أعاد كتاب جديد صدر في إسرائيل هذه الأيام التذكير بأن إسرائيل تأسست كـ"دولة يهوديّة" وفقاً لإعلان استقلالها. والكتاب من تأليف أستاذ القانون، البروفسور يورام شاحر (جامعة رايخمان/ هرتسليا)، ويحمل عنوان "كرامة، حرية وعمل شريف.. قصة تدبيج إعلان الاستقلال".

يوثق شاحر في الكتاب عدداً من الكشوف السابقة التي كانت له يدٌ في إشهارها في ما يتعلق بإعلان الاستقلال المذكور وما مهّد له من مداولات.
ومهما تكن هذه الكشوف فما يهمنا منها في هذا المقام هو الآتي:

أولاً، أنه كانت هناك عدة صياغات أو مسوّدات لـ "إعلان استقلال إسرائيل"، إحداها صيغة قام المرشح لتولي منصب سفير إسرائيل في الولايات المتحدة، إلياهو إيلات، بتسليمها إلى الرئيس الأميركي، هاري ترومان، وساعدت في الحصول على الاعتراف الأميركي، وورد فيها

تعهّد بأن تُقام الدولة بموجب حدود قرار التقسيم الدوليّ الصادر يوم 29 تشرين الثاني 1947، وهو تعهّد اختفى نهائياً من النصّ المُعتمد لذلك الإعلان. ويقول شاحر في هذا الشأن: "لا أريد التفكير في ما كان سيحدث لو تم اكتشاف الخطأ في ذلك الوقت. وبرأيي أنه من دون الاعتراف الأميركي كان من شأن كل المشروع الصهيوني أن يتبدّد شذر مذر".

ثانياً، يكرّر شاحر أن الاعتقاد بأن تعريف إسرائيل بأنها "دولة يهودية وديمقراطية" يرافقها منذ يوم تأسيسها لا يمت إلى الحقيقة بصلة. ويعتقد كثيرون خطأ أن مصدر هذا التعبير هو "إعلان الاستقلال"، غير أن هذا الإعلان لم يتضمن أي ذكر لكلمة ديمقراطية، على مختلف تصريفاتها، ولو مرة واحدة.

وبموجب مُراجعة مُسندة بمصادر من الأرشيف كُشف عنها النقاب أخيراً أجراها شاحر، فإن هذه الكلمة (ديمقراطية) شُطبت عمداً من تلك الوثيقة. وإلى جانب ما قام به شاحر في هذا الكتاب وقبله، كان كل من الباحث في شؤون الثقافة الإسرائيلية دوف إلبويم، والباحث في شؤون الثقافة العبرية واليهودية العلمانية عزرا بروم، قد نشرا مراجعة مماثلة ظهرت في العدد رقم 6 من المجلة الشهرية "هشيلوّاح" (الانطلاق) في أيلول 2017، واستعادا فيها الوقائع التي شهدتها عملية صوغ ذلك الإعلان التأسيسيّ، والتي تبيّن على نحو جليّ كيف شُطبت كلمة ديمقراطية، وما هي الدوافع التي وقفت وراء هذا الشطب، والتي تحيل في العمق إلى تأصل مزاعم متبجّحة لدى كتابه من جيل المؤسسين.

ومما جاء في مقدمة مراجعتهما: إن أحد الأخطاء المشهورة في ما يتعلق بـ"وثيقة استقلال" دولة إسرائيل هو الرأي الشائع بأنها مُعرَّفة، في الوثيقة، بأنها "دولة يهودية وديمقراطية". لكن كل من يتمعن في الوثيقة يُلاحظ أن عبارة "دولة يهودية ديمقراطية" لا تظهر فيها مُطلقاً، بل إن كلمة ديمقراطية بحد ذاتها لا ترد فيها، ولو مرة واحدة، لا هي ولا أي من تصريفاتها المختلفة. وأكثر من ذلك يتضح، من فحص المسوّدات المتعدّدة للوثيقة، أن كلمة ديمقراطية قد أسقِطت عمداً بفعل تدخّل كتبة نص الوثيقة، وفي مقدمهم المسؤول آنذاك عن علاقات الييشوف العبري الخارجية، موشيه شاريت.

وأشار الكاتبان، مثلما أكد شاحر، إلى أن ثمة خطأ آخر يتصل بمدى ارتباط مؤسسي إسرائيل بـ"التقاليد والأعراف اليهودية". ويفيد هذا الخطأ المتداول بأن تعبير "تسور يسرائيل" (وهو كناية عن الربّ)، والذي يظهر في خاتمة الوثيقة، قد أُدخِل إليها في إطار تسوية تبلورت خلال عملية صوغها في أروقة "المجلس التأسيسيّ للدولة" بين مَن أرادوا إدراج اسم الرب بصورة أكثر صراحة (ممثلو تيارات اليهود المتدينين والحريديم المتشددين) من جهة، وبين من أرادوا إسقاطه كليّاً، من جهة أخرى مقابلة. لكن التمعن في مسودات الوثيقة يبيّن، على نحو واضح للغاية، أن تعبير "تسور يسرائيل" قد ورد في جميع المسوّدات المسبقة، حتى قبل بدء حملة الضغوط السياسية التي تصاعدت في الأيام الأخيرة التي سبقت الإعلان عن إقامة الدولة. وقد صمد هذا التعبير طوال عملية الصياغة حتى حظي، في نهاية الأمر، بقبول جميع أعضاء المجلس.

وعلى هذه الخلفية، وإزاء حقيقة كون التعريف العام الوحيد لإسرائيل في الوثيقة بأنها "دولة يهودية"، ينتصب السؤال التالي بصورة أكثر حدة: ماذا كان موقف الآباء المؤسسين حيال الطابع اليهودي للدولة التي أنشأوها؟ ويبدو أنه كلما أصبح هذا السؤال أكثر حيوية وإلحاحاً بالنسبة لمستقبل إسرائيل وتشكلها، كلما اشتدت الحاجة إلى سبر غور رؤية مؤسسيها في هذا السياق. وما الذي توارى وراء قراراتهم بشأن اعتبار الرابطة الأساسية بين اليهود وبلاد فلسطين "رابطة تقليدية"، زيادة على كونها "رابطة تاريخية"؟ وما هي وجهة النظر المختبئة في التوليفة الخاصة التي عقدها كتبة نص الوثيقة بين القيم الديمقراطية والليبرالية الخالصة (مثل "المساواة بغض النظر عن الاختلاف في الدين والعرق والجنس") وبين العناصر اليهودية الواضحة على امتداد نصها وتتجسد، أساساً، في الرواية التاريخية التي تعرضها الوثيقة ـ مكانة التناخ ضمن مبررات إقامة الدولة و"رؤية أنبياء إسرائيل"؟

ووفقاً للمراجعتين، فإنه خلال الأسابيع الثلاثة التي استغرقتها سيرورة صوغ الإعلان عن تأسيس الدولة، سقط منه، تدريجياً، التعريف العام بشأن كون الدولة ديمقراطية، بينما ازداد وزن البُعد اليهودي في تعريف الدولة.

وجواباً عن السؤال: لماذا أسقط جيل المؤسسين بصورة متعمدة كلمة ديمقراطية من "إعلان الاستقلال"؟، يكتب شاحر أن بن غوريون يُعدّ المحرّر الفعلي لوثيقة تأسيس إسرائيل. وفي هذا السياق يؤكد أن تحليل النصوص والتعديلات التي أدخلها على هذه الوثيقة يعكس نظرته إلى العالم، ووقف في صلبها الادعاء المتبجّح بأن التناخ هو "مهد الديمقراطية"! وبمقتضى هذه النظرة، يتعيّن على الدولة اليهودية تصميم طابعها الديمقراطي من خلاصات القيم الكامنة في نبوءات التناخ. ويمكن القول إن التناخ مثّل، في نظر بن غوريون، "مهد الديمقراطية ومنبعها من الناحية الروحانية، ولذا فليس ثمة ما يمنع اشتقاق القيم الديمقراطية في الدولة من المصادر اليهودية مباشرة"!. وربما كان هذا هو السبب الذي جعل بن غوريون يعتبر أن لا ضرورة لتعريف الدولة بأنها "ديمقراطية"، إذا كان سيترتب على مثل هذا التعريف التزام "فائض عن الحاجة" بالنموذج الديمقراطي الغربي، على حدّ زعمه.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

عن قرار المحكمة الإسرائيلية العليا بخصوص مسافر يطا.. ترحيل قسري تحت غطاء قانوني

في يوم 4.5.2022، نشرت المحكمة الإسرائيلية العليا قرار الحكم القضائي الذي أصدرته بشأن الالتماسات التي قدّمها إليها سكان مسافر يطّا وطالبوا فيها بمنع الدولة من ترحيلهم القسري، هم وأبناء عائلاتهم، من قراهم التي أعلنتها الدولة "منطقة عسكرية رقم 918" ("منطقة تدريبات عسكرية") وبتمكينهم من البقاء فوق أراضيهم والعيش في قراهم. كما طالب الملتمسون، أيضاً، بإلغاء الأمر الذي أصدرته الدولة ويقضي بإعلان أراضيهم منطقة تدريبات عسكرية وبإغلاق كامل المنطقة التي تقع فيها قراهم لغرض إجراء الجيش تدريبات عسكرية فيها.{ref}التماس 13/413 أبو عرام ضد وزير الدفاع (قرار الحكم من يوم 4.5.2022) {/ref}

للمزيد

ذكرى النكبة ووهج شرارتها الذي لا يخبو

قليلة هي الأصوات الإسرائيلية التي اعترفت بأن نكبة 1948 كانت السبب الوحيد لما يُعرف بـ"قضية الأقلية العربية في إسرائيل"، وذلك في مناسبة إحياء ذكراها الـ74 التي صادفت يوم 15 أيار الحالي. وظلّت الغلبة من نصيب أصوات خلُصت إلى نتيجة مسبقة الأدلجة، فحواها أن إحياء النكبة يشكل أبلغ تعبير عن التمسك بالماضي وعدم الاستعداد لمماشاة الحاضر من خلال نسيان ما كان والتطلع من ثمّ إلى ما سوف يكون.

ومن الملفت أن بعض هذه الأصوات، بمن في ذلك تلك المحسوبة على اليمين الإسرائيلي الجديد، ذهبت إلى الاستنتاج بأن مشاركة حزب عربي (إسلامي) في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي (الواقف وراء حكومة بينيت- لبيد)، لأول مرة في تاريخ الأحزاب العربية التي لا تدور في فلك الأحزاب الصهيونية، يعتبر دليلاً واعداً على اصطفاف مأمول وسط صفوف الفلسطينيين في إسرائيل، بين فريق يؤثر التمسك بالماضي انطلاقاً مما حدث في إبان النكبة في الأقل، وبين فريق آخر حسم أمره بأن يتعامل مع الحاضر، ويدير ظهره إلى الماضي المرتسم تحت وطأة النكبة. وبرز بين هذه الأصوات المحلل السياسي لقناة التلفزة الإسرائيلية 12، عميت سيغل، وهو أحد الضاربين بسيف بنيامين نتنياهو وتيار اليمين الجديد، في سياق مقاله الأسبوعي الذي ظهر في صحيفة "يديعوت أحرونوت" يوم الجمعة الماضي.

للمزيد
.. من موقع المنظمة

منظمّة "هشومير هحداش": الميليشيا الاستيطانية الأكبر في إسرائيل ومقاول "الصندوق القومي" في النقب!

في خِضم الأحداث الأخيرة، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية، ورئيس مجلس المستوطنات في الضفة الغربية وغلاف غزة سابقاً، رئيس حزب "يمينا"، نفتالي بينيت، عن نية إسرائيل تشكيل "قوة مسلّحة"- باسم "الحرس الوطني الجديد"- تستند إلى "مدنيين متطوعين"، وجزء من البنية التحتية لمنظّمة الحراسة الاستيطانية المعروفة باسم "هشومير هحداش" بالعبرية- منظّمة "الحارس الجديد" بالعربية- حيث ستعمل هذه القوة في كل الأوقات وليس في الأوقات التي تصنّفها إسرائيل بـ "الطوارئ" و"عدم الاستقرار".{ref}لا يوجد مكان للميليشيا، هآرتس، 9 أيار 2022، https://bit.ly/3FOIg41 (تم الاسترجاع بتاريخ 15.05.2022).
* للاستزادة، أنظر/ي: https://bit.ly/3CREB4f. {/ref}

للمزيد
الخميس, مايو 26, 2022

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية