يحتل غادي أيزنكوت موقعًا متقدمًا في النقاش الإسرائيلي حول العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية، وحدود استخدام القوة، وطبيعة العقيدة الأمنية الملائمة لمواجهة التحولات الإقليمية، فقد تشكل مساره داخل الجيش على امتداد جبهات لبنان والضفة الغربية وسورية وقطاع غزة، قبل أن يصل إلى رئاسة هيئة الأركان العامة ويشارك في صياغة عدد من المفاهيم التي تركت أثرًا واضحًا في التفكير العسكري الإسرائيلي، وفي مقدمتها "عقيدة الضاحية"، و"المعركة بين الحروب"، وإعادة تعريف الحسم في المواجهات مع التنظيمات المسلحة.
تكتسب دراسة أيزنكوت أهمية إضافية مع انتقاله إلى الحياة السياسية، ومشاركته في مجلس الحرب بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ثم محاولته بناء موقع مستقل داخل المركز السياسي الإسرائيلي، حيث تكشف سيرته عن امتداد مباشر للخبرة العسكرية داخل المجال السياسي، حيث تُنقل مفاهيم الردع والجاهزية وتحديد الأهداف من هيئة الأركان إلى إدارة الدولة والصراع الحزبي، ويتيح تتبع محطات حياته وأفكاره قراءة التحولات التي مرت بها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وفهم موقع التيار العسكري المؤسسي في مواجهة اليمين الديني والشعبوي، من دون أن يغادر هذا التيار مرتكزات الإجماع الأمني الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين والمنطقة.
يمثل غادي أيزنكوت نموذجًا بارزًا للانتقال من القيادة العسكرية إلى العمل السياسي في إسرائيل، فقد أمضى أكثر من أربعة عقود في الجيش، صعد خلالها من صفوف لواء "غولاني" إلى رئاسة "هيئة الأركان العامة"، وشارك في إدارة جبهات لبنان والضفة الغربية وسورية وقطاع غزة، كما ارتبط اسمه بـ "عقيدة الضاحية"، وبتوسيع "المعركة بين الحروب"، وبإصدار وثيقة استراتيجية الجيش الإسرائيلي عام 2015، فضلًًا عن خطة "جدعون" التي هدفت إلى إعادة تنظيم الجيش وتكييفه مع التهديدات الإقليمية المتغيرة.
تكشف مسيرة أيزنكوت عن ضابط تشكّل وعيه العسكري في المواجهات البرية الطويلة، خصوصًا في جنوب لبنان، ثم انتقل إلى بناء تصور أوسع للحرب يقوم على "الردع، والضربات الوقائية، والاعتماد على الاستخبارات، وإلحاق أضرار واسعة بقدرات الخصم وبنيته التحتية". وعندما دخل السياسة، حافظ على معظم عناصر هذا التفكير، لا سيما: مركزية الأمن، قوة المؤسسات، الحذر من الأهداف العسكرية غير القابلة للتحقّق، وضرورة ربط الحرب بقرار سياسي واضح.
النشأة
وُلد غادي أيزنكوت في مدينة طبريا في 19 أيار 1960، وكان الابن الثاني بين أربعة أبناء لمئير وإستر أيزنكوت، وهما من اليهود المغاربة الذين هاجروا إلى فلسطين خلال خمسينيات القرن العشرين، حيث جاء والده من مدينة آسفي، فيما قدمت والدته من الدار البيضاء. انتقلت العائلة خلال طفولته إلى إيلات في أقصى جنوب ما صار يُسمى إسرائيل، وعمل والده في مناجم النحاس. نشأ أيزنكوت داخل أسرة من الطبقة العاملة وفي مدينة طرفية بعيدة عن المراكز السياسية والعسكرية التقليدية. وقد رافقت هذه الخلفية صورته العامة خلال صعوده داخل الجيش، بوصفه ضابطًا مزراحيًا ("شرقيًا") جاء من بيئة محدودة الموارد واعتمد في تقدّمه على الخدمة الميدانية والمسار القيادي المتدرج، ودرس في مدرسة "غولدواتر الثانوية"، وتخصص في الدراسات البحرية، كما شارك في نشاطات نادٍ عام للإبحار، وهناك تعرّف إلى حانه التي أصبحت زوجته لاحقًا، وعاش سنوات نشأته في مدينة حدودية تقع قرب البحر الأحمر، وتواجه بصورة دائمة مسائل الحماية والمراقبة والاتصال بالمركز.
التحق أيزنكوت بالجيش في تشرين الثاني 1978، حيث حاول بدايةً الانضمام إلى دورة الطيران، ثم انتقل إلى الكتيبة 51 في لواء غولاني، ومنذ تلك اللحظة ارتبط مساره بالقوات البرية، التي بقيت المكون الأساس في تكوينه العسكري وفي رؤيته لاستخدام القوة، وتدرج في مناصب "غولاني" من قيادة الفصيلة إلى قيادة السرية، وشارك في حرب لبنان عام 1982، التي أتاحت له خبرة مباشرة في العمليات البرية داخل المناطق الجبلية والمدن، وفي العمل ضمن قوات تتقدم داخل "أراضٍ معادية" وتواجه مقاومة محلية متحركة، وتولى لاحقًا قيادة الكتيبة 13، وشغل منصب ضابط العمليات في اللواء خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. كانت تلك المرحلة حاسمة في تكوينه؛ فقد واجه الجيش الإسرائيلي تنظيمًا مسلحًا يعتمد على الكمائن والعبوات والهجمات المحدودة، ويتجنب المواجهة التقليدية المباشرة، حيث عايش أيزنكوت في تلك السنوات صعوبة السيطرة الدائمة على "منطقة معادية"، ومحدودية التفوق العسكري في منع الاستنزاف، والحاجة إلى الجمع بين المعلومات الاستخبارية والحركة البرية والرد الناري السريع.
في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين، أصبح أيزنكوت قائدًا لـ "لواء غولاني"، بعد أن شغل معظم المناصب الأساسية داخله، وركز خلال قيادته على التدريب والجاهزية، في مرحلة سبقت الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان العام 2000 وشهدت تصاعدًا في عمليات المقاومة لحزب الله ضد القوات الإسرائيلية.
الضفة الغربية وإدارة السيطرة العسكرية
بعد انتقاله من "لواء غولاني"، تولى أيزنكوت قيادة فرقة "باشان" المدرعة، ثم عُيّن قائدًا لفرقة الضفة الغربية التابعة لقيادة "المنطقة الوسطى" خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وفيها أشرف على عمليات الجيش داخل المدن والمخيمات الفلسطينية، بما شمل الاجتياحات والاعتقالات وملاحقة الخلايا وتنفيذ العمليات المبنية على المعلومات الاستخبارية.
أضافت هذه المرحلة إلى تجربته معرفة تفصيلية بإدارة العمليات العسكرية داخل مناطق مأهولة، وباستخدام الاستخبارات في تحديد مواقع الأفراد والمواقع المستهدفة، وبالعمل اليومي الذي يجمع بين السيطرة الأمنية والتحركات العسكرية المحدودة، تشكلت خبرته، بذلك، في سياقين متداخلين: مواجهة حزب الله في جنوب لبنان، وإدارة السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الضفة الغربية خلال الانتفاضة، وقد انعكس هذان السياقان لاحقًا في تفكيره الأمني: فقد أولى أهمية كبيرة للاستخبارات الدقيقة، وسرعة الوصول إلى الأهداف، وحماية القوات، وتقليص قدرة الخصم على إعادة تنظيم نفسه، كما حافظ على مركزية القوات البرية، رغم توسع دور سلاح الجو والتكنولوجيا في العقيدة العسكرية الإسرائيلية.
حرب لبنان الثانية وإعادة بناء الجبهة الشمالية
عُيّن أيزنكوت رئيسًا لشعبة العمليات في هيئة الأركان في حزيران 2005، وبقي في المنصب حتى تشرين الأول 2006. خلال هذه الفترة شارك في إدارة حرب لبنان الثانية (2006)، التي كشفت مشكلات عميقة في جاهزية الجيش، وفي أداء القوات البرية، وفي التنسيق بين القيادة والوحدات الميدانية.
اعتمد الجيش خلال المراحل الأولى من الحرب على القصف الجوي، وتأخر في إطلاق "مناورة برية واسعة"، وقد ظهرت مشكلات في استدعاء الاحتياط، والإمداد، وتحديد المهمات، والانتقال بين الخطط، وكان أيزنكوت من الضباط الذين دفعوا باتجاه زيادة الاعتماد على القوات البرية وتوسيع المناورة. بعد الحرب، تولى قيادة المنطقة الشمالية خلفًا لأودي آدم، وقد جاءت مهمته في سياق مراجعة واسعة لأداء الجيش، وإعادة بناء الثقة بقدرته على مواجهة حزب الله، حيث ركّز أيزنكوت على رفع جاهزية القوات، وزيادة تدريبات الوحدات النظامية والاحتياطية، وتسريع التعبئة، وتعزيز التحصينات والمراقبة على الحدود، وقد نفذت القيادة الشمالية في عهده تدريبات تحاكي إطلاقًا كثيفًا للصواريخ، وتسلل مقاتلين إلى داخل إسرائيل، والقتال في القرى اللبنانية، والعمل بالتزامن على أكثر من جبهة، كما جرى تعزيز التنسيق بين القوات البرية وسلاح الجو وأجهزة الاستخبارات، وفي العام 2010، أعلن أن الجيش أصبح قادرًا على الانتقال من الهدوء إلى الحرب الشاملة خلال ساعات.
"عقيدة الضاحية"
برز اسم أيزنكوت خارج المؤسسة العسكرية مع طرحه ما عُرف لاحقًا بـ "عقيدة الضاحية"، نسبةً إلى الضاحية الجنوبية في بيروت التي تعرضت لقصف واسع خلال حرب لبنان الثانية، حيث أعلن، خلال قيادته للمنطقة الشمالية، أن الجيش الإسرائيلي سيتعامل مع القرى والمناطق التي يستخدمها حزب الله لإطلاق النار بوصفها قواعد عسكرية، وسيستخدم ضدها قوة غير متناسبة.
تقوم العقيدة على إلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية ومراكز القيادة ووسائل النقل وشبكات الكهرباء والمباني التي يستخدمها الخصم. ويفترض هذا التصور أن الضربات المحدودة ضد المقاتلين والمواقع العسكرية لن تكون كافية لفرض الردع، ما دام التنظيم المسلح قادرًا على العمل داخل بيئة مدنية توفر له المجال والبنية اللازمة للاستمرار.
يرى أيزنكوت أن "الردع ينشأ عندما يدرك الخصم أن كلفة المواجهة ستتجاوز المكاسب التي يتوقع تحقيقها"، لذلك تهدف القوة الواسعة إلى ضرب قدرته العسكرية ورفع الكلفة المادية والاجتماعية والسياسية للحرب، وقد دخلت هذه العقيدة إلى صلب النقاش حول الحروب الإسرائيلية في لبنان وقطاع غزة، كما تعرضت لانتقادات قانونية وأخلاقية بسبب آثارها الواسعة على السكان المدنيين، وبسبب توسيعها نطاق الأهداف ليشمل البنية التحتية والمناطق المأهولة، حيث دافع مؤيدوها عنها باعتبارها وسيلة لتقصير مدة الحرب، وتقليل خسائر الجيش، ومنع الخصوم من العودة سريعًا إلى القتال. وبذلك، تكشف "عقيدة الضاحية" جانبًا أساسيًا في تفكير أيزنكوت، الذي يؤكد على أن استخدام قوة شديدة خلال فترة زمنية محدودة، بغرض فرض معادلة ردع تستمر بعد توقف العمليات، هي رؤية تمنح الأولوية للنتيجة العسكرية والأمنية، وتتعامل مع الدمار الواسع باعتباره أداة للضغط على الخصم والبيئة التي يعمل داخلها.
رئاسة هيئة الأركان العامة وإعادة تنظيم الجيش
تولى أيزنكوت رئاسة هيئة الأركان في 16 شباط 2015، خلفًا لبيني غانتس، وقد جاءت ولايته بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة العام 2014، التي أظهرت صعوبة التعامل مع الأنفاق، ومحدودية جاهزية القوات البرية، وتعقيد تحقيق الحسم في مواجهة حركة حماس. أطلق أيزنكوت خطة متعددة السنوات حملت اسم "جدعون"، وهدفت إلى إنشاء جيش أصغر حجمًا وأكثر مرونة، وشملت الخطة تقليص الوظائف غير القتالية، ودمج وحدات لوجستية، وخفض أعداد العاملين في المقرات، وتحويل الموارد إلى التدريب والتسليح والمخزون العسكري. لقد سعى أيزنكوت بهذه الخطة إلى معالجة التفاوت بين الإنفاق على سلاح الجو والتكنولوجيا وبين مستوى جاهزية القوات البرية، ورأى أن الجيش سيحتاج إلى قوات قادرة على المناورة داخل أراضي "الخصم"، بالتزامن مع توظيف المعلومات الاستخبارية والضربات الجوية والوسائل السيبرانية، وقد شهدت فترة ولايته زيادة في التدريبات متعددة الجبهات، وتطوير وسائل اكتشاف الأنفاق، وربط الاستخبارات بالوحدات الميدانية، وتوسيع استخدام الطائرات من دون طيار والقدرات السيبرانية، كما ركز على مواجهة سيناريو يجمع بين القتال ضد حزب الله وحماس وقوات مدعومة من إيران.
استراتيجية الجيش ومفهوم "الحسم"
أصدر أيزنكوت العام 2015 وثيقة استراتيجية رسمية للجيش الإسرائيلي، في خطوة هدفت إلى تحديد وظائف الجيش ومبادئ استخدام القوة في "البيئة الإقليمية"، وقد وضعت الوثيقة "الردع، والإنذار المبكر، والدفاع، والحسم" في صلب عمل الجيش، وأقرت بأن التهديدات لم تعد محصورة في الجيوش النظامية، مع تصاعد دور التنظيمات المسلحة، والصواريخ، والأنفاق، والهجمات السيبرانية، والجبهات المرتبطة بإيران. لقد أعادت الوثيقة تعريف الحسم بما يتلاءم مع مواجهة حزب الله وحماس، ولم يعد الحسم مرادفًا لاحتلال عاصمة أو فرض استسلام رسمي، وأصبح مرتبطًا بتدمير جزء كبير من قدرات الخصم، وتعطيل قيادته، وتقليص قدرته على مواصلة القتال، وإنهاء المواجهة في وضع أمني أفضل لإسرائيل، وقد شددت الوثيقة على ضرورة تحديد القيادة السياسية أهداف الحرب قبل بدايتها، وعلى ربط الخطط العسكرية بالنتائج السياسية المطلوبة، وقد عكس ذلك ميل أيزنكوت إلى الحذر من الحروب التي تبدأ بشعارات عامة وتفتقر إلى تعريف واضح لما تريد القيادة تحقيقه.
"المعركة بين الحروب" ومواجهة إيران
مثلت "المعركة بين الحروب" أحد أبرز مكونات استراتيجية أيزنكوت، حيث تقوم هذه السياسة على تنفيذ ضربات وعمليات سرية خلال فترات الهدوء، بهدف إضعاف الخصم، وتأخير بناء قوته، ومنعه من الحصول على أسلحة متطورة، وقد توسعت هذه العمليات خلال رئاسته لهيئة الأركان العامة، وتركزت بصورة خاصة في سورية، حيث استهدفت الغارات مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني، وشحنات سلاح متجهة إلى حزب الله، ومخازن صواريخ، ومشروعات لتطوير الصواريخ الدقيقة.
اعتمد هذا التصور على الاستخبارات والقصف الجوي والعمليات السرية والتخريب، مع ضبط مستوى التصعيد لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، وقد رأى أيزنكوت أن الضربات المتواصلة تمنح إسرائيل وقتًا، وتعرقل مشروعات الخصوم، وتحافظ على تفوقها العسكري. في مقابل ذلك، أدت العمليات إلى تدمير عدد كبير من الأهداف وتأخير بعض مشروعات إيران وحزب الله. ومع ذلك، استمر الوجود الإيراني في سورية، واحتفظ حزب الله بترسانة صاروخية كبيرة، وبقيت "المعركة بين الحروب" وسيلة لإدارة التهديد وتقليص سرعته، ضمن مواجهة مفتوحة لا تملك حلًا عسكريًا نهائيًا.
العمليات البارزة والجدل حول الجاهزية
أشرف أيزنكوت في نهاية ولايته على عملية "درع الشمال"، في كانون الأول 2018، التي أعلن الجيش خلالها اكتشاف وتدمير ستة أنفاق حفرها حزب الله عبر منطقة الحدود اللبنانية، وقدمت المؤسسة العسكرية العملية باعتبارها نجاحًا استخباريًا وهندسيًا منع استخدام الأنفاق في هجوم بري، كما نفذ الجيش خلال عهده عملية "حسن الجوار"، التي قدمت مساعدات طبية وغذائية للسوريين قرب الجولان، وارتبطت العملية بتأمين الحدود، ومنع اقتراب "قوات معادية"، وبناء علاقات مع السكان المحليين في المناطق المجاورة.
في المقابل، تعرضت سياساته لانتقادات بسبب الاعتماد الكبير على القوة الجوية والاستخبارات والتكنولوجيا، حيث حذر مفوض شكاوى الجنود إسحق بريك العام 2018 من ضعف جاهزية القوات البرية لحرب واسعة، ودخل في خلاف علني مع أيزنكوت الذي رفض تقديراته، وقد تجدد هذا النقاش بعد هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع طرح أسئلة حول الاعتماد على أنظمة المراقبة والتقديرات الاستخبارية، وإهمال احتمالات الهجوم البري منخفض التقنية، وقد ربط منتقدون هذه المشكلة بالتحولات التي تعززت خلال خطة "جدعون"، فيما أشار المدافعون عنه إلى زيادة التدريبات ونجاح العمليات ضد إيران والأنفاق.
لقد ظهر تمسك أيزنكوت بانضباط المؤسسة العسكرية في قضية الجندي إليئور أزاريا، الذي أطلق النار وأعدم فلسطينيًا جريحًا في الخليل العام 2016، حيث دعم محاكمته، ورفض الضغوط السياسية التي طالبت بتبرئته، مؤكدًا خضوع إطلاق النار لسلسلة القيادة والقانون العسكري.
من رئاسة هيئة أركان الجيش إلى العمل السياسي
أنهى أيزنكوت خدمته العسكرية في كانون الثاني 2019، بعد 41 عامًا في الجيش، حيث دخل السياسة في آب 2022، وانضم إلى "المعسكر الرسمي" بقيادة بيني غانتس وجدعون ساعر، واحتل المرتبة الثالثة في قائمة الحزب، وبعد انتخابات تشرين الثاني 2022، أصبح عضوًا في الكنيست ضمن كتلة حصلت على 12 مقعدًا..
ركّز خطابه السياسي على الأمن، وحماية مؤسسات الدولة، ومنع تسييس الجيش، والدفاع عن استقلال القضاء، كما عارض خطة الحكومة لتغيير النظام القضائي، ودعا إلى تجميدها، وحذر من تأثيرها على توازن السلطات والثقة العامة. أما في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، فقد أيد الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وعارض إعادة الاستيطان في قطاع غزة، واقترح إدارة فلسطينية تكنوقراطية للقطاع بعد الحرب، بدعم أميركي وعربي ودولي، على أن يسبق ذلك نزع السلاح ومنع حماس من إعادة بناء قدراتها.
مجلس الحرب وحدود القوة العسكرية
بعد هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، انضم أيزنكوت إلى حكومة الطوارئ وزيرًا بلا حقيبة، وشارك بصفة مراقب في مجلس الحرب إلى جانب بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت وبيني غانتس، خلال هذه الفترة، دعا إلى تسريع العملية العسكرية في رفح، واتهم نتنياهو لاحقًا بتأخيرها لأسباب سياسية. في الوقت نفسه، أكد أن استعادة المحتجزين الإسرائيليين تحتاج إلى صفقة تتضمن هدنة أو وقفًا طويلًا للقتال، وأن الضغط العسكري وحده لن يضمن إعادتهم أحياء.
من ناحية ثانية، رفض أيزنكوت خطاب "النصر المطلق" على حماس، ورأى أن القضاء الكامل عليها في المدى القريب هو هدف غير واقعي، وطالب بالجمع بين العمليات العسكرية، وصفقة المحتجزين، ووضع خطة لإدارة قطاع غزة بعد الحرب، وقد اكتسبت مواقفه بعدًا شخصيًا بعد مقتل ابنه غال في قطاع غزة في كانون الأول 2023، ثم مقتل ابن شقيقته ماور كوهين أيزنكوت في اليوم التالي، وفقدان قريب آخر في العمليات اللاحقة، قبل أن يغادر أيزنكوت وغانتس حكومة الطوارئ في حزيران 2024، حيث اتهما نتنياهو بتأخير القرارات، وإدارة الحرب تحت تأثير الاعتبارات السياسية، وغياب خطة واضحة لما سيأتي بعد العمليات العسكرية.
تأسيس حزب "يشار" والبحث عن موقع سياسي مستقل
في حزيران 2025، أعلن أيزنكوت مغادرة "المعسكر الرسمي"، ثم استقال من الكنيست في تموز، وقد ارتبط قراره بخلافات حول طريقة إدارة الحزب، وآليات اختيار قيادته، وقدرته على بناء بديل انتخابي لحكومة بنيامين نتنياهو. وأسس في أيلول 2025 حزب "يشار" (استقامة)، وضم إليه شخصيات عسكرية وسياسية واقتصادية، وركز الحزب على النزاهة، والمسؤولية الرسمية، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتشكيل لجنة تحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر، واستعادة الثقة العامة.
يتموضع أيزنكوت داخل الوسط الأمني الإسرائيلي، حيث يدعم استمرار العمل العسكري ضد إيران وحزب الله وحماس، ويتمسك بقوة الجيش ومؤسسات الدولة، ويعارض إخضاع القضاء والجيش للمصالح الحزبية الضيقة، كما يرفض الخطاب الذي يضع أهدافًا عسكرية مطلقة من دون تعريف واقعي لوسائل تحقيقها.