المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 9
  • وليد حباس

تمارس إسرائيل التطهير العرقي بشكل مستمر منذ النكبة العام 1948، وخلال الحرب الحالية يتمظهر التطهير العرقي بشكل واضح ومعلن، سواء من قبل السياسة الرسمية للحكومة أو سياسة المستوطنين الميدانية، في ثلاث مناطق رئيسية هي: جنوب الخليل، والأغوار، والنقب. في ظل الصعود المستمر لأجندة "الصهيونية الدينية" داخل السياسة الرسمية في إسرائيل، يبدو أن التطهير العرقي عاد ليشكل مكونًا رئيسًا في علاقة إسرائيل مع الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر

ما هو التطهير العرقي؟

التطهير العرقي هو عملية منظمة ومقصودة لإخراج مجموعة بشرية من مكان معيّن بسبب أصلها القومي، أو الإثني، أو الديني، بهدف جعل المكان "متجانسًا" لصالح مجموعة أخرى في صراع معها. ويعتبر التطهير العرقي جزءًا ملازمًا لطريقة اشتغال الاستعمار الاستيطاني وإحدى أدواته لحل "مشكلة الأصلانية"، إلى جانب أدوات أخرى. في العصر الحديث، استخدم مصطلح "تطهير عرقي" لوصف ممارسات تخصّصت بها الصراعات الوطنية في البلقان وأُعيدت صياغته سياسيًا وقانونيًا في نهاية القرن العشرين.

ولا بد من التوضيح أن التطهير العرقي لا يجب أن يفهم باعتباره مجرد تحويل قسري للتركيبة السكانية في منطقة وحسب؛ فهذا المنطق التبسيطي يتجاهل الأبعاد المتعددة للتطهير، وأهمها: البعد الوطني- السياسي، لأن التطهير يترافق مع سياسات تهدف إلى تغيير التوازن الديمغرافي لصالح سيادة سياسية أو ذرائع أمنية لمجموعة معينة؛ لذلك يكون التطهير وسيلة لإرساء واقع سياسي جديد على الأرض. ثانيًا، البُعد الاجتماعي، إذ أن التطهير العرقي يعني أيضًا تفكيك شبكات الحياة اليومية، تفتت الأسر، فقدان مجتمعات محلية، وزيادة التشتيت. ثالثا، البُعد الثقافي لأن التطهير يشمل إزالة آثار حضور المجموعة المطهَّرة مثل المعالم الدينية، اللغة في الأماكن العامة، التراث المادي والمعنوي، ما يؤدي إلى مسخ الذاكرة الجماعية وطمس هوية ثقافية. وأخيرًا، وفي ما يخص البعد الاقتصادي، يتضمن التطهير العرقي نهب الممتلكات، ومصادرة الأراضي، وإفقار المجتمعات المطرودة وحرمانها من سبل العيش. 

  1. التطهير العرقي في جنوب الخليل

بين عامي 2024 و2026، بقيت مسافر يطا واحدة من أوضح حالات التهجير القسري في الضفة الغربية. واصلت السلطات الإسرائيلية استخدام التصنيف العسكري للمنطقة، والمعروفة بـ"منطقة إطلاق النار 918" لتبرير عمليات الهدم، والضغط من أجل الإخلاء، ورفض مخططات البناء الفلسطينية، في حين كرر المستوطنون اعتداءاتهم على السكان وممتلكاتهم. صُنفت معظم مسافر يطا منطقة عسكرية مغلقة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وإن هذا التصنيف ما زال يمنع إصدار تراخيص البناء ويعرض 14 تجمعا رعويًا للخطر، تضم أكثر من 6200 فلسطيني يعيشون داخل مناطق إطلاق النار في الضفة الغربية والمهددين بالتطهير العرقي. 

في العام 2025، أفادت منظمة "أطباء بلا حدود" أن أكثر من 85% من المنازل في خلة الضبع هدمت منذ شباط 2025، ولم يبق سوى المدرسة وثلاثة منازل، ما دفع العائلات إلى السكن داخل الكهوف. وفي منتصف العام 2025، تحدثت تقارير أيضًا عن أمر جديد صادر عن الإدارة المدنية الإسرائيلية يسمح بإجراء تدريبات عسكرية في المنطقة ويرفض جميع مخططات البناء المحلية، وهو ما اعتبره السكان والنشطاء تمهيدًا إداريًا لعملية طرد جماعي. وما زالت هذه العملية مستمرة لأن أوامر الهدم، وجلسات المحاكم، وتصنيفات المناطق العسكرية المغلقة، وترهيب المستوطنين، تعمل مجتمعة على جعل الحياة اليومية مستحيلة وهشة قانونيًا.

  1. التطهير العرقي في الأغوار

واجهت التجمعات البدوية في الأغوار نمطًا متسارعًا من التهجير بين عامي 2024 و2026 عبر عنف المستوطنين الإسرائيليين، وتوسيع البؤر الاستيطانية، وأوامر الهدم، وفرض القيود على الوصول إلى الأراضي والمراعي. وبحسب أحدث المعطيات المتاحة، تعرض ما لا يقل عن 4000 فلسطيني إلى التهجير نتيجة إرهاب المستوطنين في أنحاء الضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. 

وتشير المعطيات المؤكدة إلى أن ستة تجمعات كاملة في شمال الأغوار، تضم 112 عائلة، تعرضت للتهجير القسري منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ضمن ظروف مشابهة قائمة على عنف المستوطنين، وتوسيع البؤر الاستيطانية، وفرض القيود على الوصول إلى الأراضي والمراعي. وتعد حالة رأس عين العوجا من أبرز حالات التهجير الجماعي، إذ شهدت المنطقة تهجير نحو 600 فلسطيني خلال كانون الثاني 2026 وحده، في أكبر عملية تهجير لتجمع واحد في الأغوار خلال السنوات الثلاث الأخيرة. كما أفادت مجموعة حقوقية فلسطينية خلال العام 2026 بأن 214 عائلة بدوية وزراعية تعرضت للتهجير من المناطق المصنفة "ج" منذ بداية العام، في ظل تصاعد هجمات المستوطنين والضغوط المتواصلة على التجمعات الفلسطينية الريفية والرعوية. ولا تزال عملية التهجير مستمرة لأن البيئة القسرية التي تدفع السكان إلى الرحيل تتغذى من البؤر الاستيطانية، وعنف المستوطنين، ورفض التراخيص، والضغط المتكرر على السكان لمغادرة مناطقهم.

  1. التطهير العرقي في النقب

تشهد القرى العربية البدوية في النقب تصعيدًا غير مسبوق في سياسات الهدم والتهجير، ضمن مشروع إسرائيلي يستهدف إعادة تشكيل الحيز الديمغرافي والجغرافي في المنطقة عبر أدوات يمكن توصيفها كتطهير عرقي. في تشرين الثاني 2025، أطلقت سلطة أراضي إسرائيل عملية "صقر الجنوب 3"، التي شملت توزيع مئات أوامر الهدم على القرى البدوية، بمرافقة قوات كبيرة من الشرطة وتصريحات تحريضية من وزراء في الحكومة الإسرائيلية. لم تعد السياسة تقتصر على هدم منازل فردية، بل امتدت إلى إزالة قرى كاملة مثل قرية أبو عصا في وادي سعير، التي كانت تضم أكثر من 50 عائلة ونحو 400 نسمة، بينما تلقى سكان قرية البقيعة أوامر إخلاء كامل حتى حزيران 2026. يعيش في القرى غير المعترف بها ما بين 130 إلى 140 ألف فلسطيني بدوي، رغم أن البدو يشكلون نحو 37-38% من سكان النقب، فإنهم يقيمون على نحو 3% فقط من مساحة المنطقة. تقوم الخطة على تجميع سكان عشرات القرى في أربعة تجمعات بدوية مكتظة تفتقر إلى البنية التحتية، بالتوازي مع خطط لإقامة بلدات يهودية جديدة مكان القرى المهدمة، خاصة على امتداد شارع 25، بما يعكس سياسة إحلال سكاني منظمة تستهدف تقليص الوجود الفلسطيني في النقب وإعادة هندسة المجال لصالح التوسع اليهودي.

ولا بد من التنويه، وبحذر، أن نمط التهجير الواسع داخل قطاع غزة (حوالي 1.8 مليون) أو جنوب لبنان (حوالي مليون لبناني)، يختلف في طبيعته عن حالات التطهير العرقي. ففي غزة، أدى الدمار الهائل للمنازل والبنية التحتية خلال الحرب إلى تهجير معظم السكان داخليًا مرات عدة، في ظل تدمير مئات آلاف الوحدات السكنية وتحول مساحات واسعة إلى مناطق غير قابلة للحياة، أما في جنوب لبنان، فقد تسببت الحرب وعمليات القصف الواسعة بتهجير مئات آلاف المدنيين من القرى الحدودية التي يتم هدمها، ومن أحياء داخل بيروت. مع ذلك، تظل هذه الحالات مختلفة عن التطهير العرقي، لأن الهدف (على الأقل المعلن) لا يقوم، على إحلال سكان يهود مكان السكان المهجرين أو إنشاء مشروع استيطاني دائم فوق أراضيهم كما هي المخططات في الحالات المذكورة أعلاه.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات