإرهاب"، من أجل معالجة جذور البنية التحتية المسلحة في الضفة الغربية. وبرأيه فإن الوقت الحالي هو الأنسب للتفكير في "خطوة أعمق وأكثر شمولاً تعالج البنية التحتية المسلحة، ومستودعات السلاح، وشبكات التهريب التي قد تنفجر في المستقبل، فكمية السلاح الموجودة في يد الفلسطينيين في الضفة الغربية هائلة". ويحاول بن تسيون استدراج الحكومة إلى مزيد من التفاصيل في هذه القضايا، لكونه يشبه جنيّ القمقم الجاهز في أي وقت للخدمة. 

ويستحضر هذا المستوطن ما يقول إنها "نظرية النوافذ المكسورة"، والتي ظهرت في تسعينيات القرن العشرين الماضي في مدينة نيويورك، عندما قاد رئيس البلدية آنذاك، رودني جولياني، سياسة تقوم على فكرة بسيطة: إذا تم تجاهل نافذة مكسورة واحدة، فسرعان ما سيبدو الشارع كله وكأنه منطقة مهملة ومفتوحة للفوضى، وكما هو معروف، فإن الثغرة تدعو اللص. ولكن إذا تم التعامل فوراً مع كل علامة صغيرة من علامات الإهمال، فإن الجريمة الكبيرة ستجد صعوبة في النمو. وفي قراءته فإن هذه الطريقة، الآتية من عالم مكافحة الجريمة في المدن، يمكن بل يجب نقلها إلى مفهوم الأمن لدى إسرائيل. أما الدرس المطلوب من "نظرية النوافذ المكسورة" فواضح: مَن يعالج المشكلة الصغيرة مبكراً، يمنع الجريمة الكبيرة، و"النافذة الصغيرة في جنين لا تقل أهمية عن المعركة الكبرى التي تخوضها إسرائيل في طهران الآن"!

المصطلحات المستخدمة:

يديعوت أحرونوت, هآرتس, الإدارة المدنية

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات