المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 9
  • هشام نفاع

يظهر من جلسات وتقارير رسمية إسرائيلية، من الأسبوع الماضي، أنه سُجِّل في السنوات 2022–2024 صافي هجرة سلبي لإسرائيل بلغ نحو 140 ألف شخص. في العام 2024 غادر إسرائيل 69 ألفًا و 500 مهاجر، فيما عاد إليها 18 ألفًا و 800 شخص فقط. وفي العام 2023 بلغ متوسط عمر المهاجرين 32.45 سنة. كما سُجِّل اتجاه متزايد في نسبة المهاجرين المتزوجين. ويتّسم المهاجرون من إسرائيل بمستوى تعليمي أعلى من مستوى التعليم لدى عموم السكان. وتُظهر معطيات مؤسسة التأمين الوطني أن عدد الإسرائيليين القدامى الذين بادروا إلى إلغاء إقامتهم (مكانتهم كمقيمين) في العام 2025 كان أكبر مما كان عليه في العام 2024.

فقد عقدت لجنة الهجرة والاستيعاب والشتات في الكنيست، برئاسة عضو الكنيست جلعاد كاريف (العمل)، واللجنة الخاصة لشؤون الشباب، برئاسة عضو الكنيست نعماه لازيمي (العمل)، جلسة مشتركة منتصف الأسبوع الماضي "لمناقشة الزيادة الملحوظة في عدد الشباب الذين يغادرون إسرائيل"، كما جاء في بروتوكول جلسة اللجنة.

 وقد أعدّ مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست تقريرًا خاصًا بناءً على طلب عضو الكنيست كاريف، يعرض معطيات من مكتب الإحصاء المركزي حول الإسرائيليين الذين غادروا إسرائيل أو عادوا إليها بين عامي 2009 و2021. بحسب المعطيات، هاجر ما يقارب 40 ألفًا و 500 إسرائيلي من إسرائيل سنويًا بين عامي 2009 و2021. وابتداءً من العام 2022، شهدت الهجرة ارتفاعًا حادًا، حيث بلغ عدد المهاجرين 59 ألفًا و 400 شخص، ثم 82 ألفًا و 800 شخص في العام 2023، و69 ألفًا و 500 شخص في العام 2024. وفي المقابل، عاد ما يقارب 25 ألفًا و450 إسرائيليًا إلى إسرائيل سنويًا بين عامي 2009 و2024، بينما لم يتجاوز عدد العائدين في العام 2024 نحو 18 ألفًا و800 شخص، وهو أدنى رقم مسجل في السنوات الأخيرة.

"الحكومة الحالية تتجاهل تفاقم هذه الظاهرة ولا تتصدى لها" 

بحسب معطيات مكتب الإحصاء المركزي، كان ميزان الهجرة الإسرائيلي للمواطنين الإسرائيليين (عدد الإسرائيليين العائدين مطروحًا منه عدد الإسرائيليين الذين هاجروا، باستثناء المهاجرين الجدد والمواطنين المجنسين حديثًا) سلبيًا بين عامي 2022 و2024. خلال تلك السنوات، انخفض ميزان الهجرة الإسرائيلي بنحو 140 ألف شخص. ويعرّف مكتب الإحصاء المركزي المهاجر الإسرائيلي بأنه الشخص الذي يقيم في الخارج لمدة 275 يومًا على الأقل خلال عام واحد من مغادرته، والإسرائيلي العائد بأنه الشخص الذي يعود بعد إقامة طويلة في الخارج ويقيم في إسرائيل لمدة 275 يومًا على الأقل خلال عام واحد من عودته. 

وقال عضو الكنيست كاريف: "هذه هي الجلسة الخامسة حول هذه القضية خلال الأشهر الستة الماضية، ومع ذلك لا تُبدي الحكومة أي اهتمام بها، وقد باءت جهودنا لتحديد وتعيين جهة تنسيقية بالفشل. لم يُثمر طلب تشكيل فريق عمل لحشد الوزارات الحكومية بهدف الحد من الهجرة. حتى أن وزارة الهجرة والاستيعاب رفضت إرسال ممثل عنها إلى الجلسة، على الرغم من أن هذه القضية تقع ضمن اختصاصها. الحكومة الحالية تتجاهل تفاقم هذه الظاهرة ولا تتصدى لها. سنطالب الحكومة بالبدء في وضع خطة وطنية مدتها خمس سنوات لإبطاء وتيرة هجرة الإسرائيليين من البلاد وزيادة معدل عودة من غادروا".

 وتابع: "خلافًا للادعاءات التي تشير إلى انخفاض في ظاهرة الهجرة في العام 2025، فإن معطيات التأمين الوطني لا تتعلق إلا بطلبات إنهاء الإقامة، وليس بالمغادرات الفعلية، وعادةً ما تُقدّم هذه الطلبات بعد سنوات من المغادرة. لم تُنشر بعدُ إحصاءات الهجرة للعام 2025. وتُظهر معطيات التأمين الوطني أن عدد المقيمين الإسرائيليين القدامى الذين طلبوا طواعيةً إلغاء إقامتهم في العام 2025 كان أكبر من عددهم في العام 2024".

"العديد من الأطباء الذين درسوا وتدربوا في إسرائيل يهاجرون"

عضو الكنيست لازيمي قالت إن احتمال مغادرة إسرائيل يتداول في كل اجتماع تقريبًا تعقده مع الشباب. وقالت بحسب تعبيرها إن "هذا هو تدمير الصهيونية. الشباب في إسرائيل لا يعلمون ما إذا كان التعليم العالي سيضمن لهم مستقبلًا طبيعيًا. إنها كارثة. 67% من المغادرين تقل أعمارهم عن 40 عامًا، والعديد من الأطباء الذين درسوا وتدربوا في إسرائيل يهاجرون. هذه ظاهرة خطيرة للغاية. لقد تخلت الدولة عن مسؤوليتها تجاه مواطنيها".

عضو الكنيست فلاديمير بيلياك الذي بادر إلى الجلسة، رفض ادعاء رئيس الحكومة بأن معظم المهاجرين هم مهاجرون أوكرانيون غادروا في غضون عامين من وصولهم إلى إسرائيل، ووصفه بأنه غير صحيح. وأوضح أن الحكومة تفترض أن من يغادرون لا يدعمونها سياسيًا، وبالتالي فهي تريدهم أن يغادروا.

بينما شدّد البروفيسور إيتاي آتر من جامعة تل أبيب، على أن إسرائيل شهدت زيادة ملحوظة في عدد الإسرائيليين المغادرين لأكثر من عام، وأن الإسرائيلي يُعرَّف بأنه الشخص الذي أقام في إسرائيل لمدة ثلاث سنوات على الأقل. وأشار إلى أنه في العام 2024، انخفض عدد الإسرائيليين العائدين إلى أقل من 20 ألفًا، مسجلًا بذلك انخفاضًا قياسيًا. وخلال العام نفسه، غادر 530 طبيبًا إسرائيل، ثلثاهم درسوا فيها. كما لوحظ انخفاض في عدد الأطباء العائدين، بالتزامن مع ارتفاع في عدد المهندسين المغادرين وانخفاض في عدد العائدين.

وحذّر ليران باسون، من "الاتحاد الوطني للطلاب الإسرائيليين"، من أن 33% من الطلاب يُبدون نيتهم مغادرة إسرائيل بعد إتمام دراستهم الأكاديمية. ووفقًا له، فإن السبب الرئيس هو ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن. وتُظهر المعطيات أيضًا بعض الخصائص الديموغرافية للمهاجرين الإسرائيليين: فبين عامي 2009 و2024، انخفضت نسبة المهاجرين الذكور بينما ارتفعت نسبة المهاجرات الإناث، مع أن الرجال ما زالوا يشكلون ما يزيد قليلًا عن نصف إجمالي المهاجرين.

المهاجرون في 2022 أكثر تعليمًا من عموم السكان

متوسط عمر المهاجرين في العام 2023، بلغ 32.45 عام، وهو أعلى قليلًا من متوسط عمر العائدين الذي بلغ 31.59 عام. ويتضح أيضًا أن أعمار ما يقرب من نصف المهاجرين (48.5%) والعائدين (53.1%) كانت تتراوح بين 20 و44 عامًا، مقارنةً بنسبة 32.3% من عامة السكان. وبين عامي 2019 و2023، انخفضت نسبة العازبين بين المهاجرين الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر، بينما ارتفعت نسبة المتزوجين. أما بين العائدين الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر، فقد ارتفعت نسبة العازبين في العام 2023، بينما انخفضت نسبة المتزوجين. وهذا يعني أن العائدين في العام 2023 كانوا أكثر احتمالا للعزوبية وأقل احتمالا للزواج من أولئك الذين غادروا.

 في عامي 2022 و2023 ارتفع عدد المهاجرين اليهود بشكل ملحوظ، إلا أن نسبتهم من إجمالي المهاجرين انخفضت من 76% العام 2014 إلى 58% العام 2023. في المقابل، بلغت نسبة العائدين إلى إسرائيل العام 2023 من اليهود 78%، وهي نسبة أعلى بقليل من نسبتهم في إجمالي السكان (74%).

 وبين عامي 2009 و2018، شكّل المولودون في الخارج ما يقارب نصف إجمالي المهاجرين من إسرائيل (44% في المتوسط). غادر العديد ممن هاجروا خلال موجة الهجرة العام 2022 عقب الحرب الروسية الأوكرانية إسرائيل في غضون عام أو عامين من وصولهم. وفي الوقت نفسه، ازداد عدد الإسرائيليين القدامى المهاجرين، سواءً من الإسرائيليين المولودين في إسرائيل أو من المهاجرين المقيمين فيها منذ فترة طويلة.

 وكان المهاجرون الإسرائيليون العام 2022 (الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و64 عامًا) أكثر تعليمًا من عامة السكان. فقد بلغت نسبة الحاصلين على شهادات البكالوريوس 1.5 ضعف النسبة في عامة السكان، ونسبة الحاصلين على شهادات الماجستير ضعفي النسبة، ونسبة الحاصلين على شهادات الدكتوراه 4.6 ضعفي النسبة. كما كان الإسرائيليون العائدون أكثر تعليمًا من عامة السكان، وإن كانوا أقل تعليمًا في المتوسط من المهاجرين. وقد شهد كل من المهاجرين والعائدين تحسنًا ملحوظًا في مستوى تعليمهم خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذا التحسن كان أقل حدة بين العائدين.

"الأسباب الرئيسة: الانقلاب، الوضع الأمني، ونقص الاستثمار في الخدمات العامة"

بحلول العام 2023، كان ما يقارب 6% من الحاصلين على شهادات أكاديمية من مؤسسات التعليم العالي الإسرائيلية بين عامي 1990 و2018 يقيمون في الخارج لمدة ثلاث سنوات أو أكثر. ومن بين حاملي الشهادات: 6.4% من حاملي شهادة البكالوريوس، و5% من حاملي شهادة الماجستير، و11.9% من حاملي شهادة الدكتوراه. وكانت نسبة حاملي الشهادات المقيمين في الخارج مرتفعة بشكل خاص بين خريجي العلوم الدقيقة والهندسة مقارنةً بخريجي العلوم الإنسانية والاجتماعية.

 ولخص رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب والشتات، عضو الكنيست جلعاد كاريف، الجلسة قائلا: "إن الهجرة من إسرائيل وباء حقيقي يجب وقفه قبل أن يتفاقم. الأرقام مقلقة للغاية وتشير إلى رغبة متزايدة في مغادرة دولة إسرائيل. غادر عشرات الآلاف من الأشخاص، خاصة منذ العام 2023. الهجرة تشكل تهديدًا استراتيجيًا للبلاد. الانقلاب (المقصود الانقلاب على الجهاز القضائي)، الوضع الأمني، ونقص الاستثمار في الخدمات العامة هي الأسباب الرئيسية التي تدفع الناس إلى المغادرة".

 وتابع: "لا بد من وضع خطة خمسية حكومية للحد من هذه الظاهرة. ويجب على الوزارات الحكومية بذل جهود كبيرة لمنع المزيد من الهجرة. أعتزم مطالبة الكنيست بإلزام جميع الوزارات المعنية بصياغة خطة منسقة لمدة خمس سنوات، مدعومة بميزانية مخصصة، لمعالجة هذه القضية. من واجبنا إبطاء وتيرة المغادرة وتسريع وتيرة العودة. يغادر عدد أكبر من الرجال مقارنة بالنساء، ويعود ذلك جزئيًا إلى عبء الخدمة الاحتياطية والخدمة العسكرية". 

كاريف كان قد قال لموقع "واينت" إنه "عندما توليت رئاسة اللجنة، طلبتُ معرفة الجهة المسؤولة في الوزارات الحكومية عن معالجة هذه الظاهرة. ولدهشتي، اكتشفتُ أنه ليس هناك أي توجه لمعالجة ظاهرة الهجرة من البلاد، ولا توجد خطة استراتيجية لعكس هذا الاتجاه". وشدّد على أن "علماء ورواد أعمال المستقبل يغادرون إسرائيل بمعدل أعلى بكثير من نسبتهم في السكان. إن رأس المال البشري الإسرائيلي يُهدر، وهذا يُشكّل تهديدًا استراتيجيًا لمستقبل البلاد، ولا أحد يُدرك خطورة الوضع(...) هناك ارتباط مباشر بين خطة الانقلاب القضائي، والهجوم على الأوساط الأكاديمية، وانهيار الأمن الشخصي، وتفاقم التدهور. وإلى جانب المطالبة بتحرك حكومي مباشر للحد من هذه الظاهرة، من الواضح أن التآكل المستمر للقيم الديمقراطية، والاستقطاب الاجتماعي، وفشل الحكومة في أداء مهامها، كلها عوامل تدفع العديد من الإسرائيليين إلى التفكير في مستقبلهم في البلاد".

في تلخيصه لآخر أبحاث لجنة الهجرة والاستيعاب والشتات البرلمانية شدّد على أنه "من واجب الدولة مساعدة الشباب على البقاء في إسرائيل والشعور بأنهم قادرون على شراء شقة هنا. كما يجب إعادة النظر في الإنهاء التلقائي للإقامة من قبل مؤسسة التأمين الوطني بعد خمس سنوات في الخارج. وإنني أعتزم مواصلة العمل على هذه القضية التي يجب أن تبقى مطروحة على جدول الأعمال الرسمي".

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات