المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 12
  • أنطوان شلحت

تشير تقارير إسرائيلية متطابقة في الأيام القليلة الماضية إلى أن الاستعدادات التي تقوم بها إسرائيل في ما يتعلق بالساحة اللبنانية على خلفية احتمال اندلاع حرب مع إيران، تنطلق من فرضية مركزية فحواها أن أي مواجهة مباشرة مع إيران ستمرّ عبر حزب الله في لبنان، باعتباره الذراع الأهم لطهران في منطقة حدودها الشمالية. لذلك تجري هذه الاستعدادات على ثلاثة محاور: عسكري ودفاعي وسياسي.

وما يمكن استقطاره من هذه التقارير حتى الآن هو ما يلي:

أولاً، كثّف الجيش الإسرائيلي غاراته على لبنان في الأيام الأخيرة. واستهدفت الغارات منصّات إطلاق صواريخ، ومستودعات أسلحة، وعناصر تابعة لحزب الله. ووفقاً لما تؤكد عليه مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة المستوى، تأتي هذه الخطوة بهدف تحييد قدرات حزب الله التي قد يستخدمها في حال قرّر الانضمام إلى مواجهة محتملة والوقوف إلى جانب إيران.

ويجري التشديد في هذا الشأن على أن إسرائيل تقوم تباعاً بتحديث بنك الأهداف في لبنان، مع تركيز خاص على مشروع الصواريخ الدقيقة، وعلى مخازن الأسلحة داخل مناطق حضرية ولا سيما في الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع. وفي هذا الشأن تفيد بعض التقارير بأن مركز ثقل حزب الله ما زال في الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى جانب تجمعات لقواته في سهل البقاع والمناطق الواقعة شمال نهر الليطاني. وفي الجنوب اللبناني يحاول الحزب الحفاظ على وجود محدود، مع نقل وسائل قتالية إلى مناطق تتجه أكثر نحو الشمال. ووفق مصادر عسكرية، يركز حزب الله حالياً على نشاط مدني داخل لبنان، وفي الوقت نفسه، يسعى لتبرير تمسُّكه بالسلاح من خلال ما يسمى "خطة ممر داود"، وهي خطة إسرائيلية لإيجاد تواصُل جغرافي في الشرق الأوسط.

ثانياً، تشير بعض التقارير إلى أن هذه الغارات تشي بتغييرٍ في النهج الإسرائيلي منذ هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث بات الجيش الإسرائيلي يرى في مجرد وجود وسائل قتالية لدى حزب الله، حتى من دون دلائل على نية استخدامها فوراً، مبرراً للتحرك العسكري، مع إيلاء وزن أقل للحفاظ على الهدوء وروتين الحياة في بلدات الحدود. كذلك توجد معارضة مبدئية داخل الجيش لفكرة إخلاء بلدات الشمال في حال اندلعت الحرب، لذا سيُطلب من السكان البقاء في الأماكن المحصّنة، مثلما هي الحال في بقية أنحاء البلاد. وتبعاً لذلك قرر الجيش الإسرائيلي إبقاء قواته في خمسة مواقع داخل الجنوب اللبناني لتكون حاجزاً أمام حزب الله، وهي مستعدة لاحتمال تحوُّل تلك المواقع إلى أهداف.

ثالثاً، أشير في أكثر من تقرير، نقلاً عن مسؤولين أمنيين، إلى أن الجيش الإسرائيلي أعدّ، خلال الأشهر الأخيرة، خططاً عملياتية للقتال في لبنان، عُرضت على المؤسسة السياسية. وبحسب ما نوّه هؤلاء المسؤولون الأمنيون فإن هدف إسرائيل في أي مواجهة مع حزب الله سيكون تحقيق حسم عسكري كامل، بحيث يتحول الحزب إلى حركة سياسية فقط. وفي قراءتهم تُقدّر المؤسسة العسكرية أنه في حال اندلاع مواجهة، فإن المعلومات الاستخباراتية التي جُمعت عن حزب الله ستتيح إمكان توجيه ضربات أشدّ إلى الحزب مقارنةً بما كانت عليه الحال خلال الحرب الأخيرة وما آلت إليه الأمور في أعقابها.

رابعاً، بالرغم من أن بعض التقارير تشدّد على أن إحدى أبرز نتائج الحرب على لبنان في إثر هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تتمثّل في التغيير السياسي الذي استجدّ في البلد وصعود جوزاف عون إلى كرسي رئاسة الجمهورية، وقرار حكومته العمل على حصر السلاح في يد الدولة، يجري في الوقت عينه التنويه بأن قدرة الجيش اللبناني لا تزال محدودة ويحتاج إلى دعم دولي، وبشكل خاص من الولايات المتحدة وفرنسا. كما يقوم الجيش اللبناني بجمع بعض أسلحة حزب الله، غير أنه لا يدمرها كلها، بل يترك جزءاً منها لاستخدامه، ولا يتعامل بشكل كافٍ مع الأنفاق والبنى التحتية، وهو ما يدفع سلاح الجو الإسرائيلي إلى مواصلة شنّ الهجمات بشكل شبه يوميّ. ولقد تم إنشاء آلية رقابة مشتركة مع الولايات المتحدة لمتابعة خطة نزع سلاح الحزب، لكن التطورات ما زالت قيد المتابعة.

خامساً، يسعى حزب الله، بموجب التقارير الإسرائيلية الأكثر جدة، لإعادة البناء وإعادة شغل المناصب، إذ نُقلت جميع المقرات إلى العاصمة بيروت، بعد أن كانت في الجنوب، ولا يزال قادته يدرسون ما حدث، ويعدّون التقارير لمعرفة حجم الخسائر المتبقية في كل وحدة. والعامل الأساس لبقاء الحزب هو استمرار دفع الرواتب من خلال تحويلات مالية من إيران تمرّ عبر صرّافين في تركيا، وهي طريقة يصعب تتبّعها. وجاء في أحد التقارير أن عنصر حزب الله يتقاضى نحو 500 دولار شهرياً، أي ضعفي ما يتقاضاه الجندي في الجيش اللبناني. وبما أن الجنود اللبنانيين يُسمح لهم بالعمل في وظائف مدنية لتحسين دخلهم، فإن عرض الانضمام إلى حزب الله يُغري بعض السكان المحليين. وفي ظلّ تضرُّر قدرات تصنيع السلاح وتقييد عمليات التهريب من سورية، يعتمد الحزب على ما تبقى لديه من مخزون. ولدى التطرّق إلى قوة الرضوان، وحدة النخبة في حزب الله التي تدربت طوال أعوام على اجتياح إسرائيل، يُشار إلى أنها خضعت مؤخراً لـ"إعادة تأهيل مهني" وما تبقى منها، بعد أن تلقت ضربات قاسية وقُتل كثيرون من قادتها، تراجع شمالاً وانتقل إلى وضع دفاعي. وتم نشر هذه الوحدة لحماية الحدود بين لبنان وسورية، بالقرب من بيروت، ولحماية القوات التي انتقلت إلى الشمال، بعيداً عن قدرات الرصد والاستهداف الإسرائيلية.

سادساً، في الإجمال العام ثمة تأكيد على أن إسرائيل لا تستعد فقط لحرب مع لبنان، بل كذلك لحرب إقليمية متعددة الجبهات تقودها إيران. أما تركيزها في لبنان فيهدف إلى ما يلي: تحييد قدرات حزب الله الصاروخية؛ حماية الجبهة الإسرائيلية الداخلية؛ الحفاظ على دعم دولي في حال توسع القتال. كذلك هناك تلميح إلى أن احتمال انضمام جبهات أخرى (غزة، اليمن، وربما سورية) قائم في حال اندلاع مواجهة مباشرة مع إيران. وبالنسبة إلى سورية تحديداً، كشفت تقارير إسرائيلية عن أن هناك مصادر أمنية ما انفكت تحذّر من تعاظُم نفوذ الرئيس السوري أحمد الشرع، وعن أنه على الرغم من استقباله في بعض الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، فإنه ما زال يثير شكوكاً عميقة في إسرائيل!

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات