المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 11
  • أنطوان شلحت

توقعت أغلب التحليلات الإسرائيلية التي تناولت عملية اغتيال عز الدين الحداد، القائد العام لكتائب القسّام- الجناح العسكري لحركة حماس في قطاع غزة، يوم الجمعة الفائت، بأنها قد تكون بمثابة الطلقة الأولى لتجدُّد الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة. في ضوء ذلك يُطرح السؤال: ما الذي ينتظر القطاع في المستقبل المنظور في إثر عملية الاغتيال هذه ولكن ليس على خلفيتها فقط إنما أيضًا نتيجة وجود حالة يمكن توصيفها بانها مُعلّقة في ما يخص "اليوم التالي" في القطاع؟[1]   

إن محاولة الإجابة عن هذا السؤال تومئ قبل أي شيء إلى أن ما يسم الموقف الإسرائيلي عمومًا إزاء آخر التطورات في غزة هي الخيبة حيال ما آلت إليه الأمور في القطاع بالرغم من استمرار الحرب عليه منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.    

بسبب هذه الخيبة، التي توصف في علم النفس السلوكي بأنها الوجه الخفيّ لمعظم مساعي الإنسان في الحياة وقد تتحكّم بالمرء في كل خطواته لتحقيق رغباته، وتؤدي إلى قطع أواصر علاقته بالواقع، فإناحتمال استئناف إسرائيل الحرب على غزة ما زال قائمًا وبقوة، لكن المسألة تبدو مرتبطة بعوامل عدة متداخلة: المفاوضات، الحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية، الموقف الأميركي، وربط غزة بملفات إقليمية أوسع مثل إيران ولبنان.

وما بوسعنا أن نشير إليه هو ما يلي:

أولًا، تتحدث التقارير والتسريبات الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة بوضوح عن استعدادات عسكرية وخطط جاهزة للعودة إلى القتال إذا ما انهارت المفاوضات أو إذا لم يتحقق تقدم في ملف نزع سلاح حماس. وبحسب ما أكدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" اليوم (18/5/2026) فإن الجيش الإسرائيلي تلقى توجيهات من المؤسسة السياسية بالاستعداد لاستئناف الحرب على غزة، غير أن التقديرات السائدة في إسرائيل تشدّد على أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لن يصادق على استئناف الحرب ضد غزة قبل أن يتخذ قراره بشأن المسألة الإيرانية. وبحسب الصحيفة فإن التهديد بالحرب وإعلان الاستعداد لها يُستخدمان أيضًا كورقة ضغط تفاوضية، خصوصًا في ما يتعلق بنزع سلاح حماس، وترتيبات ما يوصف بأنه "اليوم التالي" في غزة المرتبط أكثر شيء بشكل الإدارة الأمنية والسياسية للقطاع.

ووفقًا لما يؤكده يوآف ليمور، المحلل العسكري لصحيفة "يسرائيل هيوم" (17/5/2026)، يستعد الجيش الإسرائيلي لاستئناف القتال في قطاع غزة على نطاق واسع منذ أشهر، وفي هذه الأثناء، يوسّع المناطق التي يسيطر عليها في الجهة الغربية من الحدود، والتي باتت تتجاوز 50 بالمائة من مساحة القطاع. كذلك تستعد حركة حماس للقتال، وخصوصًا من ناحية تجنيد المقاتلين والتزوّد بالسلاح. وفي الوقت الحالي تحرص الحركة، برأيه، على عدم منح إسرائيل ذريعة لفتح معركة جديدة، على الرغم من أنه من الصعب الرهان على أن ذلك لن يحدث خلال الأشهر المقبلة.

ومن المتوقع، في قراءة هذا المحلل العسكري، أن تواجه المنظومة الدولية، بقيادة الوسيط نيكولاي ملادينوف، مهمة شاقة لمنع تجدّد القتال.

في الإجمال العام، أكد ليمور أنه يمكن استخلاص عدد من الأمور من اغتيال الحداد، أولها الإصرار الإسرائيلي على مواصلة ملاحقة المسؤولين عما توصف بأنها "المجزرة الأكبر في تاريخ الدولة" في إشارة إلى أحداث 7 أكتوبر 2023، وبشكل خاص إذا كانوا ما زالوا "يشغلون أدوارًا مركزية في صفوف أعدائها"؛ الثاني هو قلّة الاهتمام التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إزاء غزة، التي كانت حتى قبل أشهر قليلة "مشروعه المفضل"؛ الثالث هو إصرار حماس على الاستمرار في التمسك بغزة سياسيًا وعسكريًا؛ الرابع هو غياب أيّ حل لقضية غزة، خلافًا لما وُعد به؛ الخامس، نتيجة لذلك، هو احتمال غير بعيد إطلاقًا لتجدّد القتال في القطاع على نطاق واسع.

ثانيًا، يمكن التقدير بأنه على الصعيد السياسي يؤدي وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو دورًا مهمًا. فهو يواجه ضغوطًا من اليمين المتطرّف الذي يرفض أي تسوية تُبقي حماس فاعلة في غزة، وفي الوقت نفسه يواجه مخاطر أن تؤدي حرب جديدة طويلة إلى تعميق الانتقادات الداخلية إذا لم تحقق نتائج واضحة. وترى تحليلات متطابقة أن نتنياهو يميل إلى استئناف الحرب لأسباب سياسية داخلية. وقد حذّر المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل، مثلًا، من أن الحكومة الإسرائيلية تُمهّد الرأي العام، بشكل تدريجي، لاحتمال استئناف الحرب على غزة، عبر الحديث المتكرر عن تعافي حركة حماس وعودة قوتها العسكرية. وهو يرى أن نتنياهو قد يعتبر استئناف الحرب وسيلة لتحسين موقعه السياسي قبل الانتخابات العامة القريبة ولمنع انهيار ائتلافه اليميني (17/5/2026).

ثالثًا، لا يغيب عن التحليلات الإسرائيلية كذلك عنصر التشكيك بجدوى العودة إلى حرب شاملة في غزة، بل إن بعضها يشدّد على أن الجيش الإسرائيلي قادر على تنفيذ عمليات واسعة، لكنه غير قادر على تحقيق الحسم الذي تتحدث عنه الحكومة. ويُشار في هذا الصدد إلى أن اغتيال الحداد يُعدّ بمثابة إنجاز عملياتي للجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك)، وشبيه بعمليات عديدة نفّذتها إسرائيل في الأعوام الأخيرة في كل ساحة قتال ممكنة، كما أنه من المؤكد أنه يشكل ضربة معنوية لحماس، لكنه بعيد جدًا عن أن يكون انتصارًا استراتيجيًا. فالتجربة الماضية، على ما يوضح يوآف ليمور، تُظهر أنه سيُعيَّن خليفة له بسرعة، وأن الحركة لن تغيّر طريقها. وما لم يتحقق خلال عامين من القتال العنيف، لن يتحقق عبر اغتيال إضافي، أو أقل، فلا يوجد هنا "نصر مطلق".

يتكرّر في تحليلات إسرائيلية عديدة الاستشهاد بما حدث في جباليا وخان يونس ورفح، على سبيل المثال، حيث دخل الجيش الإسرائيلي مرارًا إلى مناطق أعلن سابقًا أنه فكك بنية حماس فيها، ثم عاد إلى القتال فيها مرة أخرى. هذا دجّج نقاشًا داخل إسرائيل حول معنى النصر أصلًا، وحول ما إذا كانت الحرب تتحول إلى استنزاف طويل، من جهة. من جهة أخرى عزّز الشكوك العميقة حول ما إذا كانت الحرب الجديدة ستؤدي إلى نتائج مختلفة عن السابقة.

رابعًا، ثمة شبه إجماع في إسرائيل على أن ما سيحدث في قطاع غزة مرتبط أيضًا بالساحة الإقليمية الأوسع، وبالتالي فإن قرار الحرب على غزة لم يعد منفصلًا عن إيران وحزب الله والعلاقة مع الولايات المتحدة. وهناك قناعة لدى البعض بأن إدارة دونالد ترامب غير متحمسة بالضرورة لانفجار إقليمي مفتوح، وهذا يقيّد هامش المناورة الإسرائيلية.

مع ذلك لا بُد من أن نستعيد ما قاله السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي في ما يتعلق بقطاع غزة وحركة حماس، في مؤتمرٍ عُقد في جامعة تل أبيب يوم الثلاثاء الماضي، إذ أشار إلى أن ترامب لا يزال متمسكًا بموقفه بأن الحركة لن تحكم غزة. وأضاف أن مسألة نزع سلاح حماس هي فقط "مسألة وقت، ومَن سينفّذ ذلك"، مؤكدًا أن الحركة لن يكون لها أي دور حكومي في قطاع غزة. لكن عندما سُئل عن الجهة التي ستشرف على هذه العملية، أجاب السفير بأنه لا يعلم. في الوقت نفسه، أعرب عن شكوكه في قدرة القوة الدولية، التي يُفترض أن تدخل إلى غزة، بحسب خطة ترامب، على تنفيذ المهمة. وقال إن مهمة هذه القوة ليست نزع سلاح حماس، بل "مراقبة الحدود". وأشار إلى أن "الجهة الوحيدة التي ستكون مستعدة لتولّي هذه المهمة هي الجيش الإسرائيلي" ("هآرتس"، 12/5/2026).

خامسًا، غداة أقوال السفير الأميركي في إسرائيل، أشار تقرير في صحيفة "يسرائيل هيوم" (13/5/2026) إلى أنه بعد مرور نصف عام على انتهاء الموعد النهائي لنزع سلاح حماس، تقوم إسرائيل بتغيير شكل المعركة في قطاع غزة. ونقل التقرير عن دبلوماسي غربي رفيع المستوى قوله إن إسرائيل وسّعت نطاق سيطرتها في القطاع بشكل كبير خلال الأسابيع الأخيرة، وأن الجيش الإسرائيلي يسيطر الآن على 64 بالمائة من مساحة القطاع، وخط الحدود الجديد الذي تمركزت قوات الجيش الإسرائيلي على امتداده، والذي أطلق عليه اسم "الخط البرتقالي"، يحلّ محلّ "الخط الأصفر" الأصغر، ويضيف إلى المناطق الأمنية الإسرائيلية 34 كيلومترًا مربعًا، أي نحو 11 بالمائة من إجمالي مساحة القطاع. وأكد الدبلوماسي الغربي نفسه أن هذه الخطوة نُفّذت بعلم "مجلس السلام" وموافقته، بعد أن تبيّن أن حماس "انتهكت التزاماتها ولم تلتزم الجداول الزمنية لتفكيك سلاحها". وأضاف المصدر الغربي: "لا أحد يغفل عمّا يجري هنا"، مضيفًا أنه "سيتم اتخاذ خطوات إضافية كلما واصلت حماس خرق التفاهمات".

وعلى الأرض، فإن الانتقال إلى "الخط البرتقالي" ليس مجرد تصريح سياسي، كما تنوّه الصحيفة، إذ أفادت مصادر فلسطينية بوجود أعمال هندسية مكثفة لتسوية البنى التحتية على طول مسار الخط الجديد، وهي خطوة تؤدي إلى تقليص كبير في مساحة سيطرة حماس. وبحسب التقديرات، فإن الأمر يتعلق بترسيخ واقع أمني جديد من شأنه عرقلة إعادة إعمار القطاع ما دامت حماس تحتفظ بسيادتها في المناطق التي لا تزال تحت سيطرتها.

وفي السياق نفسه، أكد مسؤول أميركي لصحيفة "يسرائيل هَيوم" وجود "الخط البرتقالي"، لكنه أوضح أنه لم يُعلن ذلك رسميًا. وقال إن الخط نشأ نتيجة تطورات عملياتية على الأرض، وإنه يرسم فعليًا "منطقة عازلة" بين المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي وتلك التي تسيطر عليها حماس. وشدد المسؤول على أن الأمر لا يُعتبر خطوة عقابية ضد الحركة، لكنه أقرّ أن حماس فقدت عمليًا مزيدًا من الأراضي.

في الوقت نفسه، أكد مصدر أمني إسرائيلي أيضًا هذه التفاصيل، موضحًا أن الخط البرتقالي يُستخدم كأداة للتنسيق مع المجتمع الدولي. وفي إطار الجهود الرامية إلى الحفاظ على سلامة العاملين في المنظمات الإنسانية، جرى تحديد المناطق القريبة من الخط التي تتطلب تنسيقًا خاصًا من أجل الحركة فيها. ويتم تحديث هذه الحدود وفقًا لتقييم الوضع.

في إجمال الصحيفة الإسرائيلية، جاء الانتقال إلى "الخط البرتقالي" بعد وصول المفاوضات السياسية إلى طريق مسدودة. وحسبما نُشر قبل ذلك، بدأت إدارة ترامب تبحث عن "أفكار من خارج الصندوق" للتعامل مع رفض حماس نزع سلاحها، مع الإدراك أن الخطط السابقة لنقل السيطرة إلى "لجنة التكنوقراط" الفلسطينية غير قابلة للتطبيق في هذه المرحلة. وبينما أبدت واشنطن في البداية اهتمامًا كبيرًا بكل تفصيل عملياتي، يبدو الآن كأن الإدارة الأميركية لا تعارض توسيع المناطق الأمنية التابعة للجيش الإسرائيلي، باعتبار ذلك "ردًا مباشرًا على خروقات حماس".

في موازاة ذلك، بدأت القيادة الدولية في كريات غات بإجراء تعديلات على مهماتها الجديدة. ففي حين كانت القيادة تركز سابقًا على مراقبة تدفّق المساعدات، ووقف إطلاق النار، يُتوقع الآن أن تدعم التغييرات في السيطرة على الأرض. وتشير هذه الخطوة إلى ابتعاد إسرائيل عن تصريحات "النصر المطلق"، والانتقال إلى استراتيجية فرض الوقائع على الأرض، والتي تعمّق السيطرة الإسرائيلية كل يوم تحتفظ فيه حماس بقوتها العسكرية.

في سياق متصل، أقرّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في إطار الكلمة التي ألقاها في جلسة عُقدت في "يشيفات مركز هراف" في القدس خلال احتفال بذكرى مرور 59 عامًا على توحيد المدينة، بأن إسرائيل وسّعت المساحة التي تسيطر عليها في قطاع غزة من 53 بالمائة إلى 60 بالمائة، وذلك خلافًا لاتفاق وقف إطلاق النار ("هآرتس"، 15/5/2026). ومما قاله نتنياهو: "لقد أظهرنا للعالم في الأعوام الأخيرة أيّ قوة هائلة تكمن في شعبنا، في دولتنا، في جيشنا، وفي تراثنا. نهضنا مثل لبؤة وزأرنا كأسد. وأعظم ما قمنا به هو كسر حاجز الخوف. أعدنا جميع مخطوفينا إلى البلد حتى آخر واحد. اليوم، نحن نسيطر على 60 بالمائة من القطاع". وشدّد على أن الحرب لم تنته بعد!

 

 

[1] تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع تنفذه (Expertise France) بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف (Expertise France) أو الاتحاد الأوروبي.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات