لا يزال انتشار فيروس كورونا والانكماش الاقتصادي يقودان إسرائيل إلى المجهول، لكن بعض كبار خبراء الاقتصاد في البلاد يحذرون بالفعل: نحن في طريقنا إلى عشر سنوات أخرى ضائعة، مثل العقد الذي ضرب إسرائيل بعد حرب "يوم الغفران" (حرب 1973) وجر البلد إلى ركود شديد ومستمر.

يشير جميع هؤلاء الاقتصاديين إلى مجموعة من الاختلافات بين فترة ما قبل حرب "يوم الغفران"، لكن الجميع يتفقون على أن الاقتصاد يواجه خطرا مشابها. غير أن هؤلاء الاقتصاديين يرسمون أيضا طريقة لتجنب مثل هذا الركود: الحواجز الهيكلية العميقة في الجهاز الاقتصادي، ومنع أخطاء في السياسة الاقتصادية، وإنهاء الشعبوية كما رأينا في العام الماضي.

وفقا للاقتصاديين، إذا لم تستغل الحكومة التي شكلها بنيامين نتنياهو وبيني غانتس أزمة كورونا التي بررت وجودها واجتازت إصلاحات هيكلية في الاقتصاد، فإنها ستحكم على مصيرها. من بين أمور أخرى، يشيرون إلى الحاجة إلى إجراء تغييرات عميقة في أنظمة الضرائب والأجور والحوافز، مع الحفاظ على العجز الهيكلي بدقة.

وبحسبهم، يجب على الحكومة الجديدة تغيير اتجاه الخط الاقتصادي الذي ميز الحكومة المنتهية ولايتها، والذي وزع فيه نتنياهو ووزير المالية موشيه كحلون المال دون الحفاظ على إطار الميزانية. وبحسبهم، سيكون للإصلاحات التي سيتم تنفيذها في المستقبل القريب تأثير حاسم على مستقبل إسرائيل الاقتصادي للسنوات الخمس وحتى العشر المقبلة، وكذلك القرارات الكارثية مثل توزيع الأموال ورفع المخصصات في هذا الوقت.

"إذا استمر الإغلاق لفترة طويلة، ستمتد المشاكل الاقتصادية قصيرة المدى الموجودة حاليا، إلى المدى الطويل. ويمكن أن يتطور ذلك إلى فترة طويلة من انخفاض الدخل، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من الحذر في الاستهلاك وانخفاض الطلب الاستهلاكي الخاص. سيكون الناس أكثر حذرا. الصناعات الأكثر حساسية المتعلقة بثقافة أوقات الفراغ، حفلات موسيقية، سينما، مسرح، رياضة، وجبات خارج المنزل- يمكن أن تتأذى حتى بعد الإغلاق لأن مخاوف الناس من العدوى لن تزول في يوم واحد. النشاط والاستهلاك سينخفضان، ستتآكل الأجور وينخفض الدخل. إذا استمر ذلك لفترة طويلة، سينخفض الاستهلاك أكثر. سوف تصبح الصناعات الأكبر عاطلة عن العمل، بل ستكون أكثر حدة"- هذه هي كلمات البروفسور آفي بن بسات، الذي شغل سابقا منصب مدير عام وزارة المالية، وشارك في إصلاحات هيكلية لا حصر لها في الاقتصاد الإسرائيلي. ويعتقد بن بسات أن مثل هذا السيناريو يتطلب سياسة حكومية من الحوافز الاقتصادية لكي تنعكس في زيادة الإنفاق الحكومي.

ويقول إن العجز في الموازنة العامة كبير جدا، وقد تسبب تفشي الكورونا بانخفاض كبير في الإيرادات الضريبية، مما قد يزيد من العجز والديون. ومع استمرار ذلك، سيزداد العجز والديون. في ظل هذه الظروف، سيكون إيجاد حوافز مالية أكثر صعوبة. لذلك، هناك فرصة لإجراء إصلاحات يمكن أن تسهل إلى حد كبير تطبيق سياسة اقتصادية أخرى. ومن بينها حوافز للمصالح الاقتصادية وإصلاحات أخرى ليست متعلقة بانتشار الكورونا: الضرائب والبنوك والكهرباء والموانئ والطيران. هذه إصلاحات صحيحة حتى من دون كورونا، وهي ضرورية حقا إذا أردنا إخراج الاقتصاد من الأزمة بسرعة.

وقال بن بسات "إن أي إصلاح هيكلي صعب، ولكن من الأسهل تنفيذ مثل هذه الإصلاحات في أوقات الأزمات، وبالتالي تقل قوة أصحاب المصلحة وستكون تبريراتهم أقل إقناعا. فالأزمات تؤدي إلى تفاقم المشاكل القائمة، وهذا يجدد الحاجة إلى الإصلاحات". لكن بن بسات يحذر من "الانفلات وإحداث عجز مالي أكبر. فمن الواضح أن ميزانية الصحة بحاجة إلى زيادة، ولكن بكفاءة وحكمة. ولا يجب سكب الأموال بشكل غير فعال".

كذلك فإن يورام غباي، الذي شغل منصب مدير عام قسم المداخيل في وزارة المالية، كما شغل محاضرا لمدة 20 عاما عن التاريخ الاقتصادي لإسرائيل، يشير إلى نفس النقطة: "إذا استمر هذا لمدة عام ونصف عام آخر، فقد تتشكل أوجه تشابه للعقد الضائع".

ويحذر غباي: "إذا استمر التباطؤ وحاولت الحكومة حماية الاقتصاد عن طريق زيادة العجز والديون، بينما يقوم بنك إسرائيل بشراء السندات الحكومية، فسوف تفشل. في مرحلة ما، سترتفع أسعار الفائدة، ربما إذا ارتفعت في الخارج، حيث تجسد أسعار الفائدة المدى الحقيقي للركود. وإذا حدث ذلك، فسيتعين عليك رفع الضرائب لتمويل العجز ثم تدخل فترة من التباطؤ".

وبحسب غباي، يجب اتخاذ إجراءين لمنع هذا الوضع. الأول: "العيش جنبا إلى جنب مع كورونا، ولكن حقا. فتح الاقتصاد لنشاط 90%، إلى جانب الإجراءات والقيود لمنع انتشار العدوى. هذا يعني فتح كل شيء، بما في ذلك المطاعم والمقاهي، وعدم الإثارة إذا فلتت دالة انتشار المرض في بعض الأحيان. أقول ذلك على الرغم من أنني شخصيا ضمن الشريحة السكانية التي عليها خطر. ولكن لا للخوف". ويقترح غباي "تقليل العجز من خلال الإصلاحات الهيكلية، وإلغاء الإعفاءات الضريبية وخفض الأجور والمميزات في القطاع العام". ويضيف غباي أيضا: "يجب أن نكون حذرين من أن لا ينفلت عجز الموازنة أكثر. لقد اعترضت على وصول العجز إلى نسبة 4%، بدلا من 2%. وهذا يثقل علينا بالفعل عند 28 مليار شيكل. والآن اضيف للعجز 500 مليون شيكل، في اعقاب دفع مخصصات إضافية لمرة واحدة للمسنين والأولاد. إذا واصلنا هكذا سنكون مثل إيطاليا واليونان، التي عانت بعد أزمة عام 2008 من عقد ضائع ومن عجز ضخم، ومن انخفاض النمو وارتفاع معدلات البطالة".

ويشير البروفسور مومي داهان، من كبار خبراء الاقتصاد في إسرائيل، إلى عشرات نقاط الاختلاف بين فترة ما قبل حرب "يوم الغفران" واليوم. ومع ذلك، يحذر من أوجه شبه بين الحالتين: ضغط كل من واضعي السياسات على منفذيها لارتكاب الأخطاء، ويعتمد تطوير الاقتصاد إلى حد كبير على رد المستوى المهني. على مدى العقد الماضي، اختار القادة الإسرائيليون تجاهل الفجوة الآخذة في الاتساع بين ارتفاع الإنفاق والإيرادات. وقد انعكس هذا في التجربة الصادمة للتضخم المفرط، والذي كان من الممكن أن يؤدي إلى الإفلاس الاقتصادي لولا المساعدات الأميركية وبرنامج استقرار عام 1985. أيضا في فترة الكورونا الحالية، هناك تخوف من اغراء السياسيين للوقوع في أخطاء تتسبب بضرر اقتصادي، مثل المنح المالية التي لا ضرورة لها، أي منح لمرة واحدة دفعت للمسنين والأولاد.

ويعتقد دهان، الذي يعتبر مؤيدا قويا لزيادة الإنفاق الحكومي على الناتج المحلي الإجمالي، أن هذا هو الوقت المناسب للسماح بعجز كبير في الميزانية "ما يعني ضرائب مستقبلية وفرض بعض عبء كورونا على الأجيال القادمة". ومع ذلك، يحذر من أنه يجب وضع عجز واضح في التشريع لضمان أن العجز الكبير مؤقت ومحدود لفترة الكورونا.

ومثل غباي، يحذر دهان من تمويل عجز الموازنة من خلال طباعة النقود: "لقد استغرق الأمر سنوات عديدة لمنع هذا الأسلوب الخطير. لإسرائيل تجربة سيئة في طباعة النقود، ولا فائدة من تكرارها". كما يعارض دهان تقديم المنح المالية للشركات، ولكن في الحالات القصوى وفي مقابل الأسهم فقط، وهو اقتراح انضم إليه بن بسات أيضا.

ويقول دهان "إن أكبر مصدر قلق هو أن الحكومة ستوفر تنفسا اصطناعيا للشركات التي ربما فقدت المبررات الاقتصادية لوجودها. ليس لدى الحكومة طريقة لمعرفة الشركات التي لها ما يبررها من الناحية المالية، وبالتالي سيكون من الأفضل أن تتخلى عن هذا القرار".

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الخميس, يوليو 02, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية