المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 16
  • برهوم جرايسي

تواصل قيمة الشيكل ارتفاعها أمام العملات العالمية، وخاصة الدولار، وسجلت مستوى عاليًا لم يعرفه الاقتصاد الإسرائيلي منذ مطلع سنوات التسعين من القرن الماضي، وعلى الرغم من تراجع قيمة الشيكل، نسبيا، في الأسبوع الماضي، لكنه ما زال في محيط 2.9 شيكل للدولار، في نهاية الأسبوع الماضي، وهذا أقل بنسبة 24%، من سعر الدولار الذي تم تسجيله بعد الشهر الأول من شن الحرب على الشعب الفلسطيني، في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حينما بلغ سعر صرف الدولار 3.8 شيكل. وألمحت صحيفة اقتصادية إلى أن رفض بنك إسرائيل المركزي التدخل في سعر الدولار، يعود إلى تهديد مبطن أطلقته الإدارة الأميركية إلى دول العالم، لكونها معنية بسعر منخفض للدولار؛ وفي سياق الاقتصاد، فقد خفضت منظمة OECD تقديراتها لنمو الاقتصاد الإسرائيلي، من 4.9% إلى 3.3% في العام الجاري. 

وكان سعر صرف الدولار قد بدأ في الأسبوع الماضي مسارًا زاحفًا لاسترداد بعض من قيمته السابقة أمام الشيكل، بعد أن وصل إلى حضيض لم يعرفه الاقتصاد الإسرائيلي منذ حوالي 35 عاما، حينما بلغ سعره في محيط 2.8 شيكل للدولار، وجاء هذا الارتفاع التدريجي في أعقاب تلميح صادر عن محافظ بنك إسرائيل المركزي، أمير يارون، بشأن احتمال زيادة وتيرة خفض الفائدة البنكية.

ففي مؤتمر اقتصادي في القدس، في الأسبوع الماضي، قال يارون إنه "مع انخفاض توقعات التضخم (الغلاء)، وبالتأكيد إذا اقترب من الحد الأدنى المستهدف (1%)، فإن هذا يُبرر خفض الفائدة بوتيرة أسرع".

وفي مقابلة مع صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية، رأى المحافظ يارون أن "ارتفاع قيمة الشيكل يعكس نوعا من مرونة والاقتصاد الإسرائيلي ومتانته، وهذا خبر سار. إذ يُخفف ارتفاع قيمة الشيكل، وسيُخفف، من أعباء المعيشة. فيجب أن نتذكر أن الشيكل ارتفع بعد انخفاض كبير في قيمته. ويتأثر الشيكل بالأحداث الجيوسياسية، ومنذ عملية الـ"بيبر" (تفجير أجهزة الاتصالات لدى حزب الله اللبناني)، بدأت قيمة الشيكل مسار ارتفاع. وهناك ثلاثة عوامل وراء المسار: تراجع الأخطار الاقتصادية، وتحسن سوق الأسهم الأميركية، والعلاقة مع المستثمرين، وضُعف الدولار عالميا".

نشير هنا، خلافًا لما يقوله يارون، إلى أنه حتى الآن، لا تشعر السوق الإسرائيلية بخفض للأسعار نتيجة الارتفاع الحاد في قيمة الشيكل، باستثناء لجم نسبة ارتفاع أسعار الوقود، وعلى سبيل المثال، فإن أسعار السيارات الجديدة لم تتراجع نتيجة انهيار أسعار صرف العملات العالمية، وخاصة الدولار واليورو؛ وسوق السيارات سوق كبيرة في الاقتصاد الإسرائيلي، وتصل حصتها في حساب النمو الاقتصادي إلى نحو 5%.

وفي رد على سؤال حول احتمال تدخّل بنك إسرائيل في سعر الصرف، بسبب خسائر قطاع الصادرات، قال يارون: "لا أستهين بصعوبات المصدّرين. نحن نراقب الوضع باستمرار، وعلينا أن نتذكر أن البنك المركزي ليس من المفترض أن يغيّر القوى الاقتصادية الأساسية. شهدنا أيضا زيادة في الصادرات خلال الربع الأول من هذا العام. مع ذلك، يُعد التدخل أداة من أدوات اللجنة النقدية في البنك المركزي، وهو مخصص لحالات محددة ومؤقتة، عندما يكون التضخم منخفضا جدا، أو في حالة وجود خلل في السوق. وقد تدخلنا عندما كان التضخم سلبيا، وتدخلنا عندما كانت هناك مشاكل في السوق في بداية الحرب، ولا نستبعد التدخل من حيث المبدأ، لكننا لسنا في مثل هذه الحالات الآن، ويجب أن يكون التدخل في ظل ظروف مناسبة.

ومع ذكل، تدخل بنك إسرائيل بشكل هامشي في أيار 2026 واشترى 801 مليون دولار في سوق العملات الأجنبية. وأوضح مسؤول في البنك أن التدخل استهدف ضمان انتظام عمل السوق بعد رصد نشاط غير اعتيادي، وليس التأثير على سعر الصرف. 

هل حقا الولايات المتحدة تهدد؟

على الرغم من تصريح محافظ بنك إسرائيل، الذي أظهر فيه استقلالية القرار الإسرائيلي، فإن صحيفة "ذي ماركر"، الاقتصادية الإسرائيلية، لفتت إلى تهديد أميركي مبطن لدول العالم، بأن لا يتدخلوا في سعر صرف الدولار، كون الإدارة الأميركية معنية بسعر صرف ضعيف للدولار، من باب تسهيل المنافسة التجارية، بما يخدم الاقتصاد الأميركي.

وقال المحلل الاقتصادي في الصحيفة ذاتها، ناتي طوكر، إنه "في الأشهر الأخيرة، نُشر بيانان على موقع وزارة المالية الأميركية كانا موجهين إلى وزارات المالية، والبنوك المركزية حول العالم. وكان آخر هذين البيانين، بتاريخ 29 أيار، يتعلق باتفاقية بين وزارة المالية الأميركية والبنك المركزي الفيتنامي، تنص على امتناع البنك الفيتنامي عن التدخل في أسعار الصرف، من خلال مختلف الأنشطة المالية، التي تشمل بيع أو شراء العملات الأجنبية".

يقول طوكر: "لقد أثار تدخل البنك الفيتنامي غضب الأميركيين، ففي تقرير شامل صادر عن وزارة المالية الأميركية في كانون الثاني الماضي، يتناول سياسة سعر الصرف، ورد تهديد صريح: ’سوف تستخدم وزارة المالية جميع الأدوات المتاحة لتنفيذ إجراءات صارمة لخلق ظروف تنافسية عادلة ومتكافئة ضد الممارسات غير العادلة في سوق العملات’. فعلى سبيل المثال، ذُكرت إمكانية فرض تعريفات جمركية، بل وفتح تحقيق قد يُفضي إلى فرض عقوبات. في أيلول العام الماضي 2025، أرسلت وزارة المالية الأميركية رسالة مماثلة تقريبًا بشأن اتفاق مماثل مع اليابان. وخلال العام الماضي، ارتفع سعر صرف الدولار بنحو 10%، في مقابل الين الياباني، ويُتداول حاليًا عند حوالي 159 ينا للدولار".

في تقرير آخر صادر عن وزارة المالية الأميركية في كانون الثاني 2026، تم سرد عدد من الدول والشركاء التجاريين. من بين الدول التي تراقبها الولايات المتحدة في ما يتعلق بتدخلها في سوق الصرف الأجنبي، الصين واليابان وكوريا وتايوان وتايلاند وسنغافورة وفيتنام وألمانيا وأيرلندا وسويسرا.

وتابع طوكر: "لم يُذكر اسم إسرائيل في هذا التقرير كدولة تتدخل في أسعار صرف العملات، مع أن بنك إسرائيل المركزي قد انخرط في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة، من خلال شراء وبيع الدولار. ومن المحتمل أن بنك إسرائيل، تجنبًا لإدراجه في مثل هذه التقارير، وتفاديًا للمراقبة والتهديد بالعقوبات، يختار حاليًا عدم التدخل في أسعار صرف العملات، على الأقل ليس بشكل مباشر، وربما فقط من خلال أداة نسبة الفائدة".

تخفيض حاد للنمو في تقديرات OECD

وكانت منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي العالمي، OECD، قد أقدمت في الأسبوع الماضي، على خفض تقديراتها لنمو الاقتصاد الإسرائيلي في العام الجاري 2026، من 4.9%، وفق التقدير السابق، إلى نسبة 3.3%، وهذا بفعل الحربين على إيران ولبنان، واستمرار العدوان على قطاع غزة، إذ قالت المنظمة في تقريرها إن هذه الأجواء الحربية، انعكست سلبًا على الاستهلاك الخاص وعلى سوق العمل.

كما حذرت OECD من أن أي تصعيد عسكري جديد قد يزيد الضغوط على النشاط الاقتصادي، ليس في إسرائيل فحسب، بل على الاقتصاد العالمي أيضًا. 

وربطت صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية الإسرائيلية تقديرات OECD الجديدة بتحذير سابق لبنك إسرائيل المركزي، في شهر آذار الماضي، إذ حذّر البنك من احتمال هبوط النمو في العام الجاري إلى نسبة 3.8%، مقارنة مع تقديرات تتراوح بين 4.5% و4.9%، قبل شن الحرب على إيران.

إلا أن هذه المنظمة العالمية طرحت تقديرات متفائلة للاقتصاد الإسرائيلي في العام المقبل 2027، في حال توقفت الحروب، بأن يرتفع النمو إلى نسبة 5.6%.

كذلك توقعت OECD أن يرتفع حجم الدين العام هذا العام إلى نسبة 5.3% من حجم الناتج العام، ليقفز حجم الدين العام من حوالي 69% في العام الماضي 2025، إلى نسبة تتجاوز 71% مع نهاية العام الجاري، علما أن حجم الدين في نهاية العام 2022 كان في محيط 60% من حجم الناتج العام.

وللتوضيح، فإن حجم الناتج العام في نهاية العام 2022 كان في محيط ألفي مليار شيكل (2 تريليون شيكل)، ما يعني أن حجم الدين العام كان في محيط 1200 مليار شيكل، أما في هذه الفترة، فإن حجم الناتج العام في محيط 2100 مليار شيكل، وفي حال تحققت تقديرات نسب النمو الاقتصادي، فإنه سيكون أكثر من 2150 مليار شيكل، وإذا ارتفع حجم الدين العام إلى نسبة 71%، من حجم الناتج العام، فهذا يعني أن حجم الدين العام سيقفز إلى حوالي 1526 مليار شيكل، بمعنى ارتفاعه بنسبة 27% من حيث حجم الدين بالشيكل، خلال أربع سنوات. 

من جهة أخرى، وخلافًا لتقرير سابق لمنظمة OECD، دعت فيه إلى عدم الاستعجال بخفض الفائدة البنكية الإسرائيلية، فإنها في تقريرها الجديد دعت إلى خفض كهذا، وأيضًا في هذا الموقف تتلاقى مع تلميحات محافظ بنك إسرائيل المركزي أمير يارون، السابق ذكرها، لاحتمال رفع وتيرة خفض الفائدة البنكية في الأشهر المقبلة.

يقول المحلل الاقتصادي أدريان بايلوت، في مقال له في صحيفة "كالكاليست"، إن "قراءة توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تثير لدى المرء شعورًا بنوع من الارتياح. فبعد شهور طويلة من الحروب، وعدم الاستقرار الأمني، والاضطرابات الجيوسياسية، ترسم OECD صورة تبدو مشجعة: إذ من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 3.3% هذا العام، أي أعلى بنسبة 0.5% من المعدل العالمي، وفي العام المقبل 2027 سيتسارع النمو إلى 5.6%، أي ما يقارب ضعفي معدل النمو المتوقع للاقتصاد العالمي. ومن المتوقع أن ينتعش الاستهلاك الخاص، وأن يشهد قطاع البناء نموًا سريعًا، وأن يبقى التضخم تحت السيطرة، بل ومن المتوقع أن يواصل بنك إسرائيل خفض أسعار الفائدة".

وتابع الكاتب: "في الواقع، يُعد هذا التقرير من أكثر التقارير تفاؤلًا بشأن إسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023. إذ أن الاقتصاد الإسرائيلي سوف يتعافى بسرعة نسبية من الصدمات الأخيرة ويعود إلى مسار نمو مثير للإعجاب. لكن نظرًا لتفاؤل التقرير الشديد، فإنه يكشف عن مشكلة أعمق: فالقصة الحقيقية ليست النمو، بل العجز، إذ حسب تقرير OECD من المتوقع أن يبلغ عجز الموازنة الحكومية 5.3% من حجم الناتج المحلي الإجمالي في العام 2026 الجاري، وأن ينخفض ​​إلى 4.2% فقط في العام المقبل 2027. وهذا هو العام الرابع على التوالي، الذي تعمل فيه حكومة نتنياهو بعجز يزيد عن 5% من الناتج المحلي الإجمالي".

المصطلحات المستخدمة:

الشيكل

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات