المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 36
  • هشام نفاع

تناول تقرير أخير لمراقب الدولة الإسرائيلية "إدارة الاستعداد الحكومي لشيخوخة السكان" معتبرًا "شيخوخة السكان أحد أبرز التحديات التي تواجه دولة إسرائيل. وينطوي هذا التحدي على انعكاسات واسعة على منظومة الصحة، ومنظومة الرعاية التمريضية، وخدمات الرفاه الاجتماعي، وسوق العمل".

وإلى جانب ذلك، يضيف في ملخص تقريره: "تواجه إسرائيل، شأنها شأن العديد من الدول المتقدمة، تحولًا ديموغرافيًا كبيرًا نتيجة التسارع في شيخوخة السكان. ويعود هذا التحول إلى ارتفاع متوسط العمر المتوقع، بالتوازي مع انخفاض معدلات الولادة، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة مستمرة في عدد المواطنين كبار السن وارتفاع نسبتهم من إجمالي السكان".

شيخوخة السكان "أحد التحديات الاقتصادية والاجتماعية"

تشير الدراسات بصورة متسقة، وفقًا للتقرير، إلى أن "الاستثمار في الحفاظ على صحة كبار السن ورفاههم يحقق عائدًا اقتصاديًا مرتفعًا للغاية، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الاقتصاد ككل. ووفقًا لدراسة أُجريت في الولايات المتحدة، فإن تأخير عملية الشيخوخة لمدة سنة واحدة يعادل قيمة اقتصادية تُقدّر بنحو 38 تريليون دولار، بينما يصل هذا العائد إلى نحو 367 تريليون دولار إذا تأخر مسار الشيخوخة عشر سنوات. كما خلصت الدراسة إلى أن كل دولار يُستثمر في تعزيز الشيخوخة الصحية يحقق ما يقارب ثلاثة دولارات من المنافع الاقتصادية والصحية. وتشير هذه النتائج إلى أن تعزيز الشيخوخة الصحية والآمنة لا يمثل هدفًا اجتماعيًا وصحيًا فحسب، بل يشكل أيضًا محركًا للنمو الاقتصادي بعائد مرتفع".

يشدّد المراقب على أن هذا التحدي "يستلزم استعدادًا شاملًا من جانب دولة إسرائيل في مجالات متعددة، بدءًا من بلورة السياسات، مرورًا بالتخطيط الاستراتيجي والتخطيط التفصيلي، وصولًا إلى إعداد السكان مع تقدمهم في العمر لمرحلة الشيخوخة، وإعداد المنظومات الداعمة والبنى التحتية، ولا سيما منظومتي الصحة والرفاه الاجتماعي. والأهم من ذلك، أن الاستعداد لشيخوخة السكان يقتضي الحفاظ على كبار السن في أفضل حالة ممكنة من الناحية الوظيفية والصحية والنفسية والاجتماعية والمهنية، وتأخير اعتمادهم على الآخرين قدر الإمكان، ومنع تدهور أوضاعهم".

حدد "المجلس الوطني للاقتصاد" في مكتب رئيس الحكومة العام 2015 شيخوخة السكان باعتبارها "أحد التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي ستواجه دولة إسرائيل خلال العقود المقبلة". وفي إطار قرار الحكومة رقم 150، تقرر الدفع قدمًا بالموضوع الاستراتيجي الخاص بالاستعداد لشيخوخة السكان، وإلقاء المسؤولية على الوزراء لتعزيز هذا الموضوع كلٌّ ضمن نطاق وزارته.

وفي العام 2021 أعد فريق عمل مشترك يضم ممثلين عن الوزارات الحكومية والقطاع الثالث "خريطة المؤشرات الوطنية للشيخوخة المثلى". ويقصد بالشيخوخة المثلى الحالة التي يشعر فيها الشخص المسن بأنه يتمتع بصحة جيدة، وأن لحياته معنى، وأن لديه قدرة اقتصادية تمكّنه من تغطية احتياجاته.

المؤشرات الرئيسة المتعلقة بكبار السن في إسرائيل

وفقًا للتقرير، تشهد إسرائيل منذ العام 1975 ارتفاعًا متواصلًا في عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر، ومن المتوقع استمرار هذا الاتجاه خلال العقود المقبلة. فمن المتوقع أن ترتفع نسبتهم من نحو 13% من السكان في العام 2025، أي ما يقارب 1.3 مليون شخص، إلى نحو 15% في العام 2050، أي ما يقارب مليوني شخص.

ويُعد معظم كبار السن اليوم من الفئات الأصغر ضمن هذه الشريحة العمرية: 55% تتراوح أعمارهم بين 65 و74 عامًا. نحو ثلثهم بين 75 و84 عامًا. بينما تبلغ نسبة من هم في 85 عامًا فأكثر نحو 12% فقط.

ومن حيث التركيبة السكانية:

 86% من كبار السن هم من اليهود غير الحريديم. 4% من اليهود الحريديم.

10% من العرب. وتشكل النساء 55% من إجمالي كبار السن.

كما أن أقل من نصف النساء (48%) متزوجات، مقابل 76% من الرجال، وهو فارق يعكس، من بين أسباب أخرى، ارتفاع متوسط العمر المتوقع لدى النساء. ويحمل 31.6% من كبار السن مؤهلًا أكاديميًا.

أما فيما يتعلق بالدخل التقاعدي، فقد ارتفعت نسبة متلقي المعاشات التقاعدية بين عامي 2010 و2022 من 34% إلى 37%، كما ارتفع متوسط المعاش الشهري من نحو 5,000 شيكل إلى نحو 7,200 شيكل.

ومن الناحية الاقتصادية، تشير البيانات إلى أن الأسر حتى سن 70 عامًا تدفع للدولة ضرائب تفوق قيمة المدفوعات المباشرة التي تتلقاها منها (مثل المخصصات)، بفائض يقارب 315 شيكلًا شهريًا. أما بعد سن السبعين، فتنقلب الصورة، إذ تتجاوز المدفوعات الحكومية الضرائب المدفوعة بما يتراوح بين 682 و3,143 شيكلًا شهريًا.

مستوى التعاون بين الجهات الرسمية المعنية "متوسط"

تهدف "خريطة المؤشرات" إلى تزويد الحكومة بأداة لاتخاذ قرارات تستند إلى البيانات، بما يتيح إدارة أكثر كفاءة للموارد العامة، وتقليص الفجوات، وتعزيز عمليات الشيخوخة المثلى في إسرائيل. وفي تموز 2021 اعتمدت الحكومة، بموجب قرارها رقم 127، خريطة المؤشرات، وقررت، من بين أمور أخرى، أن تقوم الوزارات الحكومية، ولا سيما الوزارات التي يشكل تقديم الخدمات للمواطنين كبار السن جزءًا أساسيًا من عملها، بتوجيه سياساتها وآليات تدخلها بما يسهم في تحسين مؤشرات الشيخوخة وتقليص الفجوات بين المجموعات السكانية المختلفة.

وهذه الجهات الرسمية هي: وزارة المساواة الاجتماعية وتعزيز مكانة المرأة. وزارة الرفاه والأمن الاجتماعي. وزارة الصحة. ومؤسسة التأمين الوطني. وبين المؤشرات الرئيسية حول شيخوخة السكان في إسرائيل:

1.286 مليون شخص تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر كانوا يعيشون في إسرائيل العام 2024، وشكلوا نحو 13% من إجمالي سكان الدولة.

من المتوقع أن يرتفع العدد إلى نحو مليوني شخص بحلول العام 2050، أي ما يعادل نحو 15% من سكان إسرائيل.

بلغ متوسط العمر المتوقع العام 2023 نحو 81.4 سنة للرجال و85.5 سنة للنساء، وهو ما يمثل زيادة بنحو 16% خلال الخمسين عامًا الماضية.

رغم اعتماد الحكومة خطة استراتيجية لمواجهة شيخوخة السكان، لم يُنفَّذ أيٌّ من مسارات العمل الأربعة المحددة فيها بصورة كاملة.

لم يُحدَّد هدف كمي إلا لمؤشر رئيس واحد من أصل خمسة مؤشرات رئيسة وردت في خريطة مؤشرات الشيخوخة المثلى، التي أعدها فريق مشترك من ممثلي الوزارات الحكومية والقطاع الثالث، واعتمدتها الحكومة بموجب القرار رقم 127 للعام 2021.

وأفاد 70% من الجهات الحكومية العاملة في مجال الشيخوخة، خلال عملية المسح التي أجراها مكتب مراقب الدولة، بأن مستوى التعاون بين الجهات المختلفة المعنية بشيخوخة السكان متوسط أو أقل من ذلك.

"لم تضع الحكومة أي خطة وطنية متعددة السنوات"

تبيّن كما يقول مراقب الدولة الإسرائيلية أن 35% من ممثلي الجهات الحكومية المشاركة في المسح لم يكونوا على علم بالمشروع التجريبي الذي أطلقه مكتب رئيس الحكومة لتعزيز التنسيق بين الوزارات في مجال الشيخوخة.

وفي المقابل، يشدد التقرير على أنه "لم تضع الحكومة أي خطة وطنية متعددة السنوات، ممولة بميزانية محددة، تتضمن أهدافًا واضحة للاستعداد لشيخوخة السكان، خلافًا لما فعلته في قضايا اجتماعية واقتصادية أخرى تتطلب تعاون عدة وزارات".

خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني حتى تشرين الأول 2025، أجرى مكتب مراقب الدولة مراجعة لإدارة استعداد الحكومة لشيخوخة السكان، ولآليات التنسيق المؤسسي في التعامل مع هذه القضية.

شملت المراجعة الجهات التالية: شعبة كبار السن في وزارة المساواة الاجتماعية. شعبة الحكومة والمجتمع في مكتب رئيس الحكومة. إدارة المواطنين كبار السن في وزارة الرفاه والأمن الاجتماعي. مؤسسة التأمين الوطني. وزارة الصحة. كما أُجريت استكمالات للفحص في المجلس الوطني للاقتصاد.

في العام 2015 صنّف المجلس الوطني للاقتصاد شيخوخة السكان باعتبارها أحد التحديات الاقتصادية والاجتماعية الستة التي ستواجه دولة إسرائيل خلال العقود المقبلة. واعتمدت الحكومة، بموجب القرار رقم 145 للعام 2015، التقييم الاستراتيجي ومسارات العمل الواردة فيه، بما في ذلك تلك المتعلقة بمواجهة تحدي شيخوخة السكان.

إلا أن مراجعة مراقب الدولة أظهرت أن مسارات العمل الأربعة التي حددتها الخطة الاستراتيجية لم تُنفذ، أو نُفذ بعضها بصورة جزئية فقط، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: تفاقم عجز مؤسسة التأمين الوطني، بحيث جرى، بين عامي 2020 و2025، تقديم موعد نفاد أموال الصندوق بتسع سنوات؛ فبعد أن كان متوقعًا العام 2044 أصبح متوقعًا في العام 2035.

لا مواءمة لسن التقاعد مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، فلم يُعدَّل سن التقاعد بما يتلاءم مع الارتفاع المستمر في متوسط العمر المتوقع.

ما زال سن تقاعد الرجال 67 عامًا. ويرتفع سن تقاعد النساء تدريجيًا حتى 65 عامًا.

وفي المقابل يبلغ متوسط العمر المتوقع: 81.4 سنة للرجال. 85.5 سنة للنساء. وذلك وفق بيانات العام 2024.

هناك انخفاض لمشاركة كبار السن في سوق العمل. إذ بلغت نسبة مشاركة المواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين 67 و74 عامًا في سوق العمل خلال العام 2025: 22.3% بين النساء. 35.4% بين الرجال. وتشير التقديرات التي أعدها فريق المراجعة، استنادًا إلى الاتجاهات الحالية، إلى أن هذه النسب قد ترتفع بحلول العام 2030 إلى: 27% بين النساء. 39.9% بين الرجال. ومع ذلك، فإن هذه النسب ستظل أقل من الأهداف التي وضعتها الحكومة للعام 2030، والبالغة: 28.5% للنساء. 43.5% للرجال. 

نقص في أسرة الاستشفاء وأطباء طب الشيخوخة

يفيد المراقب أنه بين عامي 2020 و2023 انخفض عدد أسرّة الاستشفاء المخصصة لطب الشيخوخة لكل ألف شخص يبلغون 75 عامًا فأكثر بنسبة 16%، من نحو 65 سريرًا إلى نحو 55 سريرًا. كما أن عدد أطباء طب الشيخوخة بقي شبه ثابت بين عامي 2020 و2024، إذ بلغ: 0.86 طبيب لكل ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 65 و75 عامًا. 1.05 طبيب لكل ألف شخص يبلغون 75 عامًا فأكثر.

وأظهرت مراجعة المراقب أنه، بالرغم من مرور عشر سنوات على صدور قراري الحكومة رقم 145 و150 للعام 2015، اللذين اعتبرا الاستعداد لشيخوخة السكان قضية استراتيجية وطنية وألزما الوزراء بإدراجها ضمن خطط العمل السنوية لوزاراتهم، فإن الجهات الحكومية ذات الصلة، لم تبلور حتى الآن استجابة شاملة ومنسقة وطويلة الأمد، ولا تزال غير مستعدة بالشكل الكافي لمواجهة شيخوخة السكان.

كما تبين أن المجلس الوطني للاقتصاد لم يقدم للحكومة منذ تموز 2018 أي تقرير متابعة بشأن تنفيذ التقييم الاستراتيجي الصادر العام 2015، ولم يجرِ متابعة منتظمة لتنفيذ قرارات الحكومة المستندة إلى ذلك التقييم، خلافًا لما تقتضيه مهام فريق إدارة الاستراتيجية.

يشدّد المراقب كذلك على أن كلًا من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والاتحاد الأوروبي (EU) أكدت أن ضمان تنفيذ أي استراتيجية وعدم بقائها مجرد وثيقة نظرية يقتضي، في جملة أمور، تحديد المسؤوليات بصورة واضحة. وأظهرت المراجعة أن خريطة مؤشرات الشيخوخة المثلى، وكذلك قرار الحكومة للعام 2021 الذي اعتمدها، لم يحددا الجهة المسؤولة عن قيادة كل مؤشر من المؤشرات، أو عن تنسيق جميع الأنشطة المتعلقة به.

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة نظرًا إلى أن عددًا من المؤشرات يرتبط باختصاصات أكثر من جهة حكومية. فعلى سبيل المثال، تعمل وزارة الرفاه الاجتماعي ووزارة الصحة ومؤسسة التأمين الوطني جميعها على تحسين مؤشر الأداء الوظيفي لكبار السن، إلا أنه لا توجد جهة واحدة تتولى قيادة هذه الجهود أو تنسيقها.

كما أظهرت إجابات المسؤولين في الجهات الرئيسة العاملة في مجال الشيخوخة - وهي: وزارة المساواة الاجتماعية. وزارة الرفاه والأمن الاجتماعي. وزارة الصحة. مؤسسة التأمين الوطني. صناديق المرضى. مكتب رئيس الحكومة، والتي قُدمت إلى مكتب مراقب الدولة في إطار عملية جمع المعلومات، أن هناك نسبة من المشاركين في كل مؤشر لا تعرف أصلًا هوية الجهة المسؤولة عنه.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات