متسادا: الخرافة القومية تحذف وتضيف وتغيّر.

تقولُ الرّواية، التي يرويها المؤرّخ اليهوديّ الرومانيّ يوسيفوس فلافيوس، إنّ 960 يهوديّا من جماعة السّيكاري من بينهم نساء وأطفال ورجال، انتحَروا في قلعة متسادا على قمّة هضبةٍ قريبة من البحر الميّت حتّى لا يأسرهم الجيش الرومانيّ. للقصّة مصدَرٌ تاريخيّ وحيد هو فلافيوس، وهي من أشهَرِ الأساطير/الخرافات الصهيونيّة اليهوديّة التي تمّ توظيفها حتّى قبل النّكبة العام 1948 من قبل الحركة الصهيونيّة لغاية نسجِ رواية قوميّة بُطوليّة يهوديّة نقيضة للصّورة النمطيّة عن اليهوديّ الضّعيف غير المحارب.

إلّا أنّ هناك مقداراً من الشكّ حول حقيقة الأسطورة، داخل وخارج الأوساط الصهيونيّة وداخل وخارج نظام المعرفة الاستعماريّة المهيمنة. وبِما أنّ الأركيولوجيا تُشكِّلُ أحد الحقول المعرفيّة التي تخضَعُ لعلاقات القوّة وإنتاج المعرفة المهيمنة على حِساب تلك المُهمّشة، فأسطورة متسادا هي أيضاً تندَرِجُ في إطار المعرفة الدولانيّة القوميّة التي توظِّفُ تفسيرها التاريخيّ للأرض لتدعيم روايتها القوميّة النّقيضة لرواية السكّان الأصلانيين.

ويعتبر يغئال يادين الأب الروحيّ للأركيولوجيا الإسرائيليّة ما بعد العام 1948، وكذلك من أكثر علماء الآثار الإسرائيليين دأباً على الرّبط ما بين الماضي التوراتيّ واليهوديّ وما بين الحاضر من خلال حفريّاته التي كان أهمُّها حملته في متسادا، وكذلك في حملته الأركيولوجيّة الأوسع في محيط المسجد الأقصى.

إلّا أنّ أسطورة متسادا لعبَتْ دوراً هامَّاً قبل شُروع الأركيولوجيا الصهيونيّة في تأكيدها من خلال حفريّاتها، وكان ذلك في العام 1940 عندما كانت هناك حاجة ماسّة لتضخيم الرموز اليهوديّة البطوليّة إلى حدّ هائل خلال العقدين الرّابع والخامس من القرن الماضي، بعد صعود الفاشيّة في أوروبا وتحديداً وُضوح التهديد الذي شكّله النازيون على اليهود في أوروبا. فبحسَبِ نحمان بن يهودا، بلورت الحركة الصهيونية في فلسطين آنذاك ما عُرف بـ"خطة الشمال" أو المعروفة بـ"خطّة متسادا"، والتي كانت نتيجة مباشرة للخوف الذي بثّته عصابة الهاغناه في أوساط اليهود من النجاح الذي أحرزه الفيلق الأفريقيّ النازيّ بقيادة رومل في شمال أفريقيا خلال العام 1941. كان ذلك في الوقت الذي بدا أنّ غزو ألمانيا النازية الذي قد يطال فلسطين يشكل تهديداً حقيقياً، وكانت الفكرة الأساسيّة للخطة هي تركيز الييشوف الصهيوني ضمن تجمّع قويّ ومحصّن حول جبل الكرمل وحيفا وربّما إخلاء النساء والأطفال إلى قبرص. وافترضت الخطّة ترسيم حدود تغطي منطقة تقارب مساحتها 200 كليومتر مربع، بحيث يتواصل منها القتال ضدّ الألمان، حسب الاعتقاد السائد آنذاك، لأطول فترة ممكنة، في استيحاء للبطولة الأسطوريّة لليهود الذي فضَّلوا الموت على العبوديّة في أسطورة متسادا.

رواية فلافيوس ورواية يادين الصهيونية

ارتبطَ عمَلُ يادِين على الدوّامِ بخلفيّات سياسيّة إلى درجة يُمكِنُ وصفُ عمله بـالأركيولوجيا الأيديولوجيّة التي تسعى إلى تدعيم الادّعاءات الصهيونيّة بأحقيّة اليهود في أرض فلسطين من خلال ربطِ نتائج حفريّاته بالقصص التوراتيّة وبقصص يهودية أسطوريّة أخرى؛ ما دفع البعض، ومنهُم البروفسور نحمان بن يهودا، عالم الاجتماع في الجامعة العبريّة، إلى التّشكيك في نتائجهِ البحثيّة في موقع متسادا، ونشر تفسيراتهم المُضادّة لتأويلاته وتفسيراته الأركيولوجيّة. وكان استنتاج بن يهودا أنّ يادين قد أخطأ ربّما عمداً، في تأويلاته الأركيولوجيّة لغاية خلقِ رواية قوميّة لمُساعدة دولة إسرائيل الفتيّة في اجتراح هويّة لنفسها.

لا تُشكِّلُ قصّة متسادا مجرّد قصّة حفريّات أثريّة، فهي مثالٌ عن كيف يُلحِقُ الأركيولوجيون المعلومات التاريخيّة بنتائجهم البحثيّة وتأويل تلك التّفاصيل العاريّة من خلال تفسيرها في ضوء التّاريخ. فقد استخدم يادين كتابات فلافيوس، الجنرال اليهودي الذي تحوّل إلى مؤرّخ رومانيّ والذي كتب كتابين عن اليهود في القرن الأوّل الميلاديّ والذي يُعدُّ المصدر التاريخيّ الأوّل لما يمكن أن يكون وقَعَ على جبل متسادا قبل ألفيّ عام من الآن. وتُوضِّحُ متسادا التداخل ما بين التّاريخ والأركيولوجيا؛ فبما أنّه لا يمكنُ التأكُّد من صحّة ما كتبه فلافيوس تماماً، فبإمكان الأركيولوجيا إمّا دحضُ أو تأكيد النصّ القديم.

انتهت حفريّات متسادا في خمسينيّات القرن الماضي بإشراف يغئال يادين، واعتُبِرَت الحفريّات الأوسع في تاريخ الدّولة آنذاك، وربّما بمثابة مشروع أركيولوجي قومي. جذبت أعمال الحفر، التي شكّلت بحدّ ذاتها أسطورة قوميّة إسرائيليّة، مئات المتطوّعين من المدارس الثانوية الإسرائيليّة، الجيش الإسرائيلي ومئات المتطوّعين الدوليين من أميركا وبريطانيا وغيرهما من الدّول. وفي الوقت الحالي، يزور الموقع الأثريّ ما يقارب نصف مليون زائر سنويّا، وهناك عديد الجنود الإسرائيليين الذين يُفضِّلون أداء قسمهم العسكريّ في ذلك الموقع.

مع انتهاء الحفريّات، اكتُشِفَ أنّ قلعة متسادا كانت بُنيِت بالأصل من قبل الملك هيرودوت كموقع مُحصَّن يلجأ إليه في حالة اضطُّر للهرب من القدس إلى مكانٍ آخر. لاحِقاً، تمّ الاستيلاء على القلعة من قبل جماعة السّيكاري، أو رجال السّكاكين، المتمرّدين ضدّ الإمبراطوريّة الرومانيّة خلال الثورة اليهوديّة الكُبرى في العقد السّابع من القرن الميلادي الأوّل.

تُشكِّلُ رواية فلافيوس المصدر التاريخي الرّئيس لرواية متسادا، وفي نقيضها هناك الرّواية الصهيونيّة للأحداث مع تأويلاتها المختلفة. وبحسَبِ رواية فلافيوس هُناك عدد من العناصر الرّئيسة التي تغيبُ عن الرواية الصهيونيّة. أوّلاً، كانت متسادا جزءاً من ثورة فاشلة ضدّ الغزاة الرُّومان، ولم يكن سقوط قلعة متسادا إلّا النّهاية للثورة اليهوديّة – التي يُشكِّكُ في نطاقها الواسع ويُلمِّحُ إلى أنّها كانت تنحصِرُ في مجموعات متعصّبة قليلة العدد من الذين أغروا اليهود بالمشاركة في التمرُّد الذي كان عبثياً في وجه الإمبراطوريّة الرومانيّة بقوّتها الهائلة آنذاك. في المقابل، يميلُ بعض المؤرّخين الصهاينة الحديثين، من أمثال مناحيم شتيرن، إلى رفضِ هذا الإيحاء والتأكيد على أنّ الثورة اتسمت بشعبيّة هائلة ومن سوء حظّ اليهود في ذلك العهد أنّ الصّورة العسكريّة لم تكن في صالحهم.

ثانياً، كان اليهود المحلّيون آنذاك منقسمين إلى عدّة طوائف أيديولوجيّة متباينة، واعتاد فلافيوس استخدام مصطلح "السّيكاري" على نحو ثابت لوصف المتمرّدين اليهود الذين كانوا في قلعة متسادا. ثالثاً، كان استيلاء قوّات السّيكاري على قلعة متسادا بالقوّة سابقاً على انطلاق الثّورة الكبرى، أي في عام 66 للميلاد، وذلك يعني أنّهم لم يهربوا من القدس بعد مقاومتهم للغزو الروماني، بل كانوا مجموعة من المتعصّبين المتمرّدين. إضافة إلى ذلك، فقد تورّطت جماعة السّيكاري في القدس في ارتكاب عدد كبير من أعمال العنف التي طالت اليهود وغيرهم ممّا أجبرهم على الرحيل عن المدينة والانتقال إلى متسادا قبل وقت طويل من الحصار الذي فرضه الرّومان عليهم فيها. ويذكُرُ فلافيوس أنّ جماعة السّيكاري كانت تغير على القرى القريبة منها وتنهبُ مؤونتها وتهجِّرُ أهلها من اليهود أو غير اليهود. كذلك لا يتكلّم فلافيوس عن مدّة الحصار الذي فُرِضَ على متسادا، ويقترحُ البعض تقديرات معقولة تُشيرُ إلى مدّة تتراوح بين عدّة أسابيع أو بضعة أشهر. وأخيراً، ورغم أنّ فلافيوس يُشيرُ في كتاباته إلى ملامح "البطولة" التي سطّرها اليهود أثناء مقاومتهم للغزو الروماني آنذاك، إلّا أنّه لا يأتي على ذكر مقاومة جماعة السّيكاري للحصار الروماني أو أيّة معارك دارت خلال ذلك الحصار.

تعزِّزُ المعلومة الأخيرة وحقيقة استخدام فلافيوس لمصطلح "اللصوص" في إشارته إلى جماعة السّيكاري المتحصّنة في قلعة متسادا، الفكرة التي تقول إنّ المتمرّدين الذين تموقعوا في متسادا كانوا يفتقرون إلى الرُّوح القتالية. إذ يعتقد نحمان بن يهودا أنّه كان في وسع القوّات المحاربة على جبل متسادا أن تقتل الأفراد غير المحاربين ثمّ تخرج لملاقاة الرّومان والاشتباك معهم مهما كانت النتائج. ولكنّهم فضَّلوا قتل بعضهم البعض ولم يُقاتِلوا على الإطلاق. إلّا أنّ الرواية القوميّة الصهيونيّة تُسبِغُ على حالة متسادا وصف "المعركة الأخيرة" وتحديداً على جماعة السّيكاري – التي يُفضِّل آخرون تحاشي ذِكرها والتركيز على جماعة الغيورين التي تُوحي بمعان إيجابيّة أكثر من جماعة السِّيكاري. يوحي مصطلح "المعركة الأخيرة" بنوع محدد من أنواع البطولة بنظر بن يهودا، إذ يتعيّن على المرء خوض القتال حتّى آخر قطرة من دمه أو السعي إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر يستطيع إلحاقه بالعدو إن كان الموت محتوماً ولا مفرّ منه، وهو ما يتنافى ورواية متسادا التي يسردها فلافيوس والتي لا ترقى إلى منزلة "المعركة الأخيرة" ولا يمكنُ عدُّها كذلك. وأخيراً، يقتبس فلافيوس مقاطع مطوّلة من الخطابين اللذين ألقاهما إليعازر بن يهودا، واللذين كان لا بدّ منهما لإقناع 960 إنساناً في قلعة متسادا بالإقدام على الانتحار، وهو ما يؤشِّرُ إلى امتناع جماعة السِّيكاري المبدئيّ عن قتل أنفسهم ما تطلّب إقناعهم أكثر من مرّة.

الأركيولوجيا في خدمة القومية

على النقيض من رواية فلافيوس لأسطورة متسادا تقدِّمُ الصهيونيّة روايتها الخرافيّة القوميّة ويمكنُ تلخيصها كما يُلخِّصُها نحمان بن يهودا كالآتي: "كان قادة الثّورة الكُبرى التي سرت شعبيّتها من طائفة الغيورين [الزيلوت]... وقد سحق الجيش الروماني هذه الثّورة، واحتل القدس ودمّرها مع الهيكل الثاني... وفرّ الغيورون الذين نجوا من حصار المدينة وخرابها إلى قلعة متسادا... ومن هناك انبرى الغيورون لمضايقة الرومان وشكلوا تهديداً قرّر الرومان بسببه حشد مجهودهم الحربي الهائل بغية تدمير متسادا. ونتيجة لذلك جمع الرومان جيشهم... ووصلوا إلى متسادا. وهناك، أحاطوا بالقلعة وضربوا عليها الحصار. وبعد ثلاثة أعوام من المعركة البطوليّة التي خاضتها ثلّة من الغيورين في وجه الجيش الروماني العاتي، أدرك الغيورون القابعون على جبل متسادا أنّهم كانوا في وضع ميؤوس منه... فإمّا أن يلقوا حتفهم على يد الرومان، أو أن يتحوّلوا إلى عبيد. وخاطب القائد إليعازر أتباعه وأقنعهم كلهم بأنّه ينبغي عليهم أن يموتوا ميتة رجال أحرار... قرروا أن يقتلوا أنفسهم، في موت تلفّه البطولة ويكفل حريّتهم، بدلاً من أن يُمسوا عبيداً تعساء". وعن هذه الأسطورة يقول موشيه دايان، رئيس هيئة الأركان الإسرائيليّة السابق: "لا نملك اليوم إلّا أن نشير إلى الواقع الذي يقول إنّ متسادا أضحت رمزاً لبطولة الشعب اليهودي ولحريّته، وهي تقول له: حارب حتّى الموت، ولا تستسلم. فضّل الموت على الأسر والحرمان من الحرية".

وبناء على ما سبق، يجري بناء رواية متسادا الخرافية كما يراها بن يهودا من خلال تحويل حدث تاريخي مأساوي إلى أسطورة بطوليّة، وتتحوّل ثورة سيئة الحظ إلى حرب بطوليّة، ويتحوّل الانتحار الجماعيّ بدلاً من القتال، إلى معركة أخيرة خاضتها فئة قليلة في مواجهة فئة كثيرة لتجتمع عدد من العناصر التي تجعلُ من أسطورة متسادا خرافة مؤسِّسة في الرواية القوميّة الصهيونيّة. أوّلاً، كان المتمرّدون/مقاتلو الحرّية فئة قليلة وجنوداً شاركوا في معركة. أيضاً تغيبُ جماعة السِّيكاري لِصالح جماعة الغيورين الذين يوحون بمعانٍ إيجابيّة من قبيل "الغيرة لنيل الحريّة". وتختفي المجازر وأعمال النهب التي ارتكبتها جماعة السِّيكاري ويظهر المتحصّنون داخل القلعة كأنّهم آخر المدافعين عن مدينة القدس في وجه الغزاة الرومان رغم أنّهم كانوا طُرِدوا منها ولجأوا إلى القلعة قبل الغزو. يمتدُّ زمن الحصار في الخرافة إلى ثلاثة أعوامٍ بدلاً من بضعة أشهرٍ ويُصبِحُ الانتحار خياراً لا مناصّ منه وليس هناك بديلٌ له. وبدلاً من خطابين ألقاهما إليعازر لإقناع المتردّدين عن قتل أنفسهم يكون هناك خطابٌ واحدٌ فقط عاطفيّ لأنّ التردّد ليس من شيم الأبطال.

وفي النّهاية يتحقَّقُ الأثر المعرفيّ المُرادُ من الخرافة عند زيارة الموقع الأثريّ الذي تمّ تحويلهُ من قبل الدّولة خلال العقود الماضية إلى ضَريحٍ أثريٍّ يُدلِّلُ على "البُطولة اليهوديّة" والرُّوح القوميّة اليهوديّة الحُرَّة. وبحسب نوعا نويمرك، فإنّ العلاقة بين علم الآثار وبين السياسة والقوميّة في إسرائيل تؤثِّرُ تأثيراً بالغاً على المجتمع الإسرائيلي وقد أصبحت أداة مُساعدة في تأسيس العلاقة بين الشعب اليهوديّ والأرض. فمنذُ بداية القرن الـ20، بدأ اهتمامُ المجتمع اليهوديّ بالحفريات الأثريّة التي اعتُبِرَت أداة لتصديق الحقّ اليهودي على الأرض، وشكّل علم الآثار أداة شرعيّة عقليّة – منطقيّة لممثِّلي الصهيونية العَلْمانيّة لحكاية بداية الشّعب. كذلك استُخدِمَت الأركيولوجيا لتجسيد التاريخ القديم المشترك لجميع اليهود في الشّتات وبالتّالي تأسيس الماضي المشترك لليهود أينما كانوا، كبديلٍ عن ماضي الشتات المُبعثَر. ذلك انعكس في خلق سلوكٍ نمطيّ برعاية وتشجيع الدّولة في إسرائيل لدى طُلّاب المدارس، والجيش الإسرائيليّ، والسيّاح للمشاركة في الحفريّات الأثريّة في طقوسيّة استرجاعيّة للماضي اليهوديّ في الأرض. كما تمّ إنشاء علاقة إيحائيّة رمزيّة ما بين المكتشفات الأثريّة والرموز الوطنيّة في إسرائيل، وتعاظمت أهميّة علم الآثار في إسرائيل مع تنامي الشعور القومي الصهيوني لمحاولة إثبات أنّ الماضي اليهودي في فلسطين سابقٌ للماضي العربيّ.

الأركيولوجيا كأداة لتعميق السّيطرة

لا يقتَصِرُ عمل الأركيولوجيا الصهيونيّة على تأويل الموقع الأثريّ في فلسطين المحتلّة العام 1948 بل يمتدُّ ليشمل الضفّة الغربيّة المحتلّة ومحاولة إقصاء الفلسطينيّ عن الأرض والمواقع الأثريّة لغاية الاستيلاء عليها أرضاً وتاريخاً. ويُبيِّنُ تقرير سابق للمشهد الإسرائيليّ بعنوان: إسرائيل تنهب الأثريات الفلسطينيّة وتستخدمها كأداة لتكريس روايتها، كيف تعمل الأركيولوجيا الصهيونية الممأسسة على استغلال علاقات القوّة القائمة على الأرض لغاية الاستيلاء على الموقع الأثري ومن ثمّ القدرة على تأويله تاريخياً بما يتناسب والرواية القوميّة الصهيونيّة، أولاً. وثانياً، تشريع الاستيطان الصهيوني في الضفّة الغربية بحجّة يهوديّة المواقع الأثريّة وانتمائها لدولة إسرائيل والشعب اليهودي. وأخيراً، إقصاء الفلسطينيين الأصلانيين عن تاريخهم، حاضرهم، وطردهم من أرضهم بحجّة الماضي اليهودي في الأرض وأحقيّة الشعب اليهودي فيها. إذن تعمل الأركيولوجيا كأداة لتعميق السيطرة الإسرائيليّة على أراضي الضفّة الغربيّة وتوسيع المشروع الاستيطاني، وفي ذلك تعتمدُ إسرائيل على استغلال الأركيولوجيا لتكريس روايتها التاريخية عن الأرض كأرضٍ أبديّة للشعب اليهوديّ. وبحسب التقرير، تشكّل السيطرة الإسرائيليّة على المواقع والموجودات الأثريّة في الضفّة الغربيّة أداة مركزيّة لإقصاء الفلسطينيين عن هذه المواقع والموجودات الأثريّة، وتتيحُ لإسرائيل تأويل وتصميم رواية الآثار التاريخيّة.

بحسب إريك كلاين، أستاذ الكلاسيكيّات والأنثروبوجيا في جامعة جورج واشنطن، فقد شكّلت حفريّات يادين الاختراق الأوسع والريادي الأوّل من نوعه في مجال الأركيولوجيا الإسرائيليّة، تحديداً في الآليّات والوسائل التي استخدمها وفي عمله المعرفيّ الذي تلا انتهاء الحفريات والذي أسّس بشكلٍ واضحٍ لتداخل القوميّة الإسرائيليّة وحقل الأركيولوجيا بوصفه حقلاً أيديولوجياً. إلّا أنّ الدّمج الذي أقامه يادين بين القوميّة والأركيولوجيا لم يكن الأوّل من نوعه، بل ينتمي إلى نمطٍ شائع في الأركيولوجيا القوميّة الذي خلَقَ ما يعرف بالأركيولوجيا المُمأسسة كمجالٍ علميّ مستقلّ متبوعٌ بشبكة من الأدوات الدولانيّة وغير الدولانيّة، مثل المتاحف، المجتمعات الأكاديميّة، المجلّات الأكاديميّة، المواقع السياحيّة وغيرها من الأدوات التي ظهرت في أماكن كثيرة مثل الدنمارك وإيطاليا وألمانيا.

إلّا أنّ الحالة الصهيونيّة تظلُّ متفرّدة عن غيرها من الحالات التي فيها تندمجُ الأركيولوجيا بالأجندة السياسيّة، فكلاين يعتقد أنّ هناك نزوعاً لتحرير الأركيولوجيا من تأثير السّياسة والقوميّة، إلّا أنّ ذلك لا يكون ممكناً دائماً. ولكن، في الحالة الإسرائيليّة، فذلك يمكنُ أن يكون غير ممكن على الإطلاق في مجتمعٍ صهيونيّ يمينيّ متديّن ويمرُّ، برأي كثيرين، في أزمة هويّاتيّة تجعلهُ في أمسِّ الحاجّة إلى الخُرافة والأسطورة للتغلُّبِ على تناقضاته الدّاخليّة العميقة.

المصادر:
Decoding the ancient tale of mass suicide in the Judean desert, Eric H Cline, Aeon.
https://aeon.co/essays/decoding-the-ancient-tale-of-mass-suicide-in-the-judaean-desert
انتحار جماعة السيكاري في متسادا وتأصيل خرافة قومية، نحمان بن يهودا، قضايا إسرائيليّة، (73)، 2019.
الحفريات الأثرية في القدس منذ العام 1967: من مصنع الرواية التوراتية إلى مصنع الاستيطان، نظمي الجعبة، قضايا إسرائيليّة، (73)، 2019.
النشّاطيّة السياسية في علم الآثار في إسرائيل: من النظرية المقدسة إلى الممارسة السياسية، نوعا نويمرك، قضايا إسرائيلية، (73)، 2019.
إسرائيل تنهب الأثريات الفلسطينية وتستخدمها أداة لتكريس روايتها وللاستيلاء على الأراضي وتوسيع المستوطنات، تقرير خاصّ، المشهد الإسرائيليّ – مدار، 17 نيسان 2018.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

حاخامات يدعون لمنع تشكيل “حكومة تغيير نتنياهو” بأي طريقة

مستقبل "حكومة تغيير نتنياهو"

بغض النظر عن أي نتائج ناجزة، من المؤكد أنها لن تظهر إلا في المستقبل، سجلت القائمة العربية الموحدة تحت قيادة النائب منصور عباس سابقة خطرة بتوقيعها في الأيام الأخيرة اتفاقاً ينصّ على دخولها إلى الحكومة الإسرائيلية الأكثر هُجنةً التي توشك أن تتسلم مقاليد الحكم، في حال عدم ظهور عقبات تعرقل ذلك في آخر لحظة، وهي حكومة لا يجمعها جامع أكثر من هدف إطاحة بنيامين نتنياهو، ووضع حدّ لحكمه المستمر منذ العام 2009.

وتؤكد القائمة الموحدة أن دوافعها براغماتية، غير أن سلوكها ينطوي في العمق على تجاهل لخصوصية الفلسطينيين في إسرائيل حتى لدى التعامل معهم باعتبارهم أقلية، وهي خصوصية ناجمة عن كونهم أقلية وطن وليسوا أقلية مهاجرين، وعن كونهم جزءاً من الشعب الفلسطيني، والحل العادل لقضيتهم لا يمكن أن يكون سوى جزء من الحلّ الكليّ لقضية فلسطين.

للمزيد
سلاح الجريمة بين الفلسطينيين في إسرائيل: حصاد مرّ.

معطيات رسمية: جرائم القتل بالسلاح في المجتمع العربي بين 2013 - 2019 ثلاثة أضعاف نظيرتَها في المجتمع اليهودي!

نشر مراقب الدولة في إسرائيل، مؤخراً، المزيد من فصول تقريره السنوي المفصل، وأفرد مساحة واسعة فيه لموضوع تحت عنوان "تعامل شرطة إسرائيل مع حيازة الأسلحة غير القانونيّة وحوادث إطلاق النار في بلدات المجتمع العربيّ والبلدات المختلطة". وهو ينوّه إلى أن هذا بمثابة "مراقَبة متابعة، والتقرير الحاليّ هو تقرير متابَعة، يقوم بمراجعة عدد من المواضيع التي ناقشها التقرير السابق إلى جانب مواضيع أخرى". التقرير السابق صدر في آب عام 2018، وتناول عدداً من القضايا، من بينها مصادر الوسائل القتاليّة، ومعالَجة محطّات الشرطة لمخالفات الوسائل القتاليّة، ومديريّة المجتمع العربيّ في الشرطة، وخطّة "مدينة خالية من العنف".

للمزيد
ياريف ليفين.

ياريف ليفين: حان الوقت لإجراء تغييرات أساسية في الجهاز القضائي الإسرائيلي

[تعريف: تمثل هجوم اليمين الإسرائيلي على الجهاز القضائي عامة والمحكمة العليا الإسرائيلية، في الآونة الأخيرة، في مقالة نشرها رئيس الكنيست ياريف ليفين، من قادة الليكود وأحد أبرز المقربين لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، قبل نحو عامين، ونعيد هنا نشر مقاطع واسعة منها كونها توضح خلفية هذا الهجوم ومراميه]:

للمزيد
الأحد, يونيو 13, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

الاشتراك في قناة التيليجرام

telegram

متابعينا الأعزاء يرجى متابعة قناة مدار على التيليجرام

 إشترك الآن