تشكل "القدس الكبرى الموحّدة" والسيادة الإسرائيلية عليها أحد الأعصاب المركزية في منطلقات "معهد القدس للدراسات الاستراتيجية" الفكرية وفي برامج عمله البحثية. ولهذا، ففور بدء نشاطه، أفرد المعهد لهذا الموضوع مجموعة من الدراسات والمداخلات نشرها على موقعه على الشبكة، كفيلة بأن تقدم صورة شاملة عن الدوافع الحقيقية لإنشاء هذا المعهد، رسالته الفكرية، توجهاته ومراميه السياسية.

 

"استيطان فلسطيني استراتيجي"!

لتوضيح هذه الصورة لقراء "المشهد الإسرائيلي"، نورد هنا عرضا موجزا لبعض الدراسات والمساهمات التي حرص المعهد الجديد على أن تكون باكورة أعماله، والتي تنتظم جميعها في خيط واحد، كما نوّهنا أعلاه.

في مقال بعنوان "البناء الإسرائيلي في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) في مواجهة الاستيطان الفلسطيني الاستراتيجي"، يرى البروفسور هليل فريش، عضو طاقم الباحثين في المعهد الجديد وأستاذ العلوم السياسية والدراسات الشرق أوسطية في جامعة بار إيلان، والذي يرد في تعريفه على موقع المعهد بأنه "خبير في السياسة الفلسطينية والعربية"، أن ثمة "حاجة إلى البناء الإسرائيلي في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) بغية التصدي لمحاولات السلطة الفلسطينية نزع الشرعية عن إسرائيل، تكريمها للمخربين وتقديم المساعدات لعائلاتهم، وكردّ على الاستيطان الواسع الذي تنفذه السلطة الفلسطينية في مناطق ذات أهمية استراتيجية للأمن
الإسرائيلي"! ويضيف: "يجب أن يكون تجديد الاستيطان الإسرائيلي في المناطق الحيوية لأمن إسرائيل (مثل: القدس الكبرى وجنوب جبل الخليل) عنصرا مكملا لسياسة إدارة الصراع التي نجحت في لجم الإرهاب وتحجيمه إلى مقاييس تستطيع إسرائيل تحملها والتعايش معها، بل والازدهار معها، لكنه لا يوفر رداً على موجة الاستيطان الفلسطيني ومخاطرها"!

ويذهب هذا البروفسور بعيدا جدا عندما "يجزم" بأن "هذه هي المرة الأولى، خلال مئة عام من الصراع، التي ينتصر فيها الفلسطينيون في (معركة) إنشاء بلدات وتوسيعها في مناطق استراتيجية ـ وهو المجال الذي تفوقت فيه الحركة الصهيونية، ثم دولة إسرائيل لاحقا، دائماً وباستمرار"!! لكنه يرى أن "الآية انقلبت، منذ ما يزيد عن عقد من الزمن" وهو ما يستوجب، الآن تحديدا، "استئناف البناء الاستيطاني الانتقائي في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) بكونه الطريقة الأكثر فاعلية لجباية الثمن المستحق من السلطة الفلسطينية عن محاولاتها المتواصلة لزعزعة السيطرة الإسرائيلية على القدس الكبرى، جبل الهيكل (الحرم القدسي الشريف) والخليل". ذلك أن "إسرائيل لا تتحكم، إطلاقا تقريبا، بمشروع البناء الفلسطيني في المنطقة المحيطة بالقدس وما وراء الخط الأخضر، وهو ما ينطوي على إسقاطات بعيد ة المدى على أمن إسرائيل وأمن مواطنيها"! ويضرب الكاتب هنا "مثلا" عما يقول: "بينما هنالك تجميد فعلي للبناء الإسرائيلي في المنطقة الاستراتيجية حول معاليه أدوميم، قام العرب خلال العقد الأخير، بتمويل علني من دول وتنظيمات عربية وبالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، ببناء آلاف الوحدات السكنية في راس شحادة وراس خميس، بالقرب من بلدات عناتا، الزعيم والعيساوية، في شمال القدس. وكثير جدا من هذه المباني تقترب، أكثر فأكثر، من الشارع الرئيسي الموصل من معاليه أدوميم إلى أريحا. لهذا البناء، إسقاطات أمنية وخيمة في المستقبل، نظرا لما لهذا الشارع من أهمية استراتيجية بالنسبة لإسرائيل. لكن وضعاً أكثر إشكالية وتعقيداً قد نشأ في منطقة الخليل وجنوب جبل الخليل، المحاذي لعدد من المنشآت الاستراتيجية الإسرائيلية"!


ثم يعرض الكاتب بالتفصيل ما يسميه "استراتيجية الاستيطان التي تعتمدها السلطة الفلسطينية"، مقابل "ما هي الاستراتيجية الإسرائيلية التي يجب اعتمادها؟" ويضع كلتا هاتين "الاستراتيجيتين" في ميزان الموقف الدولي وما يمكن أن يكون عليه رد المجتمع الدولي، لا سيما وأنه يعتبر "سياسة الاستيطان الإسرائيلي الانتقائي في المناطق إضافة ضرورية للسياسة القائمة اليوم بشأن إدارة الصراع وترمي إلى إفساح المجال أمام مفاوضات مع الفلسطينيين، وليس بديلاً عن أية خطة للسلام"!!

"القدس وحيويتها الاستراتيجية"

تحت هذا العنوان، يكتب اللواء (احتياط) غرشون هكوهين مقالا يدور حول فكرة مركزية مفادها أن "المصلحة الإسرائيلية تحتّم سيطرة (إسرائيلية) كاملة على القدس وعلى الفضاءات المحيطة بها"! ذلك أن "القدس الكبرى" تشكل، في نظره، "الظهر الأمني لمنطقة السهل الساحلي المكتظة بالسكان وحلقة حيوية جدا لضمان أن يكون نهر الأردن الحد الأمني الشرقي لدولة إسرائيل". وعلاوة على هذه وتلك، يشدد الكاتب على أن "القدس تشكل، أيضا، مورداً ضروريا جدا للمعلومات الاستخبارية وللسيطرة على كامل مناطق السلطة الفلسطينية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وأي انتزاع لأي جزء من النسيج البلدي المقدسي، من شأنه تقوية الإرهاب وتحويل القدس إلى مدينة حدودية ذاوية".

وتحلل هذه الورقة ما تسميه "أهمية القدس من الزاوية الأمنية ـ الاستراتيجية ودورها في وجود الدولة اليهودية، إذ أن للسيطرة الإسرائيلية على الجبل في منطقة القدس إسقاطات استراتيجية عميقة وبعيدة المدى، سواء على صعيد ضمان سلامة وأمن القطاع الساحلي، أو على تصميم الحدود الأمنية لدولة إسرائيل في الشرق، على طول نهر الأردن".

ويشير الكاتب إلى أن "هنالك آراء وأفكارا تدعو إلى تقسيم القدس وإدخال عناصر عربية إلى فضاء القدس الكبرى، وهي عناصر تفتك بالسيادة الإسرائيلية. هذه الأفكار والآراء، ليس أنها تمسّ بمكانة القدس كعاصة لدولة إسرائيل فقط، وإنما هي تعرّض مستقبل الدولة اليهودية كلها للخطر أيضا. فالقدس الكبرى هي نقطة أرخميدس للسيطرة وللمحافظة على الشروط الأمنية الضرورية في أرض إسرائيل إلى الغرب من نهر الأردن".

وينتقل الكاتب لتحليل مكانة "متروبولين القدس" بوصفه "العمق الاستراتيجي الحيوي للتجمع اليهودي في السهل الساحلي"، ثم لكون القدس "مفتاحاً للحدود الأمنية الآمنة في الشرق"، ثم أهمية السيطرة الإسرائيلية على "القدس الكبرى الموحدة" ودورها المركزي في سياق "محاربة الإرهاب الفلسطيني" وكمصدر رئيسي للمعلومات الاستخبارية، ثم يعدد ما يسميه "أفضليات سياسية للسيطرة (الإسرائيلية) على القدس الكبرى الموحدة"، ليخلص في نهاية المطاف إلى الجزم بأن "المصلحة الإسرائيلية تحتم السيطرة التامة على القدس الكبرى ومحيطها"، نظرا لما للقدس من مكانة استراتيجية تجعل "الصراع عليها يحمل في طياته إسقاطات بعيدة المدى على أمن دولة إسرائيل ومكانتها في المنطقة وفي العالم، على السواء". ولهذا، فإن "تطوير متروبولين القدس تحت السيطرة الإسرائيلية يشكل، إذن، مهمة قومية وجودية. ذلك أن حسم الصراع سيتم في داخل القدس نفسها وفي الغلاف المحيط ـ في صحراء يهودا من الشرق، في غوش عتصيون من الجنوب وفي منطقة بنيامين من الشمال". وذكّر الكاتب بأن "أهمية القدس الكبرى لضمان السيطرة على المنطقة كانت في صلب خطة ألون (يغئال ألون) التي بقي اسحاق رابين ملتزما بها حتى اليوم الأخير من حياته"، كما ذكّر أيضا بما قاله دافيد بن غوريون في العام 1968 عن أنه "بدون استيطان يهودي كثيف ومتزايد في ضواحي القدس، في الشرق والشمال والجنوب، فلن يحل السلام على مدينة داود (القدس)"!

"السيادة الإسرائيلية على القدس مفتاح الاستقرار الإقليمي"!

هذا عنوان ورقة أخرى كتبها نائب رئيس المعهد الجديد، العقيد (احتياط) د. عيران ليرمان، الذي يرى أن "رؤية إقليمية شاملة تأخذ في الحسبان ضعف (محمود) عباس وحساسيات الأردنيين هي التي لعبت الدور المركزي في القرار الإسرائيلي القاضي بالعودة إلى الوضع الذي كان قائما (ستاتوس كوو) من قبل في "جبل الهيكل" (الحرم القدسي الشريف)، بعد أحداث تموز 2017". وتقوم هذه "الرؤية الإقليمية الشاملة"، بحسب الكاتب، على اعتبار أن "السيادة الإسرائيلية على القدس الموحدة تشكل ركيزة أساسية وحيوية لاستمرار وجود معسكر الثبات والاستقرار في المنطقة ولفرص الاستقرار في الإقليم، طالما بقيت القيادة الإسرائيلية على نهج التصرف بحذر من خلال قراءة الواقع العربي الداخلي بحكمة وتعقل".

ويرى الكاتب أن إسرائيل، بحكم سيادتها على القدس ومكانتها في الأماكن المقدسة، "تمسك بأحد مفاتيح الاستقرار الإقليمي"، ثم يعرض تفصيليا لخلفيات وسيرورات الأزمة الأخيرة في القدس (في الحرم القدسي الشريف) ونتائجها. وعلى هذا، فهو يوصي بأن "على الحكومة (الإسرائيلية) أن تعمل الآن في عدد من القنوات بصورة متزامنة ومتوازية: 1. أن تحافظ على ضبط النفس، في المرحلة الانتقالية على الأقل، في كل ما يتعلق بدخول اليهود إلى جبل الهيكل (الحرم القدسي)، لتجنب الوقوع في مكيدة معسكر الإخوان المسلمين في الصراع العربي الداخلي وسعيه نحو تعميق الشرخ مع الأردن؛ 2. عليها، في الوقت نفسه، توضيح الموقف وعرضه بأقصى الحدة اللازمة: إسرائيل لا تنوي التخلي عن سيادتها في القدس ونقل هذه السيادة إلى أي طرف عربي ("قانون القدس" يساهم في هذا كثيراً)؛ 3. عليها وضع قيود أكثر فاعلية على نشاط الجناح الشمالي من الحركة الإسلامية، وخاصة في القدس؛ 4. عليها تعميق مراقبتها للنشاط التركي التآمري في القدس وأن تضع الخيارات لمواجهته، فربما كانت هنالك حاجة لتوجه أكثر حزما إزاء تركيا في هذا المجال؛ 5. عليها دعم بلدية القدس ومساعدتها على تعميق تأثيرها المباشر على ما يجري في القدس (الشرقية) وعلى حياة السكان فيها، بجملة من الوسائل والطرق، بما فيها رصد ميزانيات جدية لتحسين أوضاع البنى التحتية وبناء مؤسسات تعليمية؛ 6. عليها ترميم العلاقات مع الأردن، بما يشمل حلا رسميا لحادثة الحارس الأمني، وتوثيق التنسيق مع الوقف الأردني، إلى جانب نقل رسالة تحذيرية غير مباشرة إلى الملك من مغبة الشعور العدائي تجاه الأردن لدى قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي، كما تبين إبان أزمة الحارس إياها. وينبغي التوضيح له بأن هذا المزاج الجماهيري العام يستوجب سلوكا حذرا وحكيما من كلا جانبي نهر الأردن، وخاصة في كل ما يتعلق بالنشاط الأردني المعادي في المؤسسات والهيئات الدولية؛ 7. عليها أن تقترح على مصر والسعودية إجراء "تحقيق مشترك" حول ما جرى في القدس أخيرا، من دون منحهما أية مكانة في القدس، بل لمجرد استخلاص العبر وتعميق التنسيق المستقبلي مع معسكر الاستقرار في معركته ضد قطر وتركيا؛ 8. عليها البحث عن وإيجاد رافعات تأثير على السجال الداخلي (والعاصف) الدائر في صفوف الإدارة الأميركية حول صوة الوضع الإقليمية، ثم عليها تشجيع ذوي المواقف الحازمة هناك، سواء حيال إيران أو حيال الإخوان المسلمين على حد سواء؛ 9. على إسرائيل استغلال التقدير الكبير الذي حظيت به على أدائها في السياق الإقليمي من أجل تنسيق المواقف وتعميق الدعم لقوى الاستقرار في المنطقة، وكذلك لتسريع وتعميق التدخل الأميركي في الخطوات الرامية إلى تخفيف حدة التوتر مع الأردن وإلى خفض سقف التوقعات في الجانب الفلسطيني"!!

 

الخميس, يوليو 19, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية