المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 6
  • أنطوان شلحت

أعاد أحدث أبحاث "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" سؤال النمو الديموغرافي لليهود الحريديم (المتشددون دينياً) ومدى اندماجهم في الاقتصاد والجيش والمجتمع إلى صدارة الجدل، لكونه يمسّ في الصميم كل هذه المجالات.

وبحسب البحث، فإن النمو الديموغرافي للحريديم لا يمكن التعامل معه كمسألة أرقام فقط، بل هو عامل رئيس يعيد تشكيل الاقتصاد الإسرائيلي، ونموذج الجيش، وطبيعة النظام، وبناء على ذلك فإنه أحد أهم العوامل المؤثرة التي ستحدّد شكل إسرائيل بين الأعوام 2040- 2050.

ويشير البحث إلى أن الحريديم يتسمون بما يلي: الالتزام الصارم بالشريعة اليهودية، والدراسة الدينية في المعاهد التوراتية (الييشيفوت)، ومعدلات إنجاب مرتفعة جداً (في المتوسط 6- 7 أطفال للأسرة الواحدة)، ومشاركة محدودة نسبياً في سوق العمل (خصوصاً بين الرجال)، وعدم الخدمة في الجيش الإسرائيلي. 

وتبلغ نسبتهم حالياً 12.6 بالمائة، ومن المتوقع أن تصل إلى 24.4 بالمائة في العام 2050.

وفي ما يتعلق بتأثير هذا النمو الديموغرافي على مستقبل إسرائيل من الناحية الاقتصادية، يشير البحث إلى أنه في حال عدم حدوث تغيير جذري في نسبة مشاركة الرجال الحريديم في سوق العمل، واستمرار الاعتماد على مخصصات الدولة، والتركيز على التعليم الديني مع ضعف تعليم الرياضيات والإنكليزية في معظم المدارس الحريدية، فقد ينخفض متوسط الإنتاج القومي عموماً، ويزداد العبء الضريبي على الفئات العاملة.

كما يشير إلى أن قضية إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية ستبقى واحدة من أكثر القضايا تفجراً سياسياً، نظراً إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتمد على التجنيد الإجباري، بينما يُعفى آلاف طلاب المعاهد الدينية سنوياً. ومن وجهة نظر معدي البحث، فإن التحدي المستقبلي لهذه المسألة يتجسّد في أنه كلما ازداد وزن الحريديم، سيصبح من الصعب الحفاظ على نموذج "جيش الشعب"، وهذا قد يؤدي إلى زيادة مدة الخدمة الإلزامية من جهة، وإلى زيادة مدة الخدمة في تشكيلات الاحتياط من جهة أخرى، ما قد يشكل عبئاً اجتماعياً واقتصادياً شديد الوطأة، وربما يؤدي إلى انفجار سياسي داخلي حول "تقاسم العبء".

ووفقاً للبحث، تؤدي أحزاب الحريديم دور "بيضة القبان" في تشكيل الحكومات الإسرائيلية. ومع نمو جمهورها، من المتوقع أن يزداد نفوذها في قضايا الدين والدولة، وميزانيات التعليم الديني، وقوانين الأحوال الشخصية، وسوف يتصاعد احتمال التديين المتزايد لمؤسسات الدولة.

وبالرغم من تنويه هذا البحث بأن الجيل الشاب من الحريديم أقل عزلة من الأجيال السابقة إلا أنه يؤكد أن التغييرات من الداخل ما زالت بطيئة، ولا يزال الاندماج الوظيفي للرجال الحريديم متدنياً ولم يشهد تحسناً يذكر مقارنة بالأعوام السابقة، بينما نساء المجتمع الحريدي يواصلن دخول سوق العمل بوتيرة أعلى.

وقد سلطت التفاعلات المترتبة على قضية إنهاء إعفاء الشبان اليهود الحريديم في إسرائيل من الخدمة العسكريّة الإلزامية الضوء على متناقضات جوهرية داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي، ليس أقل من الحاجات الماثلة أمام الجيش الإسرائيلي، ولا سيما في مجال المورد البشري، بسبب نتائج الحرب المستمرة على غزة. فقبل أن تتصدّر هذه القضية جدول الأعمال السياسي في إسرائيل، على خلفية انتهاء سريان أمر أصدرته الحكومة ويقضي بتعليق التجنيد الإلزامي لهؤلاء الشبان، ومطالبة المحكمة العليا بإصدار قرار يلزم الحكومة بسن قانون جديد بشأن التجنيد يشمل الشبان الحريديم، راجت تقارير ساهمت في جعل صيرورة مجتمع اليهود الحريديم بمثابة نقطة عمياء في ما تنطوي عليه من تداعيات على مستقبل دولة إسرائيل واقتصادها. وهي تداعيات متأثرة بأمرين يخصّان هذا المجتمع، مثلما نوّهنا أعلاه: الأول، نسبة الزيادة الطبيعية فيه والتي تصل إلى 4.2 بالمائة مقارنة بـ1.4 بالمائة في المجتمع اليهودي غير الحريدي، وستصل نسبته بين مجمل السكان إلى نحو الربع بعد فترة قصيرة. الثاني، امتناع نسبة عالية جداً من الحريديم من الانخراط في سوق العمل، وضغط قادتهم على المؤسسة الحاكمة للحصول على المزيد من المخصصات الاجتماعية التي تشكل عبئاً ليس بقليل على الخزينة العامة، كذلك فإن نمط حياتهم التقشفي لا يساهم في النمو الاقتصادي، وفوق كل هذا امتناعهم عن أداء الخدمة العسكرية في الجيش من منطلقات دينية، وحتى المؤشرات الأخيرة التي بدأت تظهر حول استعداد نسبة ضئيلة منهم للمشاركة في الخدمة العسكرية تدل على أنها ما زالت مشاركة جزئية وهامشية.

ويبدو أنه نتيجة لرسوخ هذه النقطة العمياء، بتنا نصادف في الكثير من الأدبيات الإسرائيلية تقارير تتحدث عن "تطوّرات عميقة" و"أسرلة" في صفوف قطاع الحريديم، وانتشرت ليس فقط على لسان ناطقين وناطقات بلسان هذا القطاع إنما من خارجه أيضاً. وما يتبيّن الآن أنها مجرد تمنيات في أحسن الحالات وألاعيب سياسية في أسوئها، وأن الهدف الأرأس منها هو استمرار شرعنة الحلف التاريخي الذي يعتمد عليه حُكم حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو.

وضمن هذه المستجدات، أظهرت نتائج استطلاع أجراه "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" أخيراً أن 70 بالمائة من الحريديم لا يرون أي سبب وجيه لتغيير الإعفاء الممنوح لهم من الخدمة العسكرية الإلزامية. وهي نسبة مشابهة للنسبة التي نشرها استطلاع سابق نشره "معهد سياسات الشعب اليهودي" في كانون الأول الماضي. وهذا يدلّ على أن الكلام الصادر عن الحاخام الأكبر لليهود الحريديم الشرقيين، إسحاق يوسف، الذي هدد بهجرة جماعية للحريديم من إسرائيل إذا فُرض عليهم قانون التجنيد الإجباري، وكذلك افتتاحية صحيفة "ياتيد نئمان" الناطقة بلسان الحريديم الأشكناز التي اعتبرت أن دراسة التوراة من جانب الشبان الحريديم تعود بالنفع على إسرائيل لا أقل من منفعة الخدمة العسكرية، لم يظهرا من عدمٍ بل من وجود رابطة وثيقة بين الحريديم وزعامتهم في شتى المستويات.

وعند هذا الحدّ ينبغي إعادة التذكير بأن اليهود الحريديم يتطلّعون أكثر من أي غاية أخرى إلى ترميم "عالم التوراة" في إسرائيل، بعد تدميره في أوروبا خاصة إبان الحرب العالمية الثانية، وهذا التطلّع ينبع من الإيمان الذي يعتبر أن "تعلّم التوراة هو عمل وجودي بالنسبة إلى الشعب اليهودي". ويختلف تفسير الحريديم لـ "تعلم التوراة" عن الاعتقاد السائد، إذ إنهم يقصدون به دراسة الغمرا أو التلمود وتفسيراتهما.

وبعد دمار مراكز اليهود والحريديم في أوروبا، بقيت الولايات المتحدة ومن ثم إسرائيل بعد قيامها بمثابة المركزين الكبيرين الوحيدين لتعلم التوراة. وتطورت في هذين البلدين مراكز هامة لتعلم التوراة وكذلك لليهود الحريديم، لكن كلا المركزين، الإسرائيلي والأميركي، كانا مختلفين عن بعضهما، إذ يدرس في مؤسسات تعلم التوراة في الولايات المتحدة طلاب حتى سن الزواج أو بعد الزواج بأعوام قليلة، وقلة من الحريديم فقط درسوا في هذه المؤسسات لفترة أطول بعد الزواج. في المقابل، تطوّرت في إسرائيل مؤسسة "كوليل" التي يدرس فيها الحريديم الرجال المتزوجون، وهكذا ترسّخت ظاهرة فريدة من نوعها، وصفها علماء الاجتماع الإسرائيليون بـ "مجتمع الدارسين".

المصطلحات المستخدمة:

جيش الشعب, الليكود, بنيامين نتنياهو

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات