بعد مرور أكثر من أسبوعين على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والتي باتت تشمل حرباً إسرائيلية على لبنان أيضاً، يمكن التقدير بأننا في خضم حرب استنزافٍ تحاول إيران وحزب الله إدارتها في سبيل إفشال محاولة فرض واقع استراتيجي إقليمي جديد.
ويرتبط الجواب عن السؤال بشأن المدة الزمنية التي قد تستغرقها مثل هذه الحرب بالجواب عن السؤال بشأن الكيفية التي بالإمكان أن تنتهي بها، والمنوطة بالغايات التي تتطلع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحقيقها في الجبهتين.
وفي خضم التمازج الذي يمكن تلمسه من خلال قراءة آخر التقديرات الإسرائيلية المتعلقة بمستجد الحرب في إيران ولبنان، فإن ما يمكن إجماله حتى الآن في ما له صلة بالواقع والوجود الممكن أكثر مما في الخيال هو التالي:
أولاً، الحرب في إيران: خفضت الولايات المتحدة وإسرائيل توقعاتهما بشأن إمكان سقوط النظام الإيراني، وذلك لعدة أسباب سياسية وعسكرية وداخلية وبالأساس في إيران. وأبرز هذه الأسباب صمود بنية النظام الإيراني بالرغم من الضربات التي تلقاها، والذي حال دون تحقيق فرضية الانهيار الداخلي السريع لهذا النظام مع أول الضربات العسكرية القوية التي وصفت بأنها تتغيّا قطع الرأس، واستهدفت القيادة وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي. وقد قام جزء من الاستراتيجيا الأميركية – الإسرائيلية على توقع أن تشجع الحرب اندلاع انتفاضة شعبية داخل إيران، ولكن ما حدث هو عدم ظهور حركة احتجاج كبيرة قادرة على تهديد النظام، بل على العكس أدت الحرب إلى تعبئة قومية داخل إيران بدلاً من تفكك النظام، ولذا بدأت التقديرات الإسرائيلية تتحدث عن أن تغيير النظام قد يستغرق وقتاً طويلاً، إن حدث أصلاً. كذلك تشير معظم التحليلات الإسرائيلية إلى أن قيام إيران بالرد على الحرب من خلال سلسلة هجمات بالصواريخ والمسيّرات على إسرائيل وعلى قواعد أميركية في الخليج، أثبت أن قدراتها العسكرية لم تُشلّ بالكامل، فضلاً عن أن شبكة حلفائها الإقليميين ما زالت تمتلك القدرة على توسيع رقعة الحرب، مثلما ينطبق ذلك على حزب الله في لبنان.
ثانياً، ما نشهده في الوقت الحالي، بحسب ما تؤكد جلّ التحليلات الإسرائيلية، هو خفض سقف الأهداف المعلنة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل للأسباب السالفة، ولكن أيضاً لتجنب إعلان الفشل إذا ما انتهت الحرب من دون إسقاط النظام. وأمسى التركيز حالياً على تقليص قدرات إيران وليس على إطاحة النظام. وبموجب ما يؤكد المحلل العسكري لصحيفة "يسرائيل هيوم"، يوآف ليمور، فإن ما يستقطب الاهتمام الآن ثلاثة محاور قتال هي: المسّ بمنصات إطلاق الصواريخ وترسانة الصواريخ، والإضرار بصناعة الأسلحة الإيرانية مع التركيز على منظومة إنتاج الصواريخ والمسيّرات، وإلحاق خسائر بالقوات الأمنية الإيرانية وقواعدها (14/3/2026). غير أن ذلك لا يصرف النظر عن حقيقة أن إسرائيل كانت تسعى من وراء الحرب لما وصف بأنه تغيير بنيوي، بينما قد تكتفي الولايات المتحدة بإيران مردوعة ومحتواة لا أكثر.
ثالثاً، لا يوجد حتى الآن جواب يمكن توصيفه بأنه قاطع حول موعد انتهاء الحرب على إيران، ولكن أغلب التقديرات العسكرية والسياسية ترجح استمرارها عدة أسابيع أخرى. وقد لمح رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، الجنرال إيال زامير، وكذلك الناطق العسكري الإسرائيلي، إلى احتمال انتهائها عشية عيد الفصح العبري يوم الفاتح من نيسان المقبل، في حين أن هناك تقديرات في الولايات المتحدة بأن تنتهي قبل ذلك بعدة أيام على خلفية الزيارة التي من المتوقع أن يقوم بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين في أواخر آذار الحالي. ونقلت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية عن مصادر مقربة من الحكومة الإسرائيلية قولها إن هناك اتفاقاً بين الولايات المتحدة وإسرائيل على عدم إنهاء الحرب قبل هذه الفترة كي لا يكون ثمة اضطرار إلى إعادة كرّة الحرب على إيران بعد عدة أشهر.
رابعاً، فيما يخصّ إيران وأبرز تداعيات الحرب عليها ثمة تلميحات إلى أنها تشهد في الأيام الأخيرة تعافياً جزئياً. ووفقاً لتقارير المحللين العسكريين في "يديعوت أحرونوت" و"هآرتس"، على الرغم من أن قوة النيران المتبقية لدى الإيرانيين محدودة، فإنهم يواصلون إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة يومياً بطريقةٍ تعطل الحياة في العمق الإسرائيلي، وفي الدول المجاورة، ومع أن حجم الإطلاق ليس كبيراً، إلا أنه محسوب ومنسّق بما يكفي للتأثير في الاقتصاد الإسرائيلي، وفي المزاج العام، فضلاً عن التسبب بخسائر بين الحين والآخر. أمّا الإنجاز الأبرز للإيرانيين مؤخراً فيتمثّل في الهزة التي أحدثوها في سوق الطاقة العالمية، عبر إغلاق مضيق هرمز، والهجمات على منشآت الطاقة في دول الخليج، ونظراً إلى أن هدف إيران وحزب الله ليس هزيمة أعدائهما، بل الصمود حتى نهاية الحرب، فإن هذا الهدف لا يزال في متناول اليد.
خامساً، بالانتقال إلى جبهة الحرب في لبنان فإن أهم ما ينبغي تأكيده هو أنه منذ الهجوم الكبير بمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة من لبنان على إسرائيل مساء يوم الأربعاء الماضي (11/3/2026)، تصاعدت لهجة المسؤولين الإسرائيليين ضد حزب الله على نحو كبير. ويدور في أوساط المستوى السياسي وقيادة الجيش في إسرائيل حديث علني حول عملية قريبة للسيطرة على أجزاء واسعة من الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني. وأشارت تقارير متطابقة إلى أن الجيش الإسرائيلي نشر فعلاً قوة مكونة من عدد من الألوية في منطقة أمنية، شمال خط الحدود، بعد وقت قصير على بدء الحرب، وتوسعت هذه المنطقة مع تجدُّد القتال، لكن الاستعدادات جارية الآن لاستقبال قوات أكبر في الشمال، تمهيداً لـ "مناورة برية" (اجتياح) محتملة في عُمق الأراضي اللبنانية.
وما تروّج له أبواق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو هو أن انضمام حزب الله إلى المعركة بجانب إيران، وقيامه بإمطار بلدات الشمال بوابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ووصول صواريخه إلى وسط إسرائيل أيضاً وإصابتها أهدافاً هناك، كل ذلك يُعد دليلاً إضافياً على "خطأ استراتيجي" ارتكبته إسرائيل في تشرين الثاني 2024 عندما وافقت على وقف إطلاق النار قبل حسم المعركة ضد حزب الله، وبذلك منحت الحزب فترة استراحة استغلها لإعادة بناء قوته. ومثلما كتب أحد هؤلاء في صحيفة "يسرائيل هيوم" (15/3/2026): لقد أخطأنا عندما أوقفنا إطلاق النار بينما كان حزب الله في وضع صعب، وأخطأنا عندما افترضنا أن حكومة لبنان وجيشها سيقومان بالمهمة، نيابةً عنا، وينزعان سلاح الحزب؛ كذلك أخطأنا عندما اعتقدنا أن نشاطنا المحدود ضده خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية يكفي لمنعه من استعادة قوته... إن كل ما يمكن فعله الآن هو "الأمل بأن نكون تعلمنا شيئاً من هذه الأخطاء وعدم تكرارها هذه المرة". وأشارت آخر التقارير الإسرائيلية إلى أنه تعمل حالياً هناك ثلاث فرق عسكرية، وسيكون من الضروري تنفيذ تعبئة واسعة لقوات الاحتياط. وقبل الحرب، كان الجيش الإسرائيلي يحتفظ بخمسة "مواقع دفاع" ثابتة داخل لبنان، هي أشبه بمبانٍ دائمة، على حد تعبير "يديعوت أحرونوت"، أمّا الآن، فهناك 18 "موقعاً دفاعياً" إضافياً في عمق المنطقة، وجرى تحديد مهمة القوات في "مطاردة عناصر قوة الرضوان واصطيادهم"!
المصطلحات المستخدمة:
يديعوت أحرونوت, هآرتس, يسرائيل هيوم, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو