ينشغل الرأي العام داخل إسرائيل وخارجها باستطلاعات الرأي العام السياسية، خاصة قبل الانتخابات أو في لحظات الأحداث المهمة؛ لأن هذه الاستطلاعات تقدم أرقامًا تتحول إلى مادة للتحليل السياسي والتوقعات المستقبلية حول قوة الأحزاب واتجاهات الناخبين وفرص تشكيل الحكومة وموازين الصعود والتراجع داخل المعسكرات.
وقد شكّلت انتخابات الكنيست العام 2015 واحدة من الحالات البارزة التي كشفت حدود استطلاعات الرأي العام في إسرائيل. فقد أظهرت الاستطلاعات المنشورة قبل الاقتراع تقدّم "المعسكر الصهيوني" على الليكود. غير أن النتائج الفعلية منحت الليكود فوزًا واضحًا، إذ حصل على 30 مقعدًا في مقابل 24 لـ"المعسكر الصهيوني"، الأمر الذي يفتح نقاشًا واسعًا في الإعلام الإسرائيلي حول إخفاق شركات الاستطلاع وتأثير التصويت المتأخر وانتقال أصوات من حزب إلى آخر في اللحظات الأخيرة.
تتناول هذه المساهمة تنظيم استطلاعات الرأي العام خلال فترة الانتخابات في القانون الإسرائيلي، وتعرض أبرز أنواع الاستطلاعات المستخدمة في إسرائيل، وكيف يتقدّم الاعتبار الأيديولوجي على المنهجية والدقة في إنتاج نتائج الاستطلاعات وعرضها. وتستند المساهمة إلى أمثلة تكشف طرق توظيف الاستطلاعات في صناعة الانطباع السياسي وتوجيه النقاش العام وإعادة تشكيل صورة القوة والضعف بين الأحزاب.
هل ينظم القانون الاستطلاعات؟
ينظم القانون الإسرائيلي استطلاعات الرأي العام الانتخابية من زاوية الشفافية والإفصاح. إذ أن المادة 16هـ من قانون الانتخابات وطرق الدعاية، للعام 1959، تعرف "استطلاع الانتخابات" بأنه الاستطلاع الذي يجرى خلال فترة الانتخابات ويفحص أنماط تصويت الناخبين أو موضوعات مرتبطة مباشرة بمن يخوضون الانتخابات. وتلزم المادة القانونية كل من يبث أو ينشر نتائج استطلاع انتخابي بذكر اسم الجهة التي طلبت الاستطلاع، واسم الجهة التي أجرته، وتاريخ تنفيذه، والفئة التي أخذت منها العينة، وعدد من طُلب منهم المشاركة، وعدد المشاركين فعليًا، وهامش الخطأ في النتائج.
وتضيف المادة القانونية قيودًا أخرى على النشر، إذ تلزم من ينشر الاستطلاع بعرض الأسئلة التي طُرحت على المستطلعين، وتفرض على الجهة التي تجري استطلاعًا معدًا للنشر إرسال نسخة من النتائج والمنهجية إلى لجنة الانتخابات المركزية، بما يشمل طريقة أخذ العينة، حجمها الأولي، الفئات التي شملتها، تواريخ المقابلات وساعاتها، ونسبة الرافضين أو غير الملائمين للمشاركة.
في السياق نفسه، يشدد مجلس الصحافة والإعلام الإسرائيلي على أن نشر استطلاعات الانتخابات يفرض واجبًا خاصًا من الشفافية لا سيما في فترة الحملات الانتخابية؛ لأن هذه الاستطلاعات تؤثر في تشكيل الرأي العام والمسار الديمقراطي. ويرى أن إخفاء العلاقة الملكية أو التجارية بين وسيلة الإعلام التي تنشر الاستطلاع والجهة التي تنتج بياناته قد يمس بثقة الجمهور ويتعارض مع قواعد الإفصاح المهني التي تلزم وسائل الإعلام بالكشف عن أي مصلحة مباشرة لها أو لمالكيها. لذلك، لا يكفي نشر الأرقام وحدها إذ يجب أن يعرف الجمهور بوضوح من يقف وراء الاستطلاع ومن موّله ومن أنتج معطياته حتى يستطيع تقييم نتائجه وسياقه الحقيقي.
أنواع استطلاعات الرأي العام
ثمة أنواع متعددة من استطلاعات الرأي العام، ولكل نوع هدفه وجمهوره المتلقي وشريحته المستهدفة وطريقته الخاصة في التأثير أو التحايل. تشرح صحيفة "غلوبس" في تقريرها المنشور بتاريخ 16 آذار 2018، كيف تتحول بعض الاستطلاعات من أداة لقياس الرأي العام إلى أداة لصناعة الانطباع السياسي. وتعرض الصحيفة الفروق بين هذه الأنواع من حيث الجهة التي تطلب الاستطلاع، وطريقة صياغة الأسئلة، وآلية نشر النتائج، والغاية السياسية من استخدامها، وهي على النحو التالي:
أولًا، استطلاعات الإعلام: هذه الاستطلاعات تنشرها الصحف والقنوات للجمهور، وتظهر غالبًا كقياس مهني لقوة الأحزاب وعدد المقاعد. وقد يعمل معهد الاستطلاع أحيانًا مع وسيلة إعلام ومع حزب سياسي في الوقت نفسه، حيث يدفع الحزب للمعهد بينما تنشر وسيلة الإعلام النتيجة للجمهور. هنا يستطيع السياسي أن يضغط على صاحب الاستطلاع كي يميل بالنتيجة قليلًا لمصلحته، خاصة داخل هامش الخطأ الإحصائي. والهدف منها يتمثل في تحسين صورة الحزب في الإعلام وخلق انطباع بأنه أقوى أو أكثر استقرارًا.
ثانيًا، استطلاعات الأحزاب الداخلية: هذه الاستطلاعات يطلبها الحزب أو المرشح لنفسه؛ بهدف معرفة وضعه الحقيقي في الشارع وحجم قوته ونقاط ضعفه وموقع خصومه. وقد يتحول هذا النوع من أداة معرفة داخلية إلى أداة إدارة سياسية؛ حيث يستخدم الحزب النتائج التي تخدمه ويتجاهل النتائج التي تضعفه. والهدف منها يتمثل في إدارة الحملة الانتخابية واختبار الرسائل ومعرفة اتجاه الجمهور ورفع معنويات النشطاء والمؤيدين.
ثالثًا، الاستطلاعات الداخلية الموجهة للتسريب: هذه الاستطلاعات يجريها الحزب وهو يعرف أن نتائجها ستخرج إلى الإعلام أو إلى الجمهور أو إلى الخصوم. هنا يظهر الاستطلاع كأداة دعائية. وتكمن الخدعة في أن الحزب يختار النتائج التي تريحه فقط ويترك النتائج السيئة داخل الأدراج. والهدف منها يتمثل في صناعة صورة قوة حول المرشح وجذب المترددين وإرباك الخصوم.
رابعًا، استطلاعات الأسئلة التمهيدية: هذه الاستطلاعات تبدأ بأسئلة تمهّد للمستطلَع قبل أن يصل إلى سؤال التصويت، وفي هذا المقام يشرح أحد المستشارين لـ غلوبس أنه يمكن أخذ رسائل الحزب وتحويلها إلى أسئلة، ثم توجيه المستطلَع ضد الخصوم، وبعد ذلك سؤاله: لمن ستصوّت؟ تكمن الخدعة هنا في أن المستطلَع يصل إلى السؤال الأخير وقد تأثر بالأسئلة السابقة. ويتمثل الهدف منها في دفعه نحو إجابة تخدم الحزب من دون الحاجة إلى تزوير الرقم النهائي.
خامسًا، استطلاعات الأحزاب الصغيرة والانتخابات البلدية: تجري هذه الاستطلاعات داخل حزب صغير، أو في انتخابات محلية أو داخل جمهور محدود نسبيًا. وهنا قد يزوّد المرشح معهد الاستطلاع بقائمة ناخبين ناقصة بعد حذف جزء من مؤيدي الخصم. في هذه الحالة لا يحتاج المعهد إلى تزوير النتيجة؛ لأن العينة نفسها جرى التلاعب بها قبل بدء الاستطلاع. والهدف منها يتمثل في إظهار مرشح معين قويًا أو فائزًا وإضعاف خصمه داخل جمهور محدود.
سادسًا، سؤال الأومنبيبوس: هذا ليس استطلاعًا كاملًا، وإنما سؤال واحد يشتريه حزب أو سياسي داخل استطلاع عام قائم. حيث يستخدم السياسي هذا النوع عندما يريد صناعة عنوان سريع بتكلفة منخفضة. تكمن الخدعة في صياغة السؤال بطريقة تقود الجمهور إلى إجابة محددة، ثم تحويل النتيجة إلى عنوان إعلامي يخدم الحملة.
سابعًا، استطلاعات المقاعد: تقيس هذه الاستطلاعات عدد المقاعد المتوقع لكل حزب، وهي الأكثر جذبًا للإعلام لأنها تقدم السياسة كسباق يومي بين صعود وهبوط. تكمن المشكلة فيها في أن نشر الرقم لا يصف الواقع فقط، وإنما قد يؤثر فيه. فإذا ظهر حزب قويًا، قد يجذب مترددين. وإذا ظهر حزب قريبًا من نسبة الحسم، قد يبتعد عنه ناخبون خوفًا من ضياع أصواتهم. والهدف منها يتمثل في ترتيب صورة القوة والضعف بين الأحزاب، والتأثير في التصويت الاستراتيجي.
ثامنًا، استطلاعات العمق: لا تكتفي هذه الاستطلاعات بعدّ المقاعد، وإنما تبحث في مواقف الجمهور، ومشاعره، والكلمات التي تقنعه، والرسائل التي تؤثر فيه. لا تعرضها "غلوبس" كخدعة مباشرة، لكنها تبيّن أهميتها كأداة عمل للحملات الانتخابية. والهدف منها يتمثل في بناء خطاب انتخابي مؤثر واختيار الرسائل والكلمات المناسبة قبل إنفاق الأموال على الدعاية.
تاسعًا، عينات ليلة الانتخابات: هذه العينات تنشرها القنوات التلفزيونية عند إغلاق صناديق الاقتراع. ولا تعرض هذا النوع كخدعة مباشرة، لكنها تربط بضغط كبير بين القنوات والمعاهد، وبمحاولات معرفة اتجاه النتائج لدى المنافسين قبل النشر. والهدف منها يتمثل في تشكيل الانطباع الأول عن الفائز والخاسر ليلة الانتخابات قبل صدور النتائج الرسمية.
معاهد وشركات استطلاع الرأي العام في إسرائيل
تشكّل معاهد وشركات استطلاع الرأي العام في إسرائيل جزءًا أساسيًا من صناعة المزاج السياسي، إذ تعمل جهات بارزة منها لصالح قنوات ووسائل إعلام محددة وفق ما تنشره هذه الوسائل، بما يجعل الاستطلاع أداة لقياس اتجاهات الجمهور والتأثير في النقاش الانتخابي والإعلامي، ومن أهمها:
1. معهد (Kantar / كنتار)، وهي شركة أبحاث بيانات واستطلاعات دولية تعمل في إسرائيل، كما أنها الجهة التي تجري بعض استطلاعات الرأي العام المنشورة في هيئة البث الإسرائيلية "كان". ولا يقتصر عملها على الاستطلاعات السياسية إذ تنشط أيضًا في أبحاث السوق وقياس الجمهور وتحليل سلوك المستهلكين والإعلام والعلامات التجارية.
2. معهد مدغام للأبحاث والاستشارات: من أبرز معاهد أبحاث السوق واستطلاعات الرأي العام في إسرائيل. تأسس العام 1988 على يد مانو غيفع ويشغل منصب مديره العام. يعمل المعهد في الأبحاث الكمية والنوعية، وأبحاث السوق والرأي العام، ويبرز حضوره في المجال الإعلامي والسياسي من خلال إجراء استطلاعات انتخابية وسياسية خصوصًا لصالح القناة 12 وغالبًا بالتعاون مع منصة آي بانل.
3. كميل فوكس: هو بروفسور في الإحصاء ومستطلع الرأي في أخبار 13، رافق القناة مهنيًا لنحو عشرين عامًا في إعداد استطلاعات الرأي العام والعينات الانتخابية، وتوفي العام 2024.
4. معهد بانلز بوليتيكس: شركة ومعهد إسرائيلي لأبحاث السوق واستطلاعات الرأي العام السياسية، تأسست العام 2006. يتركز عملها في قياس اتجاهات التصويت، وتقدير توزيع المقاعد، ورصد مواقف الجمهور من القضايا السياسية. وترتبط استطلاعاتها غالبًا باسم مناحيم لَزار، كما يبرز حضورها في الاستطلاعات المنشورة لصالح صحيفة "معاريف" و"معاريف نهاية الأسبوع".
5. دايركت بولس: شركة استطلاعات إسرائيلية ارتبط اسمها بمالكها شلومو فيلبر. برز حضورها خصوصًا في استطلاعات القناة 14، وتُعد من الجهات المثيرة للجدل بسبب قربها من البيئة الإعلامية والسياسية المؤيدة لنتنياهو. وقد تعرضت لانتقادات مهنية العام 2024، إذ بيّن فحص مجلة "العين السابعة" أنها أخطأت في 14 مدينة من أصل 40، رغم تسويقها النتائج بوصفها نجاحًا تجاوز 90%.
6. معهد ستات نت: هو معهد أبحاث متخصص في المجتمع العربي داخل إسرائيل، وفي المجتمع العربي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. أسسه يوسف مقلدة، ويُعرف بوصفه مستطلع أخبار 13 لشؤون المجتمع العربي منذ سنوات.
تبرز أسماء إضافية في سوق استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي، منها معهد رافي سميث الذي يظهر في استطلاعات الرأي العامة والبحثية، ومأغار موحوت المرتبط بالبروفيسور يتسحاق كاتس، إضافة إلى جيوكارتوغرافيا الذي يعمل في الاستطلاعات المحلية والسياسية وأبحاث السوق، وشركة شيلوف التي تعد من شركات البحث التجاري والرأي العام القديمة، مع أنها أقل حضورًا في استطلاعات المقاعد اليومية مقارنة بالمعاهد المرتبطة مباشرة بالقنوات الإخبارية والسياسة الحزبية، واستطلاعات الرأي العام التي تجريها معاهد الأبحاث مثل معهد دراسات الأمن القومي.
من الجدير ذكره، أن إسرائيل لا تملك مركزًا حكوميًا أو تابعًا للكنيست متخصصًا بإنتاج استطلاعات الرأي العام السياسية والانتخابية الدورية، فاستطلاعات المقاعد والرأي السياسي تنفذها غالبًا شركات ومعاهد خاصة تعمل مع القنوات والصحف.
الأيديولوجيا بدلًا من المنهجية
يرى عيدو ليبرمان في مقال نشره موقع "كالكاليست" أن أزمة استطلاعات الرأي العام في إسرائيل تجاوزت مسألة هامش الخطأ الإحصائي والإخفاق العابر في التنبؤ بالنتائج ووصلت إلى وظيفة الاستطلاع نفسها. فقد صار ما وصفه بـ"طوفان الاستطلاعات" حول الحرب وصفقات التبادل والانتخابات جزءًا من عرض إعلامي يومي ينتحل صفة البحث، وينتج أرقامًا متناقضة بين منصة وأخرى، بما يضع الجمهور أمام أداة تعيد تشكيل الواقع داخل خطاب سياسي مستقطب أكثر مما تقيسه.
تتمثل المشكلة المركزية - وفق ليبرمان - في إزاحة المنهجية لمصلحة الأيديولوجيا. فصياغة الأسئلة وتمثيل العينة وطريقة الوصول إلى المستطلعين وتحويل النسب إلى مقاعد كلها مراحل تتأثر بالبيئة السياسية والثقافية لصاحب الاستطلاع وبهوية المنصة التي تنشر النتائج. لذلك، تتحول الاستطلاعات حين تخضع لمنطق الإعلام المعسكراتي والمصالح السياسية والاقتصادية من مرآة للواقع إلى ستار دخاني يحجب الواقع ويخدم صناعة الانطباع العام.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع "العين السابعة"، وكشف فيه كيف حوّلت القناة 14 وشركة الاستطلاعات (دايركت بولس / Direct Polls) التابعة لـ "شلومو فيلبر" - شاهد الدولة السابق في الملف 4000 والمقرب من نتنياهو- فشل عينة الانتخابات المحلية العام 2024 إلى رواية نجاح. فقد ادعت القناة والشركة أن العينة حققت دقة تفوق 90% بينما أظهر الفحص أنها أخطأت بصورة دراماتيكية في 14 مدينة من أصل 40 أي في نحو 35% من المدن التي شملتها. وشملت الأخطاء تحديد هوية الفائز وتقدير الفوارق بين المرشحين، ومعرفة الصاعدين إلى الجولة الثانية.
تكشف هذه الحالة عن أن المشكلة لم تقف عند خطأ إحصائي محدود، فقد أعادت الشركة والقناة تعريف معيار النجاح نفسه واحتسبتا انحرافات كبيرة ضمن الدقة ووسّعتا هامش الخطأ عمليًا إلى حدود مريحة دعائيًا. هكذا يتحول الاستطلاع من أداة يفترض أن تقيس الواقع إلى أداة لتسويق صورة سياسية وإعلامية تخفي حجم الإخفاق المهني وتمنح الانحياز مظهرًا إحصائيًا قابلًا للتداول.
في السياق ذاته يكشف تقرير لصحيفة "هآرتس" أن القناة 14 أنشأت شركة استطلاعات باسم Next Data، ثم نشرت استطلاعاتها الانتخابية من دون أن توضح للجمهور أن الشركة مرتبطة بمالكي القناة، كما أن شلومو فيلبر حلّل هذه الاستطلاعات على شاشة القناة وهو يعمل مستشارًا في الشركة نفسها.
مثال آخر ظهر العام 2022 حين انتقد موقع "العين السابعة" طريقة عرض صحيفة "غلوبس" لاستطلاع حول ثقة الجمهور بمنظومة القضاء والشرطة والنيابة العامة. فقد اختارت "غلوبس" عنوانًا يقول إن 46% لا يثقون بهذه المؤسسات، بينما جاء سؤال الاستطلاع بصيغة مختلفة، إذ سأل الجمهور عن المؤسسة التي تحظى بأعلى درجة من الثقة بين مؤسسات القانون. وبهذا، حوّلت الصحيفة سؤالًا عن الثقة النسبية إلى عنوان يوحي بانهيار شامل للثقة وأبرزت المعطيات التي تخدم هذا الانطباع وأهملت معطيات أخرى أظهرت أن 53% من الجمهور يملكون ثقة متوسطة إلى عالية بمنظومة القضاء. وهذا دليل على قدرة العنوان وطريقة عرض الرسم البياني على تحويل الاستطلاع من أداة تفسير إلى أداة هندسة للوعي العام.
نتائج وفجوات
في انتخابات الكنيست العام 2015، قدّمت استطلاعات الرأي العام صورة تتمثل بتقدّم "المعسكر الصهيوني" على الليكود، إذ منحت "المعسكر الصهيوني" 26 مقعدًا مقابل 22 مقعدًا لليكود. جاءت النتيجة الحقيقية بصورة مختلفة، فقد حصل الليكود على 30 مقعدًا، وحصل "المعسكر الصهيوني" على 24 مقعدًا. تكشف هذه الحالة فجوة كبيرة في قراءة قوة الليكود إذ زاد رصيده الفعلي 8 مقاعد عن تقدير الاستطلاع وتحول من حزب بدا متأخرًا في التقديرات إلى الحزب الفائز بوضوح في النتائج النهائية.
في انتخابات الكنيست العام 2021، أظهر استطلاع "يسرائيل هيوم" الذي أجراه "مأغار موحوت"، صعوبة في تقدير قوة الأحزاب المتوسطة والصغيرة. فقد منح الاستطلاع الليكود 29 مقعدًا وجاءت النتيجة الحقيقية 30 مقعدًا، ومنح حزب "يوجد مستقبل" 18 مقعدًا وجاءت النتيجة الحقيقية 17 مقعدًا. ظهرت الفجوة الأوضح في أحزاب مثل "يمينا" إذ منحه الاستطلاع 10 مقاعد وحصل فعليًا على 7، و"أمل جديد" الذي حصل في الاستطلاع على 10 مقاعد وانتهت فعليًا إلى 6، و"أبيض أزرق" الذي قُدّر بـ 4 مقاعد وحصل فعليًا على 8. كما أبقى الاستطلاع حزب القائمة العربية الموحدة خارج الكنيست في حين حصل في النتيجة النهائية على 4 مقاعد.
في انتخابات الكنيست العام 2022، منح استطلاع القناة 12 الأخير، معسكر نتنياهو 60 مقعدًا إلا أن النتائج الرسمية منحت معسكر نتنياهو 64 مقعدًا. ويبرز حزب ميرتس بوصفه الحالة الأهم في هذا السياق، فقد منحه الاستطلاع 5 مقاعد؛ لكن النتائج الرسمية لم تمنحه القدرة على تجاوز نسبة الحسم بعد حصوله على 3.16% من أصوات الناخبين فقط.