كانت حالة اليسار في إسرائيل حتى قبل اندلاع وباء الكورونا سيئة. فبعد الانتخابات الأخيرة (آذار 2020)، اتحد حزب العمل المتحالف مع حزب "غيشر"، مع حزب ميرتس بهدف اجتياز نسبة الحسم (السقف الأدنى الذي يجب وصوله كي تصل إلى تمثيل برلماني في الكنيست الإسرائيلي). كان القصد من وراء هذا الاصطفاف الجديد هو الانضمام لاحقاً لدعم الكتلة الائتلافية التي يقودها بنيامين غانتس، التي كان من المفترض وفقاً لحسابات الاستطلاعات أن تحل محل ائتلاف الحكومة اليمينية. وهي الكتلة اليمينية التي يتزعمها بنيامين نتنياهو منذ 11 عاماً، والذي لم يقُد إسرائيل إلى الحكم الاستبدادي فحسب، بل قُدمت ضده أيضاً اتهامات خطيرة في بنود خرق الثقة والاحتيال والرشوة، ومن المتوقع أن يُقدم للمحاكمة.

كانت هناك للحظة بارقة من الأمل عندما فازت في الانتخابات الكتلة البديلة لتلك اليمينية بـ 62 مقعداً، وحصل زعيمها غانتس على تفويض من رئيس الدولة رؤوفين ريفلين لتشكيل الحكومة. ولكن سرعان ما انطفأت البارقة الخاطفة عندما قرر غانتس تشكيل حكومة مع بنيامين نتنياهو، مما أدى إلى تفكك التحالف الواسع "كحول لفان (أزرق أبيض)". ومن باب إضافة الملح إلى الجرح الناجم عن هذا التطوّر، قرر عمير بيرتس، الذي ترأس الكتلة التي سميت كتلة اليسار، الانضمام إلى هذه الحكومة وتفكيك هذا اليسار وسحقه.

يجب القول إنه منذ انتخابات آذار 2019 لم تظهر "الكتلة اليسارية" كجسم متماسك، حيث تفرق جمهور مؤيديها في عناوين الإدلاء بأصواتهم. فقد قادت الاعتبارات الاستراتيجية حوالي 50% ممن يعتبرون أنفسهم يساريين إلى التصويت لتحالف "كحول لفان"، وحوالي 40% الى التصويت لحزبي العمل وميرتس، وحوالي 10% للتصويت لصالح القائمة المشتركة. والآن يواجه اليساريون وضعاً من انعدام الحيلة: بدون قيادة وبدون إطار. هذا وضع غير مسبوق. في الثمانينيات والتسعينيات، عرّف حوالي 35% من اليهود في إسرائيل أنفسهم بأنهم يساريون ووجدوا لهم بيتاً ومأوى سياسياً بشكل أساس في حزبي العمل وميرتس، أما في السنوات الأخيرة فهناك حوالي 10-15% فقط من اليهود يعرّفون أنفسهم من خلال هذا التصنيف وليس لديهم بيت سياسي.

هناك أسباب مختلفة قد دفعت اليسار إلى هذا الوضع، وعلى الرغم من وجود تفسيرات مختلفة لتدهوره الدراماتيكي، فإننا نركز في هذا المقال على خمسة أسباب رئيسية:

من الممكن أن نبدأ بأسباب ديموغرافية، وحصول تغيّر في هيكل المجتمع الاسرائيلي لصالح اليمين، وخيبة الأمل من أفكار اليسار الاقتصادية في جميع أنحاء العالم، وهي خيبة تضعف اليسار أيضاً في إسرائيل. ففي إسرائيل، تقع قضايا الأمن والصراع دائما في محور الانتخابات، مما يدفع القضية الاقتصادية والاجتماعية إلى الهامش. في كل مرة يحاول فيها حزب اليسار وضع هذه القضية في المركز، تتضاءل قوته الانتخابية. يجب الإشارة أيضاً الى أحداث مطلع القرن الحادي والعشرين (فشل مؤتمر كامب ديفيد واندلاع الانتفاضة الثانية والانسحاب من غزة). هذه الأحداث المؤسِّسة، إلى جانب شكل تفسيرها وتأطيرها من قبل كبار الزعماء، أدت إلى تحطم اليسار الذي بدأ أعضاؤه في التحرك إلى اليمين.

وأخيراً، يجدر التذكير بهمسة بنيامين نتنياهو الصاخبة في أذن الحاخام قدوري: "لقد نسي اليسار معنى أن يكونوا يهوداً، ويعتقدون أنه يجب وضع أمننا في أيدي العرب. العرب سيهتمون - سيعطونهم جزءاً من أرض إسرائيل وهم سيهتمون بنا؟". وقد أعطى بهذا إشارة للتحريض المستمر والمنهجي الذي دفع اليسار إلى الوقوف على هامش المجتمع. يجب على المرء بالتأكيد أن يضيف إلى هذه الأسباب نهج اليسار الذي لم يتمكن من الاستيطان في قلوب أفراد المجتمع، وبنظر عدد غير قليل قام بإبعادهم.

ومع ذلك، على الرغم من الانخفاض الدراماتيكي في قوة اليسار، إلا إن روحه لا تزال تنبض بالحياة. من بين الناخبين اليهود، هناك حوالي 700000 ناخب عرفوا أنفسهم بأنهم يساريون. إنها قوة سياسية كبيرة على الرغم من نزع الشرعية عنها والتحريض عليها من قبل اليمين ونتنياهو. هذا الرقم أعلى من أولئك الذين لديهم الحق في التصويت في قطاع اليهود الحريديم وأعلى بكثير من كل أولئك الذين لديهم الحق في التصويت من تيار الصهيونية الدينية. لا يمكن لأي قوة سياسية أن تبني بديلاً للحكم اليميني بدون مشاركة فاعلة من اليساريين.

وهنا يطرح السؤال عن خصائص اليساريين لتشخيص رؤيتهم للعالم. دعونا نلقي نظرة على بعض منهم بالمقارنة مع اليمينيين.

خصائص جمهور مؤيدي اليسار بالمقارنة مع اليمينيين

بادئ ذي بدء، يشير مفهوم اليسار في إسرائيل إلى خاصية الارتباط بمسألة الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. وفقاً لاستطلاعات مؤشر السلام في أيار 2017 – شباط 2020، في حين أن 88% من اليساريين يعرّفون سيطرة إسرائيل على "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية المحتلة) بأنها احتلال، فإن 13% فقط من اليمين يحددون الوضع على هذا الشكل. 9% من اليساريين يعلنون أنهم على استعداد لتطبيق السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة وهذا مقابل 73% ممن هم في اليمين. 82% من اليساريين يؤيدون حل الدولتين، بينما يؤيده 24% فقط من اليمين. 78% من اليساريين يؤيدون إزالة المستوطنات المعزولة، لكن 7% فقط يؤيدون ذلك من اليمين. وأخيراً، بينما يؤيد 53% من اليساريين إعلان الأحياء الشرقية من القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، فإن 8% فقط من اليمينيين كانوا يدعمون ذلك في وقت إجراء استطلاع المؤشر المذكور.

لكن هذا التشخيص ليس سوى جزء من الخصائص. يتضح أن الفهم الذي وصفناه أعلاه يتماشى بشكل جيد مع الموقف نحو مسائل الديمقراطية والقومية والهوية اليهودية، والموقف تجاه الآخر والموقف نحو الشعوب الأخرى وأكثر من ذلك. إنها في الأساس متلازمة كاملة من المواقف التي تشكل معاً نظرة شاملة للعالم. بالنظر فقط إلى البيانات المتعلقة بقضايا الديمقراطية، والتي تم أخذها من الاستطلاعات التي أجريت في عامي 2019-2018 من قبل البروفسور تمار هيرمان من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية والبروفسور سامي سموحه من جامعة حيفا، تتضح الصورة التالية:

في حين أن 85% من اليهود اليساريين في إسرائيل يدركون أن الحكم الديمقراطي في خطر، فإن 29% فقط من اليمين يشخصون الواقع بهذه الطريقة. 73% من اليسار يؤيدون انضمام الأحزاب العربية إلى الحكومة، بينما 9% فقط من اليمين يؤيدون ذلك. 90% من اليسار يعارضون مصادرة صلاحية المحكمة العليا في إلغاء القوانين التي لا تتوافق مع قوانين الأساس، بينما 46% فقط من اليمين يعارضون مصادرة تلك الصلاحية. يعارض 81% من اليسار الادعاء بأن منظمات حقوق الإنسان والمواطن تتسبب في إلحاق الضرر بدولة إسرائيل، بينما يعارض ذلك 15% فقط من اليمين. 83% من اليسار يعارضون حصول اليهود على امتيازات في الحقوق في دولة إسرائيل بينما يعارض ذلك 53% من اليمين. 35% من اليسار يؤيدون الحاجة إلى زعيم قوي يمكنه معالجة المشاكل ذات الطبيعة الخاصة في إسرائيل، بينما 66% من اليمين يؤيدونها. وأخيراً، فإن المؤشر فيما يخص مسألة وثيقة الصلة بالراهن، يظهر أن 7% فقط من اليسار يدعمون التدابير التشريعية لمنع مقاضاة رئيس الحكومة الذي قُدمت ضده لوائح اتهام، بينما يؤيدها 39% من اليمين. مواقف تيار الوسط (حوالي 20%) هي من بين مواقف اليساريين واليمينيين الذين يشكلون حوالي 65% في المجتمع اليهودي.

تظهر هذه الاختلافات بين اليسار واليمين أن هناك فجوة أيديولوجية كبيرة بين المجموعتين المتقاطبتين. هذه المواقف لدى اليسار ليست نتيجة لهذا السياق أو ذاك، ولكنها تعبر عن رؤية شاملة متماسكة بالكامل تستند إلى قيم راسخة، والأمر كذلك بالنسبة الى مواقف اليمين. بالنسبة إلى الكثيرين، تم تجذير هذه الرؤى الشاملة من خلال سيرورة طويلة من التنشئة الاجتماعية في الأسرة والبيئة القريبة، كما هي الحال في قطاعات أخرى من المجتمع الإسرائيلي. من الممكن تغيير وجهة نظر سياسية شاملة بشكل عام، لكن الأمر يستغرق وقتاً طويلاً ما لم يقع حدث حاسم يقوّضها ويجبر صاحبها على إعادة النظر في مواقفه. خلاف ذلك، يعتمد الشخص تلك المواقف تلقائياً وعفوياً ومن خلال رفض المعلومات التي تتعارض مع وجهة نظره الشاملة.

الخيارات التي تواجه اليسار في خضم الأزمة الهائلة

تتواجد دولة إسرائيل حالياً في خضم أزمة هائلة لا يبدو أنها ستنتهي في الأفق المنظور، وهي تترك آثارها على جميع مراكز الأعصاب في المجتمع: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. من غير المعروف ما هي طبيعة المجتمع الذي سينشأ من داخل الأزمة. في المعسكر اليساري حتى بعد تحطمه، يطرح السؤال حول كيفية إعادة البناء. في رأينا، نحن أمام ثلاث طرق مختلفة من الصعب الاختيار فيما بينها.
وسوف نعرض هذه الطرق ونشير إلى إيجابيات وسلبيات كل منها.

طريق الغمز نحو الوسط - هذه هي الطريق التي ذهب بها حزب العمل في فترة ترؤس آفي غباي له- للتحرك نحو الوسط، وملاءمة وجهات النظر المركزية للحزب مع وجهات نظر جمهور أوسع في الوسط حول قضايا مختلفة. ميزة هذه الطريقة هي معرفة مواقف الوسط واليمين. لكن النقص الملحوظ فيها هو الفشل المعروف في استخدامها. ففي الخريطة السياسية الحالية، يوجد لأتباع تيار الوسط بيت سياسي في "يش عتيد (يوجد مستقبل)". لا يستطيع اليسار، على الرغم من محاولاته الحثيثة، اختراق المجموعات التي تدعم الوسط أو وجهات النظر اليمينية. بالإضافة إلى ذلك، تتطلب هذه الطريقة التخلي عن قيم أساسية ورموز ومبادئ لليسار، وبالتالي يجري كسر البنية التحتية المفاهيمية لليسار كمجموع. هذه الخيانة تُحبط المؤيدين الأيديولوجيين لليسار الذين لا يرون بأن هذه الطريق تمثلهم.

الطريق الثانية هي من خلال إعادة تأهيل اليسار التقليدي على شكل ما قام به حزب ميرتس. يعتمد هذا المسار على التصورات والقيم الأساسية لليسار ويحاول بناء معسكر مستقر ليشمل أيضاً جمهوراً عربياً من المواطنين. الميزة الرئيسة لهذه الطريق هي السهولة التي يمكن تحقيقها بها بفضل قوّة الدفع الذاتي وسهولة جذب الناخبين الذين هم على دراية بتوجهات هذا المعسكر. بهذه الطريق، يمكن التعبير عن القيم والنظرة الأصيلة لليسار. ولكن بمجرد فشل الطريق، يجب تجديدها بقيادة جديدة وبنية تحتية مفاهيمية جديدة ذات صلة بحيث يكون من شأنها تلبية احتياجات المؤيدين وجذب المزيد من الناخبين، كل هذا في حين أن ظروف أزمة كورونا ستجعل بصماتها لفترة طويلة. إن بناء البنية التحتية المفاهيمية هو محور التجديد. يجب أن تتم معالجة المشاكل الأمنية الوجودية المزمنة، وقضايا الأمن الاجتماعي والاقتصادي التي أصبحت الآن في صميم كل شرائح المجتمع، والضم (لمناطق في الضفة الغربية) الذي لم يعد زاحفاً بل يندفع بكلّ قوة، ومسألة الهوية التي تربك الناس، وضرورة إنهاء الاحتلال وتحقيق اتفاق السلام كحل للأثمان الباهظة التي يدفعها المجتمع، والأضرار الهائلة اللاحقة بالديمقراطية بكل مكوناتها. إنها ليست مهمة سهلة بل تتطلب فكراً ورؤية واسعة وعميقة، وحشدا للقوى الشابة، وبناء علاقات جديدة مع المواطنين العرب، وبناء قيادة تمثيلية تبني الثقة وتبني المعنى.

لا توجد طريق مكللة بالورود ولكل منها يوجد ثمن

الطريق الثالثة هي من خلال بناء شراكة يهودية عربية، من خلال إنشاء حزب جديد أو اندماج الأحزاب القائمة في إطار واحد. إن وجود قائمة يهودية عربية تشاركية نصف ممثليها عرب ونصفهم الآخر من اليهود، والتي تطمح إلى الديمقراطية بمساواة كاملة وتسعى إلى إنهاء الاحتلال، لن تشكّل التحقيق الفعلي للقيم اليسارية فحسب، بل ستكون أيضاً رداً ساحقاً على اليمين الذي يبني سلطته على استبعاد العرب. العيب الرئيس لمثل هذه الخطوة هو في الأساس صعوبة تنفيذها. السبب الرئيس لهذه الصعوبة هو ميل الجمهور الواضح والمعروف للتصويت القومي. يريد اليهود التصويت لليهود ويريد العرب أن يصوتوا للعرب. من المشكوك فيه أنهم سيحصلون على قائمة ثنائية القومية في المستقبل القريب. النجاح المبارك للقائمة المشتركة يجعل هذه الخطوة أكثر صعوبة. العرب أكثر نجاحاً من أي وقت مضى، لذلك ففي هذه الحالة ليس لديهم دافع كبير للتعاون مع اليسار اليهودي الذي يظهر الآن أضعف من أي وقت مضى. تكمن الفوائد المهمة لهذه الطريقة في مجال الرؤية المستقبلية: إذا نجحت هذه الخطوة، فستشكل اختراقاً في معالجة القضايا الرئيسة: إنهاء الاحتلال، وتحقيق المساواة المدنية، وتعزيز الديمقراطية في إسرائيل، وبناء مجتمع الرفاه.
يوضح هذا التحليل أنه لا توجد طريق مكللة بالورود. لكل منها يوجد ثمن. من منظور واقعي، تبدو الطريق الثانية أكثر جدوى بينما تقدم الطريق الثالثة رؤية جديدة للمستقبل البعيد.

نحن نعتقد أن إنشاء قوة عربية يهودية مشتركة، تتضمن أيضاً القائمة المشتركة، يمكن أن تكون على الأقل معارضة مقاتلة وفعالة. ومن الواضح أيضاً أن هذه القوة يجب أن تتعاون أيضاً مع قوى الوسط، التي يجب أن ترى في وجهات نظر اليسار شرعية في الفضاء الديمقراطي التعددي، جنباً إلى جنب مع القائمة العربية المشتركة. إن ربط كل هذه القوى معا، هو وحده ما سيسمح ببناء بديل عملي لليمين في خضمّ وضع تنزلق فيه البلاد إلى نظام استبدادي مع اقتصاد= رأسمالي قومجي، عنصري وخنازيري. قد يكون الربط بين الطريقين الثانية والثالثة سيعطي أفضل حل لجمهور يساري كبير يبحث عن بيت سياسي. ربما هذا هو الحل الأفضل بين البديلين: أن تكون على صواب أو أن تكون ذكياً.
________________________
(*) موسي راز عضو كنيست سابق حزب ميرتس، ودانيئيل بار- طال أستاذ جامعي في علم النفس الاجتماعي والسياسي وعضو سابق في ميرتس. وقد نشرا هذا المقال المترجم خصيصا لـ"المشهد الإسرائيلي" في موقع "سيحا ميكوميت" الإلكتروني.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الخميس, يوليو 02, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية