شاهدنا مؤخراً شريطاً يسأل فيه إسرائيليّ مستعمِر أطفالهِ "هل تُريد إطعام بدويّ؟" كبرهان على العنصرية في إسرائيل. انتشر الشريط حديثًا، وأثار غضب الفلسطينيين على مواقع التواصل الاجتماعي، ودفعهم للكتابة والتعبير عن العنصرية المتجليّة في المشهد الذي تظهر فيه شخصيّة إسرائيليّة فنيّة وأفراد عائلته يركبون سيارتهم في صحراء النقب، التقوا بطفلين وفتح النوافذ ليطلّ عليهم ومعه قطعة حلوى سائلاً أحد أولاده "هل تُريد إطعام بدويّ؟".

شعرَ المجتمع الفلسطينيّ بالإهانةِ، تجاه هذا السؤال والمشهد والصورة. فجاجة المشهد؛ أي سطحيّتهِ ومُباشرتهِ، اخترقت أجسادنا، وأيقظت إحساسنا بالعنصريّة، ومحاولةِ بناءِ دونيّتنا، كفلسطينيين عموماً، والبدو في النقب خصوصاً. السؤالُ المطروح أمامنا: كيف تستطيع العنصريّة (الفوقيّة العرقيّة الصهيونية) الفجّة السطحيّة (وليسَ تخفيفاً من أثرها)، أن تُهيمن على الوعي بالمشهد الكولونياليّ في فلسطين التاريخيّة، من خلال سرعةِ انتشارها وأثرِها على الجميع وتُصبح هي الأساس أو المحرّك للتعاطي مع العنصريّة بشكلها العامّ؛ التي يتأسس عليها النظام الإسرائيليّ في كلّ فعلٍ منظمّ ضدّ الفلسطينيين، من سلب الأراضي، إلى الفقر، وتأطيراً بالتربية والتعليم.

السطح الذي نتحدّث عنهُ، نتعرض له في أحداثٍ وظروفٍ متباعدة وغير متزامنة. على سبيل المثال؛ أخبركَ إسرائيليّ مستعمِر، حينما تحدّثت بالعربيّة في مقهى، أن تخفض صوتك. أو صاحب العمل أخبرك أنت وزميلك، أن لا تتحدثا بالعربيّة في العمل. هذهِ الأحداث مفاجئة ومُربكة وهي تطفو على السطحِ من خلال مُباشرتها، وبالتالي ألمها أو أثرها قصير، وهذهِ الصور هي فعلاً التي تُهيمن على الوعي فيما يخصّ العنصريّة.

إذاً، كيف نستطيع أن ندخل إلى العُمق، أو كيف نستطيع أن نرى العلاقة ما بين السطحِ والعُمق؟

بدايةً، ولنُحدث طبقةً جديدة في الوعي بالعنصريّة، علينا أن نفهم السياقات التي شكّلت المشهد الأخير في سؤال "هل تُريد إطعام بدويّ؟"، ما هي المستويات التي مكّنت دونيّة البدويّ في المنظور العنصريّ الكولونياليّ؟ أولاً هذهِ الكلمات توضّح لنا أن منطقة النقب العربيّة، والقصد أينما يسكن الفلسطينيون، هي منطقة تحت خطّ الإنسانيّة؛ أي منطقة "عدم الوجود" وفقاً للتعريفات الكولونياليّة الصهيونيّة.

تعبّر التعريفات التي تبنيها المؤسسة الصهيونيّة لدرجاتِ الإنسانيّة عن درجات أو مراتب في التراتبيّة الاقتصاديّة/ المادّية في فلسطين التاريخيّة وتأخذ طابعاً معيارياً.

كتب أستاذ في قسم الدراسات العرقيّة في جامعة كاليفورنيا، رامون غروسفوغل، مقالةً بعنوان "ما العنصريّة؟"، يشير فيها إلى أن تشكيل الخطّ الفاصل ما بينَ الإنسان ودونَ الإنسان من الممكن ملاحظته من خلال المناطق الجغرافيّة، التي تشكّلت فيها تراتبيّات تم إنجازها تاريخياً ويُعاد إنتاجها في سياق المشهد الاستعماريّ الأوروبيّ، حين يتمازج الثقافيّ والاقتصاديّ والسياسيّ، لإقصاءِ جماعات على أساساتٍ عنصريّة في مناطق "عدم الوجود"؛ أي المناطق غير الأوروبيّة (غروسفوغل، رامون. ما العنصرية؟ مؤمنون بلا حدود، ترجمات قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية. 2016، ترجمة العياشي الحبوش في العام 2019).

يساهم غروسفوغل في تفكيكٍ لجميعِ المستويات التي تتأسس عليها العنصريّة الحديثة، التي انطلقت تاريخياً مع الاستعمار الأوروبيّ، بالتالي حين نرى أن المنطقة والمساحة هما معيارٌ مهمّ في تشكيل العنصريّة، يعبرُ بنا من السطحِ أي الأحداث المؤقتة والاحتكاكات العنصريّة العابرة مع الإسرائيليّ المستعمِر، التي تواجهنا وتزعجنا وتُربكنا، إلى فهمٍ مادّي للعنصريّة، ونستطيع أن نراها من حولِنا في قُرانا ومُدننا وأيضاً الأحياء العربيّة في مقابل الأحياء أو المساحات التي يسكن فيها الإسرائيليّ.

المنطقة والجسد هُما المادّة التي تتمظهر بهما العنصريّة، وهُنا المظهر يُقصد بهِ التعديلات المادّية والفيزيائيّة على الحياة اليوميّة للفلسطينيين. على سبيل المثال، أذكرُ زيارتي إلى صديقي الذي انتقلَ حديثاً لقريةِ حورة في النقب، وجدتها فعلاً "خاويةً على عروشها" في العامِ 2013، ولاحظتُ أنها فارغة وعليكَ السير كثيراً حتى تجد مطعماً أو دكاناً أو مؤسسة طبيّة أو مدرسة أو محطات النقل العامّ، فهي بالفعل شحيحة، وصُدمت بطُرق العيش، علماً أن البلدة المقارنة في مخيّلتي لم تكن تل أبيب، بل باقة الغربيّة وبالطبع حياتنا اليوميّة هنالك صعبة جداً من نواح عدّة، إلا أنّ تشكّل الحياة المادّية والاجتماعيّة في حورة كان أدنى بدرجاتٍ، وحينما ننظرُ إلى هذهِ المشاهد اليوميّة نستطيع فعلاً أن نرى تشكّلات العنصريّة من خلال المساحة التي تحيطنا، وكيف أننا نعيش في مناطق "عدم الوجود" إلا أنها متفاوتة، ولا تخضع لنفسِ المعايير الكولونياليّة، فالعنصريّة ليست موقفاً يحدث وينتهي، إلا أنها واقع يتشكّل أمام أعيننا بدرجات وأساليب متعددة.

أنشأت المنظومة الكولونياليّة في فلسطين التاريخيّة أجساداً متفوقة عرقياً، مقابل أجساد أدنى، بالموازاة مع مناطق "الوجود" ومناطق "عدم الوجود". تشكُّل الجسد الفلسطيني وخصوصاً البدوي ممن يعيش في قرى وبلدات النقب، يصبح مباشرةً خاضعاً لحياةٍ يوميّة، صعبة، فقيرة، ومنهكة. وهذهِ الظروف هي أيضاً تشكّل أجسادنا من جديد، ونكبر مع هذهِ التفاصيل، بالتالي يشاهدها المستعمِر وينظرُ إلينا، دونَ التراكمات الكولونياليّة المحفورة على منطقتنا وأجسادنا، بالتالي يُبدي بكلماتهِ أو بإشارةٍ من وجههِ فوقيّته العنصريّة.

إذاً، الجسد في داخل مناطق "عدم الوجود" غير معترف بهِ داخل مؤسسات الدولة التي تعنى بالمواطنين، فتصبح كجسد خارج هذهِ الخطّة. وقامَ الأنثروبولوجي غسان حاج بصياغة مقاربة لفهمِ "كيف تصبح خارج الخطّة"، بدايةً أوضحَ مفهوم الأيديولوجيا، كما جاء عند الفيلسوف الفرنسيّ آلتوسير، بأن الفرد يولد لمجتمعٍ مع وظيفةٍ أيديولوجيّة بنيويّة، منذُ طفولتهِ يأخذ دوراً أيديولوجياً في تكوين المجتمع، وتتشكّل هذهِ الأدوار وتتبدل مع تقدّم عمرهِ. من اسمك الشخصيّ، إلى أن تصبح أباً وعاملاً وما إلى ذلك. هذا ما سماه آلتوسير "المساءلة" Interpellation، والقصدُ عندما يسألك أحد في الشارع "ما اسمك؟" تجيب "محمّد"، فهُنا يكون السؤال تأكيداً على دورك ووظيفتك الأيديولوجيّة من هذهِ التفاصيل العابرة السطحيّة إلى التفاصيل المهمة والعميقة (Ghassan, Hage. Multiculturalism and the Ungovernable Muslim. in Essays on Muslims & Multiculturalism Ed. Raimond Gaita, Text Publishing, 2011 pp. 155-186.).

ويعقّب هُنا حاجّ بأن العنصريّة هي فشل لهذا النظام الأيديولوجي، بمعنى أنك تحمل اسما عربياً في إسرائيل أصبحَ خارج هذهِ المنظومة الأيديولوجيّة، فهُم يبحثون عن "أريئيل" وهكذا.. المنظومة الأيديولوجيّة تنبذك ولا ترغب بكَ داخلها، ولا تعترف بكَ، ولا تعمل لأجلك. إذاً، الجسد الفلسطيني خارج الخطّة الأيديولوجيّة المعدّة لهذا المجتمعِ الكولونياليّ، كونك موسوماً نظرياً ومادياً بأنك خارج المجتمع.

ومستوى آخر، يُحدّد الجسد في التراتبيّة أو التسلسل العرقيّ الذي أنشأتهُ دولة إسرائيل؛ موقعك ضمنَ سوقِ العمل والإنتاج والاقتصاد. في العام 2017 أجرت جمعيّة الجليل مسحاً اجتماعياً اقتصادياً للفلسطينيين بالداخل، ووجدت أن ما يقارب 65% من الفلسطينيين في النقب خارج القوى العاملة وفقَ تعريفات الدولة وبياناتها الرسميّة، مما يبيّن تشكّل مناطق "عدم الوجود" في الجنوب، كونها خارجة عن الخطّة الأيديولوجيّة العامّة للدولة (أحمد، محمد ومحمد، خطيب وسوسن، مرجية. الفلسطينيون في إسرائيل- المسح الاجتماعي الاقتصادي الخامس، جمعية الجليل، 2017. ص 195-200).

وهُنا نسأل كيف تشكّلت مناطق "عدم الوجود" في النقب تاريخياً، وما هي الممارسات التي تُقصي الفلسطينيين؟

تتشكّل منطقة "عدم الوجود" سياسياً منذُ العام 1948، بعدما طُردت غالبيّة القبائل في النقب، وجرى تهجير ما يقارب 80 ألف فلسطينيّ بدويّ من النقب، أي البداية كانت من خلال الهيمنة وسلب الأراضي من مُعظمهم. بالتالي عُزل الباقون في مناطق محددة، وتمّ قطع حركتهم وزراعتهم، بمعنى تحطيم نمط معيشهم الاجتماعيّ والاقتصاديّ حتى العام 1966 من خلال الجهاز العسكريّ. وبعدَ ذلك بدأت عمليّة "التمدين القسريّ" التي تحفّز السيطرة على الأراضي وإزاحةِ الفلسطينيين في النقب مرةً تلو المرّة وفقاً للحاجات الكولونياليّة السياسيّة (إسماعيل، أبو سعد. البدو الفلسطينيون الأصلانيون في النقب: تمدين قسريّ وحرمان من الاعتراف. في "نديم روحانا وأريج صباغ- خوري، الفلسطينيون في إسرائيل- قراءات في التاريخ والسياسة والمجتمع". مدى الكرمل، 2015، ص 133-140).

حافز السيطرة على الأرض مرتبط بشكلٍ خاصّ مع النقب، حيث المساحات الواسعة والأراضي، التي تحقّق طموحات التوسّع والبناء والتطوير المعدّ للمستوطنين فقط. ونذكر أن العنصريّة إزاء الفلسطيني عموماً والبدويّ خصوصاً في هذهِ الحالة، تتأسس مع مهمّات الدولة الحديثة والمخطّط الأيديولوجي لهذهِ الدولة، فهي لا تراه جزءاً من هذا المخطّط ولا تعترف بهِ، بل تسعى لمحوهِ سياسياً ومادياً. وهذا بُعد آخر نضيفه إلى العنصريّة في سياقٍ استعمار استيطانيّ: أن أجهزة الدولة الأيديولوجيّة ليسَ فقط لا تعترف بكَ كجُزء من المنظومة، كما هي الحال مع المجموعات المسلمة في أستراليا مثلاً، بل تسعى لحذفكَ.

لننظر مرةً أخرى إلى العُمق في علاقتهِ بالسطح، فيما يخصّ العنصريّة. حينما ينظرُ إسرائيليّ مستعمِر إلى بدويّ، يُريد أن يراه وفقَ مخيّلتهِ العنصريّة، يريد أن يشعر بالتراتبيّات والتسلسل العرقي في فلسطين التاريخيّة. النقب كصحراء، والفلسطينيون البدو الساكنون في هذهِ الصحراء، تُمارس عليهم سياسات التحكّم والإبعاد والإقصاء الجماعيّ؛ تُعيد إنتاجهم كـبدو مع الرمزيّات الاستشراقيّة، وهُنا العبور من السطحِ الشكل إلى العُمق والممارسة والمنظومة.

وما نراهُ خصوصاً في النقب، أن نصف القرى والبلدات العربيّة رسمياً هي مناطق "عدم الوجود" بمعنى التعريفات التي وضعها غروسفوغل المذكور أعلاه، لا تستطيع رصدها رسمياً وخاصّة في القرن الماضي والقرن الحالي. إلا أن بدو النقب تُمارس عليهم منظومة قانونيّة تعرّفهم ومنطقتهم أنهما يقعان في "عدم الوجود"، أي ما دونَ الخطّ الإنسانيّ الذي يعيشهُ الإسرائيليّ في فلسطين التاريخيّة، وفي النقب أيضاً (المصدر نفسه).

ويميّز غسان حاج في مقالةٍ أخرى نشرها في "مجلة الدراسات الفلسطينية" الفرق بينَ «عدم المساواة التوزيعية» مقابل «عدم المساواة الانتزاعية» ويذكر أن إنتاج "عدم المساواة الانتزاعية من خلال العلاقة ذاتها تحديداً بين الطرفين غير المتكافئين، مثلما هي الحال مع مفهوم ماركس للاستغلال، والذي ينمو فيه طرف ويحصل على المزيد على حسابِ الانتقاص من الآخر. أما في حالة عدم المساواة التوزيعية فالعلاقة ذات طبيعة معرفية وليست وجودية" (غسان، حاج. فلسطين والغرب: الاستعمار ونقطة اللا انتماء الراديكالي. مجلة الدراسات الفلسطينية، داخل ملف "فلسطين في مرايا الثقافة العربية"، 119/ 2019. ص 145-150).

يتضح لنا معنى العنصريّة العميق، في السياقات الكولونياليّة، أنه يتخلّل ديناميكيّة تقصي الوجود الإنساني للمجموعات الأصلانيّة. وفي فلسطين التاريخيّة يتمّ وضع تعريفاتٍ قانونيّة لتحدّد درجات الإقصاء والإخضاع والسلب، لمناطق "عدم الوجود"، والنقب حيثُ تعيش مجموعة فلسطينيّة على أرضٍ واسعة حُددت على أنها الأدنى في التسلسل العرقي/ الجغرافي للسياسات الكولونياليّة الإسرائيليّة. وأعتقد أن أمثلة من العقدِ الأخير فقط، مشروع برافر، العراقيب، وأم الحيران، تبيّن لنا عُمق العنصريّة الانتزاعيّة ضدّ المجموعة الفلسطينية البدويّة، المتمازجة مع أنماط استشراقيّة لـ "شكلٍ ثقافيّ بدويّ".

ونعود ختاماً للمشهد الذي تتداخل بهِ جميعِ مستويات العنصريّة، التي حاولنا توضيحها في هذا المقال: مستعمِر من مناطق "الوجود"، مثل تل أبيب أو هيرتسليا، يذهبُ بعائلتهِ ليتنزّه في منطقةِ "عدم الوجود" في النقب، ينظرُ للطفلين، اللذين حُفرت على وجهيهما أشكال القهر وممارسات كولونياليّة تاريخيّة، وينظرُ إلى أحدِ أطفالهِ ويسأل "هل تُريد إطعام بدويّ؟"، كي يستطيع أن يُمارس "إنسانيّته" التي تظهر وتبرز من منظورهِ على أنقاض وحُطام إنسانيّة الطفلين.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أغسطس 12, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية