أسدل الكنيست الإسرائيلي، في نهاية الأسبوع الماضي، 17 تموز الجاري، الستار على ولايته الـ 25، ليتجه إلى انتخابات تشريعية، يوم 27 تشرين الأول المقبل، في موعدها القانوني، لأول مرة منذ 38 عاما، والمرّة السادسة في تاريخ الكنيست، كمؤشر على قوة وتلاحم الفريق الحاكم، الذي يَتوقع الاستمرار في الحكم، على الرغم من استطلاعات الرأي "السلبية" من ناحيته؛ إلا أن هذه الولاية شكلت تحولا كبيرا جدا، في المسار الإسرائيلي الداخلي، خاصة على صعيد تغييرات جدية في آليات الحكم، منها تحييد المستويات المهنية، وجعلها خاضعة كليا للجهات الحزبية أكثر من ذي قبل، وتشديد سطوة القوى الدينية المتشددة على مقدّرات الحكم والموارد المالية، وتشديد قبضة الاستيطان بقدر أكبر على الضفة الغربية، بعد تدمير كامل لقطاع غزة؛ والمفاجئ في هذه التحولات الإسرائيلية الداخلية أنها جاءت في وقت مبكر نسبيا، كونها كانت ضمن توقعات مستقبل إسرائيل.
وبموجب القانون الإسرائيلي، فإن انعقاد جلسات للهيئة العامة للكنيست سيكون حتى الانتخابات، لتمرير قوانين توافقية بين الائتلاف والمعارضة، غالبا تتعلق بأمور إجرائية تخص سير الانتخابات، أو قوانين ذات طابع اقتصادي واجتماعي متفق عليها؛ ونضيف في الوضع الحالي، تمديد قوانين طوارئ، تتعلق باستمرار الحرب على الشعب الفلسطيني، إذ إن قسما منها ينتهي مفعوله في نهاية شهر أيلول المقبل.
ونشير هنا إلى أن البعض يلوّح باحتمال تأجيل الانتخابات في حال تم استئناف الحرب على واحدة من الجبهات التي تحارب فيها إسرائيل، بشكل ينعكس على حرية الحركة في إسرائيل، وكانت حالة واحدة في تاريخ إسرائيل، تم فيها تأجيل الانتخابات البرلمانية لهذا السبب، في العام 1973، التي كان يجب أن تجري فيها الانتخابات في نهاية تشرين الأول (أكتوبر)، إلا أن اندلاع حرب السادس من أكتوبر، دفع إلى تأجيلها إلى اليوم الأخير من العام ذاته، 31 كانون الأول. كذلك، جرى تأجيل انتخابات المجالس البلدية والقروية، التي كانت مقررة في نهاية تشرين الأول 2023، بفعل شن الحرب على الشعب الفلسطيني، وجرت بعد 4 أشهر، في 28 شباط 2024.
ولاية برلمانية بدأت وانتهت بعواصف سياسية
كانت ثلاثة أرباع فترة الولاية البرلمانية، ثلاث سنوات من أصل أربع، تعمل في ظل الحروب الإسرائيلية، على الشعب الفلسطيني، ولبنان وسورية وإيران، وهذا عكس نفسه على سير عمل الولاية البرلمانية، وأدى إلى عرقلة العديد من مشاريع القوانين التي أعدها الائتلاف الحاكم، بما يتعلق بجهاز القضاء، وتقويضه لصالح الجسم السياسي الحاكم، وأيضا تغييرات في السياسات الاقتصادية وغيرها، وعلى الرغم من ذلك، فقد نجح الائتلاف في تمرير جزء من أجندته.
ونذكر أنه على الرغم من التناغم والتوافق السياسي بين أطراف الفريق الحاكم، تحت مظلة شخص بنيامين نتنياهو، أولا، ومن ثم حزبه الليكود، فإن ولادة الحكومة الحالية استغرقت شهرين كاملين من يوم الانتخابات، التي جرت يوم الأول من تشرين الثاني 2022، وحصل فيها الفريق الحاكم حاليا على 64 مقعدا، تعززت لاحقا بأربعة مقاعد من صفوف المعارضة. وجرى التصويت على منح الثقة لحكومة نتنياهو، يوم 30 كانون الأول العام ذاته.
حتى ذلك الوقت، كانت قد تكشفت أجندة الائتلاف الحاكم، في ما تمت تسميته في وسائل الإعلام الإسرائيلية، وفي صفوف المعارضة بـ "الانقلاب على الجهاز القضائي"، فهذا الجهاز لم يكن يوما، من حيث الجوهر، خارج الخط السياسي الرسمي الإسرائيلي، لا بل كان وما زال داعما لجوهر السياسات الإسرائيلية، المتعلقة بالحرب والاحتلال والاستيطان، وأيضا سياسات التمييز العنصري ضد المواطنين العرب. وعلى الرغم من هذا، كانت في جهاز القضاء فجوات وثغرات، قليلة، وبشكل خاص ما يحافظ على الوجه العلماني وحقوق الإسرائيليين المدنية، وما شابه، في حين أن لدى اليمين الاستيطاني المتشدد رغبات في تحرير جهاز القضاء الإسرائيلي من كل قيود تتعلق بالقانون الدولي، الذي خرقته المحكمة العليا الإسرائيلية مرارا، خلال عشرات السنين، على سبيل المثال شرعنة جدار الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة، الذي رفضته المحكمة الدولية، قبل أكثر من 20 عاما.
واندلعت حملة احتجاجات واسعة في المدن الإسرائيلية الكبرى، استقطبت مئات الألوف، ولاحقا تأزم المشهد الإسرائيلي، بانطلاق مظاهرات مضادة صاخبة، يقودها اليمين الاستيطاني المتطرف، مؤيدة لمشاريع الحكومة، وفي حالات قليلة، كادت أن تقع صدامات جماعية.
وكان منذ الأسابيع الأولى قد بدا واضحا التغيير في نهج جهاز الشرطة الإسرائيلية، الذي بموجب تعديلات قانونية، طلبها وحصل عليها الوزير إيتمار بن غفير، بات كليا منصاعا لسياسات بن غفيرورغباته وتوجهاته، لكن بحسب تقارير إسرائيلية، فإن تطبيق عناصر الشرطة جاء حتى أكثر من توجهات الوزير، وهذا احتد بشكل خاص في حملات القمع للنشاط السياسي للجماهير العربية، فلسطينيي الداخل، وخاصة مع إعلان حالة الحرب والطوارئ لاحقا، والتي ما تزال مستمرة.
على الرغم من أن الائتلاف لم ينجز نهائيا مشاريع قوانين تقوّض مكانة وصلاحيات المحكمة العليا، فإن الصدام مع جهاز القضاء قد وقع منذ اليوم الأول للحكومة، من خلال وزير العدل ياريف ليفين، ليس هو وحده، بل كل الحكومة، واشتد هذا أكثر مع وصول رئيس المحكمة العليا الحالي، إسحق عميت، إلى منصبه، على الرغم من معارضة كل الحكومة عليه، إلا أنه وصل إلى منصبه بموجب آلية انتخاب الرئيس تلقائيا، وهو الأكبر سنا من بين الأقدم في هيئة قضاة المحكمة العليا، إذ كانت محاولة لتغيير النظام بقانون، إلا أنها لم تنجح، لهذا قوبل عميت بمقاطعة كلية من الوزير ليفين ومن الحكومة، وحتى أن رئيس الكنيست خرق البرتوكول في شكل التعامل مع رئيس المحكمة العليا، في المناسبات الرسمية في الكنيست.
والأمر امتد بشدة أكثر حدّة مع المستشارة القانونية للحكومة، غالي بهراف- ميارا، وفشلت محاولات الحكومة الرامية إلى إقصائها من نصبها، في حين أن مشروع القانون الذي يقلل من صلاحيات المستشار القانوني للحكومة ومكانته، الذي أقر نهائيا في الكنيست في الأسبوع الماضي، سيدخل حيز التنفيذ في اليوم الأول من العام المقبل 2027، بمعنى بعد الانتخابات، وفي ظل حكومة جديدة، لا يمكن معرفة شكلها منذ الآن.
نشير في هذا السياق إلى أن الائتلاف مرّر في الأسبوع الماضي، عدة قوانين خلافية، منها 4 قوانين باتت أمام المحكمة العليا بطلب شطبها.
التحوّلات لدى نتنياهو والليكود
في العقد الأول من سنوات الألفين، حارب نتنياهو محاولات سطوة المستوطنين، ومؤيديهم، على حزب الليكود، لكن في السنوات القليلة الأخيرة بات الليكود، وزعيمه نتنياهو، ليس فقط جزءا من معسكر اليمين الاستيطاني المتطرف، بل قائدا سياسيا له، ينافس الحزبين الأشد تطرفا، "قوة يهودية" بزعامة إيتمار بن غفير، و"الصهيونية الدينية" بزعامة بتسلئيل سموتريتش، وهذا برز بشكل خاص في أداء كتلة الليكود البرلمانية، وأداء وزراء حزب الليكود، الذين منهم من برزوا بأنهم على نهج من قاد التيار الأشد تطرفا في سنوات الثمانين، مئير كهانا.
وأكثر من هذا، فإن الليكود كان وجه اليمين العلماني، وقاوم في ما مضى قوانين إكراه ديني، واليوم بات يدعمها، ليس فقط من باب البقاء في الحكم، بل أيضا انعكاسا للتحولات في الشارع الإسرائيلي، فقد دعم الليكود كل ما طلبته كتلتا اليهود الحريديم، وبشكل خاص، على سبيل المثال، في الأسبوع الماضي، سن قانون نهائي يرفع من مكانة طلاب معاهد التوراة، ليكون هذا مقدمة لإعفائهم من الخدمة العسكرية الإلزامية، وقانون آخر، بادر له حزب بن غفير، يجيز لمعاهد التعليم العالي تخصيص مسارات في كل مراحل التعليم، فيها فصل بين الجنسين، وليس فقط في مرحلة تعليم اللقب الأول، كما كان قائما حتى تعديل القانون.
وليس هذا فحسب، بل إن ولاية الكنيست المنتهية كانت ما يمكن تسميتها "ربيع الحريديم"، إذ أغدق الائتلاف الحاكم ميزانيات ضخمة، أكثر من ذي قبل، على جمهور الحريديم ومؤسساتهم، على الرغم من سلسلة قرارات صادرة عن المحكمة العليا، و"الربيع" ذاته سرى على المستوطنين والاستيطان في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة.
هل يشكّل نتنياهو الحكومة المقبلة؟
الجواب الفوري على هذا السؤال هو: لا، بحسب ما يظهر في كل استطلاعات الرأي العام التي تنشر تباعا، منذ بدء عمل هذه الحكومة، فعليا، في مطلع العام 2023. وفي الأسبوعين الأخيرين، اشتد ابتعاد مجموع مقاعد الفريق الحاكم، عن الأغلبية المطلقة، 61 نائبا، في حين حقق في الانتخابات السابقة 64 مقعدا، لكن ساهم في هذه الأغلبية، خروج حوالي 8.5% من أصوات الناخبين، من حسابات توزيع المقاعد، بفعل عدم اجتياز قوائم انتخابية، نسبة الحسم (3.25%)، بقدر كبير، في حين أن معدل هذه النسبة في الانتخابات في حدود 3%.
ما يعني أن الأغلبية التي حققها الائتلاف الحالي ليست واقعية إلى هذا الحد من حيث القوة في الشارع.
وعلى الرغم من نتائج استطلاعات الرأي العام، التي تنشر تباعا، وما تحمله من خلل في تقديرات كتلتي الحريديم من جهة الائتلاف، وتقديرات قوة العرب، من جهة المعارضة، فإنه حتى يوم الانتخابات، كل الاحتمالات قائمة، بما في ذلك استمرار نتنياهو في الحكم.
لكن منذ الآن، بالإمكان التقدير أن كل نتيجة، وكل حكومة ستكون، من الصعب رؤيتها تتمتع بهذا التماسك القائم في الائتلاف الحالي، ما يعني عودة إسرائيل إلى حالة عدم استقرار سياسي، من ناحية عُمر الحكومة والكنيست.
المصطلحات المستخدمة:
المستشار القانوني للحكومة, الصهيونية, بتسلئيل, الليكود, الكنيست, بنيامين نتنياهو