تؤكد سلسلة من التقارير الجديدة أن سعي إسرائيل على مر عقود لتهويد منطقتي "الجليل" شمالا و"النقب" جنوبا، بمعنى جعل المنطقتين ذات أغلبية يهودية كبيرة، يسجل الفشل تلو الفشل، وجوهر فشلها هو إقناع الأجيال الشابة اليهودية بالبقاء في هاتين المنطقتين، بعد المرحلة المدرسية والخدمة العسكرية. كما أن تضييق الخناق على البلدات والمدن العربية دفع بالكثير من العرب للسكن في مدن أقيمت لليهود خصيصا في إطار مشاريع التهويد، حتى باتت مدنا مختلطة، والمثال الأبرز مدينة "نتسيرت عيليت" المجاورة لمدينة الناصرة، وكانت إقامتها مشروعا خاصا بادر له دافيد بن غوريون.

ففي الآونة الأخيرة ظهرت في وسائل الإعلام تقارير صحافية تعالج وضعية هاتين المنطقتين، بصفتهما "مناطق ضواحي"، بمعنى أنها بعيدة عن مركز البلاد، وبالأساس منطقة تل أبيب الكبرى، المركز الاقتصادي النابض، وحيث الحياة بنمط أوروبي عصري، يجذب الأجيال الشابة من كافة أنحاء البلاد، التي تتدفق إلى هذه المنطقة وبالأساس لمدينة تل أبيب، في إطار البحث في آن واحد، عن مناطق فرص العمل الأكبر، وحياة الشباب والليل.
ومن بين هذه التقارير التي أوردتها صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية، التابعة لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، تقرير عرضه الرئيس السابق للمجلس الوطني الاقتصادي يوجين كانديل، وبيّن أنه في العامين 2012 و2013 طرأ في منطقتي الجليل والنقب تراجع في نسبة الجمهور (اليهودي) من الشريحة العمرية 15 عاما إلى 30 عاما، فقد بلغ التراجع في كبرى مدن النقب، بئر السبع، 11%، وفي مدينة حيفا شمالا 8%، وفي المنطقة الشمالية بشكل عام نسبة 13%، بينما النسبة في منطقة القدس كانت 8%. والارتفاع الوحيد في نسبة هذه الشريحة في ذلك العامين، كان في منطقة تل أبيب بنسبة 11%.

كما أن هجرة تلك المناطق البعيدة عن وسط البلاد، ظهر أيضا في تقرير لبنك إسرائيل المركزي عن العام 2014، إذ أشار التقرير ذاته إلى أنه منذ العام 1998 وحتى العام 2011، غادر عشرات الآلاف منطقتي الشمال والجنوب، في اتجاه جودة حياة أفضل في وسط البلاد. ويقول تقرير البنك إن هذه الحركة السكانية ساهمت في ارتفاع أسعار البيوت في منطقة الوسط، وبتجميع كمٍ أكبر من الوظائف الكبيرة، وارتفاع مستوى الرواتب.

ويؤكد التقرير أن إسرائيل تشهد هجرة ذوي القدرات المالية، وأصحاب المؤهلات العالية إلى منطقة الوسط، بينما الشرائح الضعيفة تبقى في المناطق البعيدة. ويشير البنك إلى أن ظاهرة الهجرة هذه خلقت فجوة كبيرة جدا بين المستوى الاقتصادي الاجتماعي لدى منطقة تل أبيب الكبرى، وبين المستوى الاقتصادي الاجتماعي لدى السكان في المناطق البعيدة.

ويؤكد على هذا الاستنتاج، الدكتور زئيف غرينبرغ، رئيس قسم "الخدمات الانسانية" في الكلية الأكاديمية في "كريات شمونه"، في أقصى شمال البلاد، ويقول، "إن من بقي في المناطق البعيدة، هم الجمهور الذي ليس بقدرته أن يغادر تلك المناطق، وبينهم نسبة الأجيرين ومتلقي المخصصات الاجتماعية عالية على وجه الخصوص".

ويتابع غرينبرغ قائلا، في حديث لصحيفة "ذي ماركر"، إن احتمال أن تجد فرصة عمل في المنطقة التي ولدت فيها، في الشمال والجنوب، هو احتمال ضعيف، فحينما ينهي الطالب الجامعي تعليمه، يجد في تلك المناطق كمية ضئيلة من فرص العمل الملائمة لمؤهلاته، لأن الحكومات الإسرائيلية لم تهتم ببناء مناطق صناعية جديدة قادرة على استيعاب القدرات والمؤهلات العالية.

ويقول غرينبرغ إن معدل الأعمار في المناطق البعيدة مستمر في الارتفاع، و"البلدات تشيخ، وهذه قضية عليها أن تقلق الدولة، لأنه إذا ما اختفى الشباب من هناك، فإنها ستتحول إلى صحراء، ففي أوروبا هناك مناطق كاملة، تم هجرها، ولا أحد يسكن فيها، لأن الشباب غادروها، في حين أن المتقدمين في السن اختفوا".

ونشير هنا إلى أن ما يقصده بنك إسرائيل وذوو الاختصاص هو فقط اليهود، لأن حركة الهجرة الداخلية لدى المواطنين العرب هامشية، وأقل مما هو قائم في مجتمعات أخرى، ويعود هذا إلى عاملين أساسيين: الأول أن مسألة الانتماء والارتباط بالبيئة العائلية الضيقة والأوسع، والانتماء للمجتمع ككل قوي جدا، ويقف على رأس الأولويات في القرار لاختيار الاقامة الدائمة، وهذه أولوية ليست موجودة لدى الجمهور اليهودي. وثانيا، أن نسبة عالية من سكن العرب يكون على أراض خاصة بملكية العائلة.

ونضيف إلى هذا أن أسعار السكن وكلفة الحياة في وسط البلاد أعلى من قدرة المواطنين العرب، حتى من ذوي المؤهلات العالية. وجانب آخر له وزن لا أقل، أن في حسابات الأزواج الشابة العربية مسألة تربية الأبناء، وضمان مؤسسات تعليمية مناسبة لهم، وهذا ليس موجودا بالقدر الكافي في مناطق وسط البلاد التي فيها نسبة العرب ضئيلة.

"الزحف العربي" للبلدات اليهودية

في مقال آخر، تلفت المحللة الاقتصادية ميراف أرلوزوروف النظر إلى حالة الاختناق السكاني في البلدات العربية، التي صودر نحو 90% من مناطق نفوذها في العقود الأولى لإسرائيل، وبقيت هذه البلدات مع مناطق نفوذ لا يمكنها أن تستوعب التكاثر الطبيعي واحتياجات البناء.

وقد أقرت لجنة التحقيق الرسمية التي أقامتها الحكومة الإسرائيلية في أعقاب هبة أكتوبر العام 2000، واستشهاد 13 شابا عربيا خلال مواجهات استمرت 10 أيام، بحالة الضائقة السكنية التي تواجهها البلدات العربية، ورغم مرور 12 عاما على صدور ذلك التقرير، إلا أن الحكومات الإسرائيلية لم تفعل شيئا، وتوسيع مناطق النفوذ يتم في ما ندر، وبمساحات هامشية.

وأوردت أرلوزوروف نموذجا لهذا مدينة سخنين، التي كانت في سنوات "الانتداب البريطاني" على فلسطين قرية ومنطقة نفوذها 70 ألف دونم، إلا أن السلطات الإسرائيلية صادرت 87% من مناطق النفوذ وأبقت القرية، التي باتت في سنوات الثمانين مدينة، مع 9700 دونم، منها 4450 دونما للبناء، وهي من المدن التي تشهد اكتظاظا سكانيا.

وكذا الأمر في غالبية المدن والقرى العربية.

نذكر مثلا أن مدينة الناصرة التي تضم ما يزيد عن 81 ألف نسمة، تمتد على أقل من 15 ألف دونم، بينما مدينة نتسيرت عيليت، التي أقامها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول، في منتصف سنوات الخمسين من القرن الماضي، على أراضي الناصرة والقرى المجاورة، يسكنها اليوم أقل من 50 ألف نسمة، وتمتد على نحو 42 ألف دونم.

ومثلها مدينة كرميئيل، القائمة على أراض عدة قرى عربية، خاصة في منطقة الشاغور (شمالا) فهي أيضا أقيمت في منطقة عربية مكتظة لغرض كسر نسبة العرب العالية، التي تصل إلى 53% في منطقة الشمال وبضمنها منطقة الجليل، بينما نسبة العرب في منطقة النقب تتجاوز 40%.

إلا أن حالة الانفجار السكاني دفعت بالكثير من العرب للانتقال للسكن في هاتين المدينتين، ولكن في حين أن عدد العرب في مدينة كرميئيل يتراوح ما بين المئات وحتى ما يتجاوز ألف نسمة، فإن مدينة نتسيرت عيليت، تصل فيها نسبة العرب على أرض الواقع لأكثر من 20 بالمئة، بمعنى عشرة آلاف نسمة، ولكن ثلثهم مسجلون في بلداتهم الاصلية، بينما العرب المسجلون فعليا في المدينة في حدود 7 آلاف نسمة، اي 14% من السكان، وهي نسبة متزايدة.

ومن المفارقات أن نسبة عالية من العرب في نتسيرت عيليت هي من الشرائح الميسورة وذات المداخيل العالية، وأحياء فيللات عديدة باتت بأكملها أحياء عربية، في حين أن الغالبية الساحقة من اليهود في نتسيرت عيليت هي من الأجيرين، ومنهم ذوي المداخيل المحدودة. وهذا وضع أقلق المؤسسة الحاكمة، وأيضا كتلا في المجلس البلدي، ولكن هذا لم يساعدهم، ففي ائتلاف المجلس البلدي اليوم "القائمة المشتركة" للمواطنين العرب في المدينة، ورئيس القائمة الدكتور شكري عواودة، هو نائب رئيس البلدية. وهذا سيناريو لم يكن يحلم به بن غوريون حتى في أحلك لياليه.

وتسعى نتسيرت عيليت ومعها المؤسسة الحاكمة إلى كسر هذا المشهد، وشرعت في الآونة الأخيرة ببناء حي ضخم للمتدينين اليهود المتزمتين "الحريديم"، في سبيل استقدامهم للمدينة، والحي مخصص لنحو 5 آلاف ساكن، ولكن هناك من يشكك بنجاح هذا المشروع وتحقيق أهدافه.

المشاريع الاستراتيجية لم تغير الواقع

ليس صحيحا القول إن حكومات إسرائيل لم تفعل شيئا من أجل لجم الهجرة الداخلية، أو من أجل تحفيز اليهود للانتقال إلى منطقتي الجليل والنقب، فقد شرعت في نهاية سنوات التسعين في اقامة شارع "عابر إسرائيل"، أو حسب تسميته الأكثر شهرة "شارع رقم 6"، الذي بات حاليا بطول يتجاوز 110 كيلومترات، يمتد من جنوب منطقة حيفا وحتى شمال مدينة بئر السبع، وجاري العمل فيه ليمتد شمالا وجنوبا أكثر، والهدف منه خلق طريق سريع، وهو طريق بأجرة، يربط المناطق البعيدة بمركز البلاد، إلا أن هذا الشارع الذي التهم مساحات شاسعة من الأراضي، ودمر الكثير من الأراضي الزراعية، وقسم كبير منها تعود لمالكين عرب، لم ينجح في تحقيق الهدف، فهذا الشارع يشهد اختناقات رغم توسيعه في جزئه الأهم، وفي بعض المناطق بات ضعفي ما بدأ فيه، أي بأربع مسارات، ويشهد الشارع في ساعات الصباح والمساء اكتظاظات مرورية.

كذلك شجعت الحكومات على إقامة مجمعات لمصانع ومختبرات التقنية العالية في أقصى شمال البلاد، قرب مدينة صفد، وأيضا في مدن الجنوب، إلا أنها لم تكن بالحجم القادر على لجم هجرة الشباب نحو المركز.

ومنذ أكثر من عشر سنوات تعمل الحكومات الإسرائيلية على نقل قواعد عسكرية هامة من قلب منطقة تل أبيب الكبرى إلى صحراء النقب، لهدفين أساسيين، فمن جهة تعتقد حكومات إسرائيل أن نقل القواعد إلى النقب، سيقنع عناصر الجيش النظامي العاملين في هذه القواعد بالانتقال للسكن كليا في صحراء النقب، والثاني، هو إخلاء أراض في منطقة تل أبيب الكبرى المتفجرة سكانيا، من الصعب تقدير ثمنها لضخامته، واستثمارها في بناء مجمعات سكنية وتجارية وأيضا اقتصادية.

إلا أنه كما أسلفنا، يغيب عن مخططات الحكومة ومنتقديها، ما يسعى له الشباب العلماني: "حياة الشباب" و"حياة الليل"، فمنطقة تل أبيب الكبرى، وبالذات تل أبيب، بنظر اليهود، هي موطن الحياة المتحررة من القيود الاجتماعية، موطن الفرص المفتوحة، وحياة الليل، بما يشابه الحياة الأوروبية، إن لم تكن مطابقة لها. وهذا ما لا تجده في أي منطقة أخرى، ولا حتى في مدينة حيفا، التي تعد هي أيضا مدينة عصرية مفتوحة، ولكنها تشهد منذ سنوات تناقصا مستمرا في نسبة اليهود.

فمثلا تبين أنه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، في شهر آذار من العام الجاري 2015، كان عدد ذوي حق الاقتراع قد ارتفع عن الانتخابات التي سبقتها بـ 26 شهرا في العام 2013، بنسبة 1% فقط، بينما النسبة الاجمالية لارتفاع ذوي حق الاقتراع بين جولتي الانتخابات كانت 4%. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن 10 بالمئة من ذوي حق الاقتراع في المدينة هم من العرب، ونسبة تكاثرهم بين الانتخابات 4%، بضمنها هجرة داخلية إلى المدينة، وهي ظاهرة قائمة، فإن نسبة تكاثر اليهود في المدينة تكون قد لامست الصفر بالمئة.

وأيضا من باب المقارنة، فإن منطقة تل أبيب العلمانية كحيفا، والتي تشهد نسبة تكاثر طبيعي من الأدنى في البلاد، حوالي 1ر1%، ارتفع عدد ذوي حق الاقتراع فيها بين جولتي الانتخابات بنسبة 4ر2%.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أغسطس 12, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية