المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
"الاختناقات المرورية واحدة من أشد الأزمات الإسرائيلية".  (وكالات)

ظهرت إلى السطح في الأيام الأخيرة قضيتان من القضايا الداخلية الأكثر إلحاحا التي تواجهها إسرائيل: أزمة الاختناقات المرورية، الناجمة عن تأخر تنفيذ مشاريع بنيوية كبيرة، بالتزامن مع تدفق المركبات بوتيرة عالية، تفوق طاقة الشوارع، خاصة في السنوات الست الأخيرة. والثانية، هي قضية إنتاج الكهرباء على صعيدين: الأول خطر أن تواجه إسرائيل نقصا في الكهرباء في السنوات القليلة المقبلة، والثانية هي عملية الانتقال بوتيرة أسرع نحو الطاقة المتجددة.

أزمة السير والمواصلات

صدر، قبل بضعة أشهر، تقرير حكومي إسرائيلي حذّر من حالة التفجر السكاني التي سيشهدها مركز البلاد، زيادة على الحالة القائمة اليوم، بسبب عدم نجاح كل المخططات الحكومية لإقناع غالبية السكان اليهود بالانتقال للسكن في المناطق البعيدة؛ إذ تفضّل الأجيال الشابة البقاء في منطقة تل أبيب الكبرى، المركز الاقتصادي الأكبر، والاجتماعي الشبابي، وهذا ينعكس بشكل حاد على الاختناقات المرورية، التي تتفاقم باستمرار، بدون وضع حلول سريعة نسبيا لتخفيفها.

وتعد قضية الاختناقات المرورية واحدة من أشد الأزمات الإسرائيلية على المستوى الداخلي، والأزمة الأشد هي في منطقة تل أبيب الكبرى، وهي أبرز انعكاسات حالة التفجر السكاني في هذه المنطقة، التي تعد قلب الاقتصاد الإسرائيلي، خاصة الصناعات العصرية المتطورة، ومركز الجمهور العلماني، لذا فهي العنوان الأول للهجرة الداخلية لهذا الجمهور، وبشكل خاص الأجيال الشابة.

تؤكد تقارير متخصصة أن الاختناقات المرورية في منطقة تل أبيب الكبرى من شأنها أن تتفاقم أكثر كلما تقدمت السنوات، ما سينعكس سلبا على الاقتصاد الإسرائيلي وحجم الإنتاجية، إلى جانب الانعكاس سلبا على رفاهية الجمهور. لكن منذ الآن بات واضحا أن الاختناقات المرورية تتفاقم بوتيرة أسرع من تلك التي توقعتها التقارير، على الرغم من كثرة مشاريع الشوارع السريعة بين المدن، وشارع عابر إسرائيل، أو حسب ما يسمى "شارع رقم 6"، مع تفرعاته العديدة، والأنفاق التي فتحت في السنوات الثلاث الأخيرة تدريجيا، بشكل خاص.

وإذا كانت المعاناة التقليدية هي صباح أيام الأحد من الشمال لمركز البلاد، ومساء أيام الخميس من الجنوب إلى مركز وشمال البلاد، فإن هذه المعاناة باتت خمسة أيام أسبوعيا، من الأحد إلى الخميس، وبشكل خاص في المقطع المركزي لشارع عابر إسرائيل، الذي يمتد على طول 62 كيلومترا، والسرعة القصوى المتاحة فيه 120 كيلومترا بالساعة، إلا أنه في ساعات الاكتظاظ يستغرق عبور هذا المقطع بين ساعة ونصف الساعة إلى ساعتين.

أزمات السير الخانقة تعود إلى تأخر كبير في تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، يضاف لها التدفق الضخم للسيارات الجديدة سنويا، منذ العام 2016، وحتى العام الماضي، إذ سنويا دخل إلى البلاد ما بين 250 ألف سيارة إلى أكثر بقليل من 300 ألف سيارة، وعدد السيارات التي تتوقف عن الحركة سنويا نحو ثلث أعداد السيارات الجديدة.

على ضوء هذا، قررت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، أن عدد المركبات بالنسبة لطول الطريق (أي معدل الازدحام) في إسرائيل هو الأعلى بين دول المنظمة. ففي هذا العام، وفي الأشهر الثمانية الأولى منه، تم تسليم أكثر من 205 آلاف سيارة، مقابل قرابة 27 ألف سيارة في الفترة نفسها من العام الماضي، وهذا التراجع يعود إلى تأخير حاد في وصول السيارات الجديدة من مصانعها. 

تقول صحيفة "ذي ماركر"الاقتصادية، في تقرير لها الأسبوع الماضي، إن المشكلة تبدأ بسوء التخطيط لاحتياجات النقل في إسرائيل، والحقيقة الأكثر إثارة للدهشة، هي أن إسرائيل ليست لديها خطة إستراتيجية طويلة المدى لمشاكل النقل فيها. إذ يتم رصف المزيد من الطرق والتقاطعات، ويوما ما سيبدأ تشغيل السكك الحديدية الخفيفة في تل أبيب. لكن لا أحد يرى الصورة الكاملة من الأعلى، ويخطط لاحتياجات النقل على المدى الطويل. حتى قانون مترو الأنفاق، الذي تمت صياغته وهو جاهز، عالق في الكنيست منذ عدة أشهر.

ففي العام 2012، قدمت وزارتا المالية والنقل خطة استراتيجية للنقل العام لمدة 25 عاما، بما في ذلك أهداف قابلة للتطبيق أخذت في الاعتبار، مثل كثافة السكان في المستقبل. وكان الحل المقترح هو استثمار نحو 250 مليار شيكل في النقل العام على مدى 25 عاما (نحو 10 مليار شيكل سنويا- تعادل 3 مليارات دولار حاليا)، وكان التركيز الأساس على نظام النقل الجماعي. وكان من المفترض أن يؤدي التطبيق الكامل للبرنامج إلى تحقيق مكاسب اقتصادية على المدى الطويل بنحو 25 إلى 40 مليار شيكل سنويا.

ومع ذلك، وفقا لمراجعة أجراها مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست، فإن الخطة كانت بمثابة أساس لخطط استراتيجية أخرى، لكن لم يتم تبنيها كجزء من قرار ملزم.

وتقول الصحيفة إنه منذ العام 2013، بلغ متوسط ​​الميزانية المعتمدة لتطوير النقل العام نحو 5 مليارات شيكل في السنة، وهو نصف الهدف في الخطة الاستراتيجية. كما فشلت محاولة مسؤولين كبار في وزارة المالية لاعتماد خطة البنية التحتية 2030، والتي تضمنت أيضا سياسة استثمار النقل، بقرار حكومي.

وقالت دراسة جامعية عرضتها الصحيفة، اعتمدت على مقارنات عالية، إن مدة السفر لذات المسافة في إسرائيل، أعلى بنحو 45% من المعدل في الدول المتطورة. وتأخذ هذه الفجوة بُعدا مختلفا، عند النظر في حجم استثمارات إسرائيل في مجال النقل. 

وفحص خبراء في "معهد أهارون" هذه الاستثمارات بناء على فحص القيمة الإجمالية (رأس المال) للنقل والطرق والقطارات في إسرائيل، حسب تقدير المحاسب العام. ففي إسرائيل، يصل رصيد النقل الرأسمالي إلى 14% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد، بينما تبلغ النسبة في بلدان المؤشر 23.6% من الناتج المحلي الإجمالي. بعبارة أخرى: على مر السنوات، استثمرت الدول الغربية أكثر في النقل وحسّنته بشكل كبير، في حين تُركت إسرائيل وراءها وبدون خطة استراتيجية طويلة الأمد.

يعتقد "معهد أهارون" أن الخطوة الأولى على طريق تقليص الفجوة في المخزون الرأسمالي للمواصلات بين إسرائيل والدول المعنية يجب أن تكون قرارا بتخصيص إطار الميزانية اللازم. الحل هو الاستثمارات الحكومية في المشاريع بالتعاون مع قطاع الأعمال، مع الالتزام بالخطة الإستراتيجية متعددة السنوات.

وفقا لتحليل الخبراء في المعهد، فقد استثمرت إسرائيل بين العامين 2002 و2022 في النقل، ما متوسطه 1.13% من حجم الناتج المحلي الإجمالي السنوي، بما في ذلك الطرق والقطارات. وقالوا إن هذا المعدل يجب أن يقفز تدريجيا إلى نسبة ​​2% بحلول العام 2040، خاصة في القطارات (1.24%).

كجزء من الخطة الاستراتيجية، لن يكون من الضروري فقط إنشاء خطوط مترو في تل أبيب، ولكن أيضا إضافة قطارات ثقيلة بين المدن والطرق ووسائل النقل العام في مناطق القدس وحيفا وبئر السبع. من أجل تحقيق أهداف الوصول إلى وسائل النقل، يجب أن يصل إجمالي الاستثمار، وفقا للخبراء، إلى 900 مليار شيكل (بأسعار 2019) بحلول العام 2040.

وحسب "معهد أهارون"، فإن الفائدة التي تعود على الاقتصاد ستكون عالية بشكل خاص. وبحلول العام 2040، سيكسب الاقتصاد 110 مليار شيكل نتيجة الاستثمار في النقل. بمعنى آخر، هذا نمو سنوي بنسبة 7% في الناتج المحلي الإجمالي عند الاستحقاق الكامل في العام 2040، مما يعني عائدا بنسبة 10% إلى 15% على الاستثمار.

أزمة الكهرباء

يتزايد الجدل في إسرائيل حول تأخر برامج إنتاج الكهرباء بالطاقة المتجددة، وبالتقنيات الأقل تلوثا، وخاصة الاستغناء كليا عن الفحم الحجري، الذي من المفترض التوقف عن استخدامه في العام 2025، إضافة إلى زيادة إنتاج الطاقة المتجددة من خلال الطاقة الشمسية والرياح.

فحتى نهاية العام الماضي 2021، فشلت إسرائيل في تحقيق أهداف إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة. وبحسب معطيات نشرتها وزارة الطاقة وسلطة الكهرباء، فإن 8.1% فقط من الكهرباء المنتجة في إسرائيل العام الماضي كانت من الطاقات المتجددة مثل الشمس والرياح. وكان الهدف المحدد للعام 2020 هو 10% من إجمالي الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، وفي ذلك العام كان إجمالي إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة 6.3% فقط.

ويرى خبراء، أن وزارة الطاقة وهيئة الكهرباء ملزمتان بمحو فترة تأخر لسنوات في مجال الطاقات المتجددة، بعد أن رفعت الحكومة في تشرين الأول من العام 2020 أهداف إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة إلى 20% من إجمالي استهلاك الكهرباء العام 2025 و30% في العام 2030. 

طرحت في الأسبوع الماضي، على هيئة منبثقة عن وزارة الطاقة الإسرائيلية، خطة محدّثة لقطاع الكهرباء، وذلك في ضوء التغييرات العديدة التي حدثت في الاقتصاد منذ العام 2017، الذي تم فيه تقديم الخطة السابقة.

حتى قبل تقديم الخطة الجديدة رسميا، كان هناك استنتاج متفق عليه بين منتجي الكهرباء بالغاز الطبيعي الخاصين، وكبار المسؤولين في مجال الطاقات المتجددة، على أنه من المتوقع حدوث نقص في الكهرباء في إسرائيل في غضون سبع إلى ثماني سنوات، وأن الخطة الجديدة لن تحل المشكلة.

وتولت بلورة الخطة شركة "نوغا"، وهي شركة إدارة نظام الكهرباء، وهذه هي المرة الأولى التي تنشر فيها الشركة خطة طويلة المدى، بعد أن بدأت العمل في تشرين الأول 2021، كجزء من الإصلاح الذي فصلها عن شركة الكهرباء. 

تعرض الخطة سيناريوهات عدة للطلب والإمداد بالكهرباء في الاقتصاد، والتي تستند إلى أحجام مختلفة من استخدام الطاقات المتجددة. فمع نهاية العام الجاري، تكون إسرائيل قد تمكنت من استخدام الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء، بنسبة 10% من الطاقة الكهربائية الإجمالية.

ووفقا للتوقعات الأكثر تحفظا، التي سيصل فيها الإنتاج من الطاقات المتجددة إلى 18% في العام 2030، سيكون من الضروري بناء ثلاث محطات طاقة جديدة بحلول ذلك الوقت، ثم خمس محطات طاقة أخرى بحلول العام 2035. هذا إلى جانب القدرة على تخزين الكهرباء من الطاقات المتجددة بسعة 1900 ميغاواط أي ما يعادل ثلاث محطات طاقة إضافية (الطاقة الإنتاجية لكل محطة 670 ميغاواط).

ووفقا للسيناريو المتوسط، الذي سيصل فيه إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة إلى 24% في العام 2030، ستكون هناك حاجة إلى ثلاث محطات طاقة جديدة بحلول ذلك الوقت، وثلاث محطات أخرى بحلول العام 2035، وضمان 3 آلاف ميغاواط أخرى من الطاقة المتجددة في التخزين. هذا، على الرغم من أن تقنية التخزين لا تزال في مهدها، ومن غير المعروف ما إذا كان من الممكن الاعتماد عليها في المستقبل.

في السيناريو المتفائل بنسبة 30% من الطاقات المتجددة بحلول العام 2030، لن تحتاج إسرائيل إلى بناء محطات طاقة جديدة على الإطلاق حتى العام 2030، لكن سيكون مطلوبا بناء ست محطات من العام 2031 وحتى العام 2035.

في سيناريوهات أخرى أقل تحفظا، يتعين على إسرائيل بناء أربع محطات طاقة جديدة بحلول العام 2030 وست محطات طاقة أخرى بحلول العام 2035، بالإضافة إلى بناء بطاريات تخزين بسعة 2300 ميغاواط.

وقال رئيس "نوغا"، اللواء سامي ترجمان، إن "هذا حدث تاريخي. هذه هي المرة الأولى التي يُقدم فيها برنامج تكاملي يبحث في الطاقات المتجددة وتخزين الطاقة والكهرباء والشبكة. هذه خطة شاملة لرواد الأعمال، شركة الكهرباء وهيئة الكهرباء، بحيث يمكن طرحها وإخراجها لأصحاب المشاريع في بناء قطاع الكهرباء للمستقبل".

على الرغم من تفاؤل ترجمان، ترى شركات الطاقة المتجددة أن سياسة وزارة المالية ستؤدي إلى عدم تحقيق إسرائيل لهدف إنتاج الطاقة المتجددة بنسبة 30% بحلول العام 2030. 

قال ترجمان إن الخطة لا تحذر من نقص الكهرباء، لكنها تقول فقط إنه بحلول 2028-2029 من الضروري بناء محطتين جديدتين لتوليد الطاقة. كما تأخذ الخطة في الاعتبار السيناريوهات التي لن تتمكن فيها إسرائيل من تحقيق أهداف إنتاج الطاقة المتجددة. نحن نستعد لذلك أيضا. وبحسبه فإن الخطة الحالية تمتد حتى العام 2030، وهذه الأيام تعمل الشركة على خطة طويلة الأجل للعام 2050 سيتم نشرها في العام المقبل. وقال: "سيكون هناك المزيد من المحطات الجديدة التي تعمل بالبنزين، لكن لا أعتقد أن أحدا يعرف اليوم بالضبط عدد المحطات التي سنحتاجها".

وقالت شركة الكهرباء في ردها إنها "تدرس البرنامج".

وتقول الهيئات الحكومية ذات الاختصاص إنها تريد تعزيز الطاقات المتجددة، "لكن الصعوبات التي تواجهها الشركات في الصناعة تقلل من احتمالية قدرتنا على تحقيق الأهداف. وهذا له انعكاسات على الطلب على الغاز الطبيعي وسياسة تصدير الغاز".

وقالت مصادر لوسائل إعلام اقتصادية إن التوقعات التي قدمتها "نوغا" تثبت أنه سيكون هناك طلب على الغاز في إسرائيل أكبر مما كانوا يعتقدون حتى الآن، لذلك في غضون خمس سنوات سيُحظر تصدير الغاز الطبيعي إلى مصر، ناهيك عن أوروبا.

وبحسب ذات المصادر، ستضطر إسرائيل خلال نحو 15 عاما إلى بدء استيراد الغاز، إذا استمرت في التصدير بكميات متزايدة كما يحدث اليوم تحت ضغط شركات الغاز. وقال مصدر لصحيفة "ذي ماركر": "إنه أمر لا يمكن تصوره، لقد حصلنا على الاستقلال في مجال الطاقة، لكن مثل دولة فاشلة في أفريقيا، سيتعين علينا بيع مواردنا إلى أوروبا والبدء في استيراد الغاز".

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات