بدأت الحكومة الإسرائيلية الجديدة في صياغة ميزانية العام الجاري وقد تقرر أن ترفق بها ميزانية العام المقبل 2021، وسط تأكيدات على أنها ستشهد تقليصات في كل نواحي الصرف، على ضوء العجز المتفاقم في الموازنة العامة، وهو عجز تفاقم في العام الماضي 2019، الذي شهد جولتي انتخابات، فجاءت الأزمة الاقتصادية الناجمة عن تفشي فيروس كورونا لتعمق العجز أكثر. إلا أن التقارير تتحدث عن تحييد ميزانية الجيش من هذه التقليصات، والتقديرات تتحدث عن أنه في "أسوأ أحوالها" ستتجمد، هذا إذا لم تحظ بزيادة ما، مقابل تقليص الميزانيات الاجتماعية الأخرى.

وعلى مر السنين، فإن ميزانية الجيش هي موضع جدل واسع في كل واحدة من الحكومات السابقة، إذ يبدأ الحديث دائما عن ضرورة خفض ميزانية الجيش، في جانب القوى العاملة، مثل الامتيازات الكبيرة للضباط التي تزداد كلما ارتفعت درجتهم، وشروط العمل والتقاعد، والأخيرة شروط تقاعد مفرطة للغاية، ولكن لا يوجد أي نقاش حول الصرف على التسلح والجاهزية العسكرية.

وقبل عامين، أي في صيف العام 2018، وضع رئيس الحكومة مخططا يقضي برفع موازنة الجيش، بما بين 3% إلى 4%، علاوة على الزيادة الأساسية في الموازنة السنوية، التي تأخذ بالحسبان نسبة التكاثر السكاني، عادة، بمعنى أن الزيادة الصافية للجيش قد تتراوح ما بين 5% إلى 7%. ومع هذه الزيادة، تصبح ميزانية الجيش تعادل نسبة 6% من إجمالي الناتج القومي، بدلا من 7ر5% كما هو قائم حاليا.

وحينما نتحدث عن ميزانية الجيش، فهي تلك التي تصرف على الجيش مباشرة، ومعه جهاز وزارة الدفاع، وهذا لا يشمل الصرف على قوات الحرس الحدود، المحسوبة على ميزانية وزارة الأمن الداخلي، وهي الناشطة الميدانية الأكبر في الضفة المحتلة، إلى جانب مهمات حدودية، وأحيانا مهمات شرطية داخلية.

والسؤال الذي بدأت تتداوله الصحافة الاقتصادية هو كيف ستكون حال ميزانية الجيش في ميزانيتي العامين الجاري والمقبل، على ضوء تقديرات بنك إسرائيل، بأن الاقتصاد الإسرائيلي سيشهد هذا العام انكماشا بنحو 5ر4%، في حين أن العجز قد يتفاقم إلى أكثر من 6%، القائمة حاليا.

وتقول صحيفة "ذي ماكر" الاقتصادية التابعة لصحيفة "هآرتس" في تقرير مطول لها، عن ميزانية الجيش والمتوقع لها، إن قيادة الجيش واعية للأزمة الاقتصادية الحالية، وأيضا الأزمة الاقتصادية العالمية، وأنهم في هذه القيادة يستوعبون أنه لن تكون زيادة في ميزانية الجيش، ورغم ذلك فإنهم في مفاوضاتهم مع وزارة المالية، يتحدثون فقط عن زيادة الميزانية.

ونقلت الصحيفة عن رئيس هيئة أركان الجيش أفيف كوخافي قوله، في أحد الاجتماعات الأخيرة لقيادة الجيش، إنه "من ناحية الوضع العام والاقتصادي لإسرائيل، سوف نساهم بنصيبنا، ماديا وشخصيا، دون المساس بالأمن القومي"، ولكن من ناحية أخرى أوضح أن تحقيق تطلعات الجيش الأمنية المستقبلية، تتطلب ميزانيات كثيرة، لمواجهات "التحديات المستقبلية".

وكما ذكر، فإن كل تقليص في ميزانية الجيش يتحدث دائما عن القوى العاملة، وكلفة تشغيلها وتقاعدها، بالنسبة للجيش النظامي. ففي العام 2005، حسب الصحيفة، كان هناك 38 ألف عنصر في الجيش النظامي الدائم، وارتفع العدد في عام 2012، إلى 45 ألف عنصر في الجيش، وكل هذا لا يشمل عدد عناصر الجيش في الخدمة الالزامية. وفي العام 2013، تقرر تسريح حوالي 5 آلاف عسكري وعامل في الجيش. وفي السنوات التي ارتفع فيها عدد عناصر الجيش النظامي، وانخفض أيضا، كان رئيسا الأركان هما اللذان يتوليان الآن وزارة الخارجية، غابي أشكنازي، من 2007 إلى 2011، ثم وزير الدفاع بيني غانتس، من 2011 إلى 2015. وحينما غادر الجنرال غانتس منصبه، كان في الجيش النظامي الدائم 39 ألف عنصر. إلا أن قيادة الجيش تحذر حاليا من أن مطالبتها مجددا، بتقليص عدد أعضاء الجيش النظامي الدائم، سيساهم في رفع نسبة البطالة، التي من المتوقع لها أن تتضاعف حتى نهاية العام الجاري، وترتفع إلى حتى 8%، مقارنة مع نسبة 8ر3% في نهاية العام 2019. في حين أن أوساطا في وزارة المالية تطالب بتقليص عدد العاملين في الجهاز الإداري، إن كان في الجيش مباشرة، أو في وزارة الدفاع ذاتها.

كما تعترض قيادة الجيش على تقليص آخر لمدة الخدمة الإلزامية، التي هبطت للشبان في السنوات الأخيرة من 36 شهرا إلى 32 شهرا حاليا، وهناك مطالبات بتخفيضها إلى 30 شهرا. وللشابات هبطت فترة الخدمة الإلزامية في السنوات الأخيرة من 24 شهرا إلى 20 شهرا. ويرى الجيش أن هذا التقليص، نظرا لعدد الخادمين في الخدمة الإلزامية، سيزيد الضغط على الجيش النظامي الدائم، في حين أن الحكومة ترى في تقليص فترة الخدمة الإلزامية، تقليصا آخر في ميزانية الجيش.

يشار في إطار خفض النفقات إلى أن تقارير سابقة للجيش كانت بينت أنه استغنى في السنوات الأخيرة عن القسم الأعظم من جيش الاحتياط. وتفيد المعطيات أنه منذ العام 2004 وحتى العام 2017، انخفضت أيام الاحتياط بنسبة 83%. كما تشير التقارير إلى أن التغيرات ليست فقط في الجانب الكمي، بل أيضا في الجانب الديمغرافي الجيش.

وحسب التقرير، فإنه منذ العام 2004 وحتى العام الماضي 2017، تغير وجه الجيش من ناحية القوى البشرية. فقد هبط عدد أيام الاحتياط في الجيش ككل بنسبة 83%. وفي فترة رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، أي منذ العام 2015 ولاحقا، فإن عدد المواطنين العاملين (المدنيين) العاملين في الجيش، بمعنى الاحتياط، تقلص بنحو 100 ألف شخص.

وتعكس هذه المعطيات ذروة توجه في الجيش لتخفيض كلفة تشغيل الاحتياط، وأنه بحاجة إلى أيام احتياط أقل بكثير مما كان في الماضي، خاصة في ظل تطور التقنية العالية، التي تتغلغل في نشاط الجيش في جميع المجالات. كذلك فإن تعديل قانون الاحتياط الذي دخل إلى حيز التنفيذ في العام 2008، كان يهدف إلى تمدن حياة المواطنين، وأن تكون الخدمة في الجيش بالحد الأدنى المطلوب.

ويتبين من المعطيات، أنه في حين كان عدد أيام الاحتياط في العام 2004، حوالي 10 ملايين يوم، فإنه في العام 2017، انخفض العدد إلى 9ر1 مليون يوم فقط. ورغم ذلك يبقى العدد الإجمالي لأيام الاحتياط في الجيش عادة سريا، ضمن الأسرار العسكرية، ويتم تحديد أيام الاحتياط لكل عام، أو لكل فترة معينة، بناء على تقديرات قيادة الأركان، وبقرار صادر عن رئيس الأركان.

ولكن ما هو معروف، حسب تقارير تظهر تباعا، فإن من يخدم في الاحتياط، هم نسبة هامشية ممن ينهون الخدمة العسكرية الإلزامية. ويتبين أنه فقط 5% ممن ينهون الخدمة الإلزامية، يؤدون خدمة احتياط، 20 يوما سنويا، في السنوات الثلاث الأولى، بعد انتهاء خدمتهم الإلزامية. في حين أن نسبة أعلى من الجنود المسرحين، يؤدون خدمة احتياط، لأيام معدودة سنويا.

ويقول المحلل الاقتصادي حجاي عميت، في مقال له في صحيفة "ذي ماركر"، إن الارتفاع في عدد الموظفين الدائمين أمر ينذر بالخطر بسبب عدم معالجة المعاشات التقاعدية التي يتلقونها. وقد تكون المفاوضات الحالية بين وزارة الدفاع ووزارة المالية هي الفرصة الأخيرة للتعامل مع ميزانية التقاعد للعسكريين، وهي خارجة عن السيطرة، وإذا لم يتم ذلك في ظل أزمة الكورونا، فمن المشكوك فيه أن يتحقق هذا مستقبلا.

ويبلغ إجمالي ميزانية التقاعد لعناصر الجيش، أكثر من 8 مليارات شيكل سنويا (قرابة 3ر2 مليار دولار)، وهذا أكثر من 11% من ميزانية الجيش، التي وصلت هذا العام إلى 74 مليار شيكل، منها قرابة 5ر13 مليار شيكل، هي ميزانية الدعم العسكري الأميركي (8ر3 مليار دولار). وميزانية التقاعد هذه، لا تشمل مكافآت لمرة واحدة يحصل عليها العسكريون والموظفون في الجيش، عند خروجهم للتقاعد.

 

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, يوليو 05, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية