مع أن الوجود الفعلي للكهانيّة في حكومة بنيامين نتنياهو الحالية يتمثل بشكل مباشر من خلال حزب "عوتسما يهوديت" ("قوة يهودية") بزعامة إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، فإن كثيرين من المحللين السياسيين وغيرهم من كتاب الرأي في إسرائيل يصفونها بأنها "حكومة كهانيّة". ويقصدون بـ "الكهانيّة" ذلك الإرث الأيديولوجي للحاخام المقتول مئير كهانا، مؤسس حركة "كاخ" التي تم حظرها، الذي كان يدعو إلى تهجير العرب قسريًا، وإقامة دولة شريعة دينية يهودية نقية، بيولوجيًا وقانونيًا.
يُعدّ بن غفير تلميذًا مباشرًا لكهانا، لكنه عمد إلى محاولة تلطيف خطابه سياسيًا وقانونيًا لكي يتجنّب شطب حزبه من الانتخابات العامة، إلا أنه يرفع علنًا شعارات مستمدة، قلبًا وقالبًا، من أفكار كهانا.
منذ إقامة هذه الحكومة أشير في أكثر من تحليل إلى أن الكهانيّة هي حركة إرهابية يهودية عنصرية وعنيفة، ومعارِضة حتى للنظام القائم في إسرائيل، تؤمن بأنه لا ضرورة لطاعة القانون، وبالفوضى كوسيلة للوصول إلى الحكم وإقامة دولة الشريعة، ولقد كانت حركة معارضة عبر تاريخها، لكنها في الوقت الحالي تدير الحكومة بكيفية ما.
في تحليل ملفت بهذا الصدد قرأنا منذ عدة أعوام ما يلي: كتب مئير كهانا أن "على الدولة أن تطهّر وسائل إعلامها من الطابور الخامس، أي من اليساريين الذين يسمّمون شبابنا"، وها هو وزير الاتصال الحالي شلومو كَرعي يقوم بالتطهير. وقال كهانا كذلك "علينا أن نكثّف المعركة حول الحرم القدسي"، وبن غفير يكثّف المعركة. ودعا كهانا الحكومة إلى أن "تتيح للجيش التعامل مع العرب"، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش متفق معه باعتباره وزيرًا ثانيًا في وزارة الدفاع وله صلاحيات تتعلق بالجيش. ونتنياهو نفسه يتحدث عن "الهجرة الطوعية" ككهانيّ ترانسفيري بامتياز.
ومضى المحلل نفسه قائلًا: برأي كهانا فإن "العربي يفهم شيئًا واحدًا هو القوة"، فأروني شخصًا واحدًا في الحكومة الحاليّة، أو في هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، أو في الكنيست، لا يفكّر بهذه الطريقة. ولو تم إجراء استطلاع للرأي العام في أوساط الجمهور اليهودي، لَكشف أنه، في أغلبيته، يفكر بهذه الطريقة.
في الإجمال العام، خلصت معظم هذه التحليلات إلى أن الكهانيّة لم تمت، بل تنكّرت فقط. فضلًا عن ذلك فإن الحكومة الحالية تنفّذ العديد من الأجندة الكهانيّة، نظرًا إلى أن نتنياهو يعتمد كليًا على مقاعد إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش للبقاء في السلطة، مما يمنح الفكر الكهانيّ والمتطرف نفوذًا غير مسبوق في توجيه سياسات الأمن الداخلي، والاستيطان، والخطاب الرسمي للدولة.
لعل ما يستلزم العودة إلى طرح هذه المقاربة هو قيام دول أوروبية بفرض عقوبات على وزراء مثل بن غفير وسموتريتش. على سبيل المثال، بادرت إيطاليا وفرنسا مؤخرًا إلى المطالبة بفرض عقوبات أوروبية على بن غفير شخصيًا بسبب ما وصف بأنه تجاوزاته في التعامل مع نشطاء أوروبيين في إطار "أسطول الصمود" الذي كان متوجهًا إلى قطاع غزة فقامت إسرائيل باعتراضه واعتقال من كانوا على متنه، بينما تحرص روما وباريس في الوقت نفسه على منع أي عقوبات اقتصادية شاملة قد تضر بالعلاقات مع الدولة الإسرائيلية، وذلك وسط نقاش يدور داخل الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي حول ضرورة فرض عقوبات على الحكومة الإسرائيلية ككل ككيان رسمي، بدلًا من الاكتفاء باستهداف وزراء محدّدين. وبموجب آخر التقارير يرى التيار المؤيد لهذا التوجه، الذي تقوده دول داخل الاتحاد الأوروبي مثل أيرلندا وإسبانيا وسلوفينيا، بدعم من منظمات حقوقية دولية، أن استهداف الأفراد لم يعد كافيًا، وذلك بناءً على عدة مبررات في مقدمها أن السياسات التي ينفذها بن غفير أو سموتريتش (مثل توسعة الاستيطان أو الإجراءات الأمنية في الضفة الغربية والقدس) لا تتم بناء على مبادرات شخصية، بل يجري إقرارها عبر ميزانيات حكومية رسمية وبغطاء سياسي وقانوني يوفره رئيس الحكومة، الذي اختار طواعية الخضوع إلى أجندة اليمين المتطرف للحفاظ على ائتلافه وتجنّب سقوط حكومته. بالتالي، فإن المسؤولية السياسية تقع على عاتق رئيس الحكومة والائتلاف بأكمله. ويطالب هذا التيّار بخطوات ملموسة مثل تعليق "اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل"- وتحديدًا الشق التجاري منها الذي يمنح إسرائيل امتيازات اقتصادية- أو فرض حظر شامل على منتجات المستوطنات في الأراضي المحتلة منذ العام 1967، معتبرين أن منع وزراء من السفر أو تجميد أرصدتهم الشخصية هما بمثابة خطوة رمزية لا تؤثر على السياسة العامة للدولة.
وسبق لنا أن أشرنا، مرات عديدة، إلى أن الكهانيّة ما زالت تلقي بظلالها على أجزاء من المجتمع والسياسة الإسرائيلييْن اليوم، وإن لم تعد تمثل حزباً منتخباً معلناً كما في زمانه، وإلى أن الكثير من التطرّف اليميني الإسرائيلي الراهن مستوحى من الكهانيّة، ناهيك عن أنه ازداد الحديث في الإعلام وبعض المنابر عن طروحات كانت في السابق حكراً على الكهانيين مثل التهجير والترانسفير.
فمثلًا، في شهر تشرين الثاني الماضي، قال عضو الكنيست نيسيم فاتوري (الليكود)، خلال جلسة عامة في الكنيست الإسرائيلي، إنّ مئير كهانا كان على حقّ في كثير من الأمور التي أخطأ فيها شعب إسرائيل، وكذلك "أخطأ قادة حزب الليكود حين أقصوه". وأضاف فاتوري، الذي يشغل أيضًا منصب نائب رئيس الكنيست: "لو كان كهانا حيًا اليوم لكان اعتُبر قدّيسًا، وربما نال ’جائزة إسرائيل’". وقد أثارت تصريحاته في حينه جدلًا واسعًا، واتهم عضو كنيست من حزب "يوجد مستقبل" حزب الليكود بأنه تحوّل إلى فرع بائس من حركة "كاخ"، معيدًا إلى الأذهان أنها حركة أسسها مئير كهانا، وتم حظرها في العام 1988 ومنعت من خوض انتخابات الكنيست الثانية عشرة بعد أن تقرر أن أهدافها عنصرية. كما أن كهانا نفسه أُدين بمخالفات تتعلق بالإرهاب في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة. في الوقت نفسه أكدت تحليلات عدة مستجدّة في ذلك الوقت أن بعض أفكار كهانا، التي كانت تعتبر متطرفة جدًا في الماضي، باتت تُناقش حاليًا في بعض الأوساط السياسية بجدية أكبر، بل وتُستخدم كمصدر إلهام من طرف نُخَب يمينية.
المصطلحات المستخدمة:
بتسلئيل, كاخ, الليكود, الكنيست, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو