جنديان في جيش الاحتلال يحتجزان شابا في الخليل.  (أرشيفية، إ.ب.أ)

مع بدء عملية التجنيد للجيش الإسرائيلي، يخضع الشبان والشابات الإسرائيليون إلى امتحان تقييمي لمعرفة قدراتهم، ومهاراتهم، واستشراف إمكانياتهم المستقبلية، وبالتالي معرفة الجهاز الأكثر ملاءمة لهم مثل سلاح المدفعية، أو المشاة، أو فرع التكنولوجيا والاستخبارات، أو حتى استبعادهم كليا من الخدمة العسكرية وإرسالهم إلى أنواع أخرى من الخدمات المدنية. هذا الامتحان التقييمي كان يجرى وفق مقياس يسمى "كابا" (بالعبرية: اختصار لمصطلح نموذج المجموعة النوعية). بعد أكثر من ستين عاما من اعتماد هذا المقياس داخل الجيش الإسرائيلي، وبعد انتقادات متكررة على عدم مهنيته، وتمييزه الممنهج ما بين الإسرائيلي الأشكنازي والإسرائيلي الشرقي، وبعد اعتراضات على عدم ملاءمته لمتطلبات الجيش الحديث، وضع قسم القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي مقياسا جديدا. وقد بدأ الجيش باستخدام المقياس الجديد في آب 2021 بين أوساط المجندات الإناث على أن يتم توسيعه وتطبيقه على المجندين الشبان ابتداء من الشهر الحالي.

هذه المقالة تلقى الضوء على امتحانات التقييم ومضمون المقياس الجديد الذي من المتوقع أن يشكل أحد أسس الإصلاحات داخل الجيش الإسرائيلي.

ما هو مقياس "كابا" الذي وصل إلى نهايته بعد 60 عاما؟

في العام 1949، سنّت إسرائيل قانون التجنيد الإلزامي. وحسب القانون، كل مواطن إسرائيلي يتمم عمر 18 سنة عليه أن يمتثل للتجنيد الإلزامي إلا إذا قرر الجيش إعفاءه. ويقرر الجيش قبول أو إعفاء أي شخص بناء على امتحانات وتقييمات تتم قبل ذلك. فعندما يتمم الإسرائيلي عمر 16.5 سنة، يرسل له الجيش الإسرائيلي ما يسمى بـ "الأمر الأول". بموجب هذا الأمر، يتم اعتبار الشاب أو الفتاة الإسرائيلية بمثابة "مرشح للتجنيد"، وعليه أن يخضع إلى سلسلة من الامتحانات والتقييمات التي في نهايتها تشكل صورة عامة لدى جهاز القوى البشرية داخل الجيش الإسرائيلي حول إمكانيات كل مرشح والأماكن الأفضل التي يمكن أن يخدم بها داخل الجيش. وتنقسم الامتحانات والتقييمات إلى مرحلتين:مركز نوعام، الدليل الكامل للأمر الأول 2021، 2021 https://bit.ly/3uW1lfj.

1. في المرحلة الأولى، يقوم المرشح للتجنيد بالإجابة على استبيان لجمع بيانات شخصية، واستبيان آخر يتعلق بتعليمه في المدرسة وحالته الصحية. ثم تتبع ذلك مكالمة هاتفية من قبل الجيش. في المقابلة الهاتفية، يتم تقييم مستوى اللغة العبرية لدى المرشح من خلال تركه يناقش في قضايا عامة. وتعتبر هذه المكالمة أساسية لتمييز من هو الأشكنازي الأوروبي الذي يمتلك لغة عبرية متقدمة ومن هو الشرقي أو الأثيوبي.

2. في المرحلة الثانية يحضر المرشحون إلى مكتب التجنيد الذي يجري بدوره عدة تقييمات أخرى، والتي تسمى "تقييمات كابا". وتشمل كابا ثلاثة أنواع من الامتحانات الجزئية وهي الأهم في رحلة التجنيد بحيث أن نتيجتها تحدد بشكل قاطع الأجهزة العسكرية التي تلائم كل مرشح. النوع الأول من الامتحانات يسمى "الترتيب النفسي التكنولوجي الأول"، ويشمل أسئلة تتعلق بفهم المقروء، المقارنات اللفظية، المقارنات الصورية، أسئلة تحدّد القدرة على اتباع التعليمات، وأسئلة رياضيات. النوع الأول يشكل حوالي 50% من العلامة النهائية لتقييم كابا. أما النوع الثاني من الامتحانات الجزئية فيسمى "علامة الإدراج العام" وهو عبارة عن مقابلة لتقييم شخصية المرشح، قدرته على النقاش، إلمامه باللغة، لكنها أيضا تكشف خلفيته الاجتماعية وثقافته وأصوله الإثنية. النوع الثاني يشكل حوالي 33% من تقييم كابا. أما النسبة المتبقية من العلامة، وهي 17%، فيتم احتسابها بناء على مستوى تعليم المرشح خلال المدرسة ودرجة صعوبة امتحان البجروت (التوجيهي) الذي تقدم له.

وتقييم كابا يتم إجراؤه مرة واحدة ولا توجد فرصة أخرى لإعادته من جديد وهو يدرج علامات المرشحين للتجنيد على سلم من 41 إلى 56. نفس المصدر العلامات العالية التي تتراوح ما بين 52-56، تسمح للمرشح بأن يخدم في سلاح الجو، الطب، مراسل أو ناطق عسكري، خبير متفجرات، وحدة كوماندوز مثل "أغوز" أو "ماجلان"، أو في وحدة السايبر. أما العلامات التي تتراوح ما بين 48-51 فتسمح بالخدمة في سلاح المشاة، المسرح العسكري، تقني محاكاة في سلاح الجو، أو معلم. وفقط من حصل على علامة أعلى من 48 بإمكانه التقدم لكورس الضباط لاحقا. أما من حصل على علامة أقل من 47 فيذهب إلى الخدمة في أجهزة تحتاج أقل مهارات ولا تعتبر مرموقة، مثل حرس الحدود أو سائق عربة. لكن من يحصل على علامة أقل من 43، لا يمكن تجنيده في الجيش، ويعتبر صاحب قدرات متدنية ويتم توجيهه أو توجيهها إلى الخدمة المدنية.

لاقى تقييم كابا انتقادات واسعة منذ اعتماده قبل ستين عاما. أحد الانتقادات أنه يميز ما بين الإسرائيليين بناء على خلفيتهم الإثنية. فمثلا، المتجندون الأشكناز يحصلون على معدل أعلى بدرجتين من الشرقيين. لكن الانتقاد الأهم جاء من داخل مؤسسة الجيش نفسها بناء على عدم ملاءمة هذه التقييم لمتطلبات الجيش الحديث. ففي أعقاب حرب لبنان الثانية في العام 2006، قام سلاح المشاة في الجيش بإجراء بحث علمي على أداء الجنود خلال المعارك. في التقرير النهائي الذي نُشر العام 2011، ادعى سلاح المشاة أنه لا يوجد اقتران واضح ما بين العلامة التي حصل عليها المتجندون في امتحان كابا وبين قدراتهم الفعلية ومهاراتهم التي أبدوها خلال المعارك. وعليه، شرع الجيش بتطوير امتحانات تقييم جديدة. وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن أن البدء باعتماد المقياس الجديد سيكون في آب من هذا العام. وبدلاً من مقياس كابا الذي يقوم على ثلاثة امتحانات، فإن المقياس الجديد يقوم على ستة امتحانات جزئية تقيس قدرات كل متجند من حيث: المستوى المعرفي، المرونة، الأداء الإداري، القدرة على التكيف، المهارات والقدرات بالإضافة إلى سنوات الدراسة. والفكرة الجديدة التي يقوم عليها المقياس الجديد هي "الامتحان المتأقلم". بمعنى أن تقييم كابا السابق كان تقييما عاما وشاملا وموحدا، يعطى لكل المتجندين وعلامته تحدد مجال الخدمة. أما المقياس الجديد فيخضع المتجندين إلى امتحانات مختلفة بناء على الجهاز العسكري.

مثلا، قد يحصل المتجند على علامة معينة في حال اقترح أن ينضم إلى سلاح الطيران، لكن المتجند نفسه قد يحصل على علامة أعلى بكثير في حال اقترح أن يترشح إلى سلاح المدفعية. إن تأقلم الأسئلة مع الوجهة التي يقترحها المتجند يجعل من المقياس الجديد عملية فرز ذكية، كونه يقوم على خوارزميات ضبطية، تضبط صعوبة الأسئلة وتنوعها بناء على تفاعل المجيب معها، كما أن الأسئلة والتقييمات تعيد ترتيب نفسها لتعطي تقييمات مختلفة في كل مرة. كما أن الجيش يشرك معه السلطات المحلية بحيث يقوم بضبط صعوبة التقييم بناء على الخلفيات الاجتماعية الثقافية المختلفة لسكان إسرائيل بهدف الحد من إمكانية التمييز الحضاري والثقافي بين الإسرائيليين.يانيف كوبوفيتش، نهاية كابا: الجيش يغير من نموذج تقييم المتجندين بعد أكثر من ستين عاما، هآرتس، 2021. أنظر الرابط التالي: https://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.10108423

في العام 2020، بدأ استخدام المقياس الجديد في 3 بلدات إسرائيلية فقط. ويرى الجيش الإسرائيلي أن المقياس الجديد حقق نجاحاً باهراً وبالتالي تقرر استخدامه في 100 سلطة محلية جديدة خلال العام 2021 الحالي، والبدء بتطبيقه على الذكور وليس فقط على الإناث. ويعتبر الجيش أن هذه ثورة حقيقية في أسلوب التجنيد.الجيش الاسرائيلي، ثورة التقييم، 2021. أنظر الرابط التالي: https://bit.ly/3lmU6Kc

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

مؤتمر مدريد بعد 30 عاماً.. أبرز ما يمكن استخلاصه

 تُصادف هذا الشهر ذكرى مرور 30 عاماً على انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط (30/10- 1/11/1991) والذي شارك فيه بنيامين نتنياهو عندما كان يشغل منصب نائب وزير الخارجية الإسرائيلي. ولا شك في أن العودة إليه وإلى ما تلاه من تطوّرات وصولاً إلى أيامنا الراهنة، من شأنها أن تُوضّح بعض ما يمكن وصفه بأنه ثوابت موقف إسرائيل حيال عملية التسوية التي ترمي إلى أن تحققها لقضية صراعها مع الفلسطينيين.

بيد أن هذه الوقفة تأتي، على وجه التحديد، في سياق نفض الغبار عن السردية الإسرائيلية الأكثر تداولاً لهذا المؤتمر من جهةٍ، وأيضاً من أجل تأصيل طرائق المقاربة والتأويل لما شهده المؤتمر من مُقدّمات ووقائع من جهةٍ ثانيةٍ.

ولعلّ أول ما يتعيّن التنويه به بهذا الصدد هو حقيقة أن إسرائيل أرغمت على المشاركة في هذا المؤتمر في حينه، بعد أن هدّد الرئيس الأميركي في ذلك الوقت جورج بوش الأب رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك إسحق شامير بعدم منحه ضمانات لازمة لقروض طلبتها حكومته، ما يعني أن هذا الأخير كان رافضاً لعقده أصلاً. في الوقت نفسه يتعيّن أن نتوقف ولو بإيجاز أمام ما يلي: بدايةً نجمت معارضة إسرائيل لعقد مؤتمر دوليّ للسلام، كما يؤكد مقربون من شامير، عن حقيقة أن فكرة المؤتمر الدولي كانت فكرة عربيّة بالأساس، يُراد منها أن يُصار إلى تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 والذي، وفقاً لقراءة إسرائيل، يتحدث عن الانسحاب من أراضٍ محتلة (منذ العام 1967)، وحدود آمنة ومعترف بها، وحل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

للمزيد
"نظام الرعاية الصحية الإسرائيلي في حالة يرثى لها، ويتزايد الضغط على الأطباء ليصبحوا عمال إنتاج مطيعين". (الصورة أرشيفية من مستشفى إيخيلوف، عن "فلاش 90")

عن حال الأطباء في إسرائيل.. المشكلة غير كامنة في المناوبات فقط!

باتت احتجاجات الأطباء في إسرائيل طقساً سنوياً تقريباً. كل احتجاج ومطالبه: تقصير ساعات العمل (مناوبات)، تغيير ظروف العمل، زيادة الأجور وما إلى ذلك. لكن جميع الاحتجاجات ذات قاسم مشترك واحد: الاستنزاف المهني.

يُعرَّف التآكل بأنه حالة من الإرهاق العقلي، والذي ينتج عن الإجهاد المستمر الناتج عن الشغل المهني. ويعاني العديدون من الإرهاق المهني في عالمنا، لكنه يشتدّ بشكل خاص بين أصحاب المهن التي تقوم على مُثُل الإيثار والتضحية الشخصية، مثل الطب. ولا يقتصر استنزاف الأطباء على إسرائيل وحدها. إنه يتفاقم في جميع أنحاء العالم الغربي، ويهدّد استقرار الأنظمة الصحية حتى في الفترات التي يتم فيها إصلاحها.

للمزيد
الأرشيفات الإسرائيلية: مستودع المسكوت عنه.

معهد إسرائيلي: الرقابة على الأرشيفات تُستخدم لتكريس الرواية الرسمية المشوّهة حول أسس الصراع!

حتى الآن، تقوم هيئة حكومية إسرائيلية مؤلفة من وزراء بدور يمكن وصفه بالرقيب الأعلى، وهي صاحبة القرار الأخير في تقرير مصير ملفات ووثائق أرشيفية، انتهت مدة التكتّم عليها وفقاً للقانون. ويقول تقرير جديد لمعهد "عكيفوت"، الذي ينشط ضد فرض "السريّة" على وثائق ومعلومات أرشيفية حان وقت كشفها، إنه تم تفويض لجنة وزارية خاصة، برئاسة وزير العدل، للمصادقة على قرارات أرشيف الدولة الرسمي بمنع الكشف عن المواد الأرشيفية التي انقضت "فترة تقييدها"، والتبرير: أسباب تتعلق بالأمن القومي أو العلاقات الخارجية.

للمزيد
الثلاثاء, أكتوبر 26, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية