المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 15
  • برهوم جرايسي

شهدت أسواق المال (البورصات) الاسرائيلية، في الأسبوعين الماضيين، تراجعات، في أعقاب الإعلان عن الاتفاق الأميركي الإيراني، بعد عام ونصف العام شهدت فيهما البورصات الإسرائيلية ارتفاعا أسرع وأعلى من معظم أسواق المال العالمية، فقد عادت الأسهم الإسرائيلية إلى وضعها الطبيعي؛ فبينما سجلت الأسهم الأميركية مستويات قياسية جديدة، انخفضت أسهم بورصة إسرائيل بنسبة تراوحت بمعدل 8% إلى 10%، كما أن الشيكل شهد تراجعًا تدريجيًا، منذ الإعلان عن الاتفاق، وبلغ التراجع حتى نهاية الأسبوع الماضي نسبة 3%، ونسبة 6% عن أدنى مستوى له، سجله في شهر أيار الماضي، حينما بلغ 2.82 شيكل للدولار، بينما الآن يلامس 3 شواكل.

وكانت بورصة تل أبيب قد سجلت أعلى مستوى لها يوم 25 أيار الماضي، حينما وصلت إلى 4527 نقطة، وهبطت في نهاية الأسبوع الماضي، إلى محيط 4100 نقطة، وسبق هذا مستوى أقل.

وقال المحلل الاقتصادي، إيتان أفريئيل، في مقال له في صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية الإسرائيلية، إن "السبب الرئيس لهذه التقلبات بسيط: خيبة الأمل. فمثل كثيرين من عامة الناس، أدرك المستثمرون في البورصة، وعلى رأسهم مديرو الاستثمار من المؤسسات المالية، أن الحلم الكبير بـ "النصر الشامل" و"الشرق الأوسط الجديد" الذي كان سيتبعه قد تبدد. ومعه، تبددت التوقعات بازدهار اقتصادي وارتفاع أرباح الشركات المدرجة في سوق تل أبيب".

وتابع أفريئيل: "هذه الخيبة مفهومة، وإن جاءت متأخرة بعض الشيء. إذا تجاهلنا تصريحات دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، اللذين يُحاولان دائمًا تبرير كل تطور، فمن الواضح اليوم لأي شخص لديه بصيرة أن إسرائيل خسرت الحرب ضد إيران، وهذه الأخيرة ستخرج من الحرب بوضع جيوسياسي واقتصادي أفضل من وضعها عند دخولها".

وتابع: "ينطبق الأمر نفسه على الجبهات الأخرى. فقد فرضت الولايات المتحدة قيودًا على أنشطة إسرائيل في لبنان، ولم يتم القضاء على حزب الله، بل تعافى ويُلحق أضرارًا جسيمة بالجيش الإسرائيلي، وفي غزة، لا يبدو أن هناك سيناريو تفقد فيه حماس سيطرتها على السكان أو تُسلم أسلحتها".

ويرى الكاتب أن "التداعيات الاقتصادية لهذه الخسائر كبيرة وواضحة. لن تُصبح إسرائيل المركز الاقتصادي لشرق أوسط جديد، ولن تنتعش التجارة مع السعودية وسورية و’إيران الجديدة’. ولن يتم إنشاء ريفييرا في غزة. ولن يتناول الإسرائيليون الحمص في دمشق، ولن يفتتح مطعم إسرائيلي في بيروت".

هناك أسباب أخرى للانخفاضات، بحسب أفريئيل، "فعلى سبيل المثال، بعد أي ارتفاع حاد في أسعار الأسهم، يتبعه دائمًا انخفاض، يُعرف غالبًا باسم ’جني الأرباح’. ويحدث جني الأرباح عادة عندما يشعر المستثمرون بتوقف المحرك الذي كان يدفع الأسهم للارتفاع، أو أن الزيادات كانت مفرطة. من هذا المنظور، تُعتبر الانخفاضات التي تتراوح بين 10% و20% طبيعية تقريبًا، بل ويصفها المتداولون بأنها صحية". لماذا؟ لأن هذا يُعيد ثقة المستثمرين بأن سوق الأوراق المالية لا تزال تعمل بطريقة منطقية واقتصادية، وهي تعكس التوقعات بشأن تطور أعمال الشركات المتداولة فيها، وليس مجرد نشوة وأحلام المقامرين الجشعين الذين يخشون التخلّف عن الركب.

خبراء الاقتصاد: خيبة أمل المستثمرين واضحة

يرى خبراء اقتصاد بارزون، أيضًا، أن التراجعات الحادة نسبيًا، في البورصات الإسرائيلية، إنما تعكس خيبة الأمل لدى المستثمرين في الاقتصاد الإسرائيلي، من مضمون الاتفاق الأميركي الإيراني، إذ جاء خلافًا للتوقعات المتمثلة باستمرار الحصار على إيران، وانتعاش أكبر للاقتصاد الإسرائيلي، إلا أن الخبراء أشاروا، في أحاديثهم لصحيفة "ذي ماركر"، إلى أن هذه التراجعات تأتي بعد ارتفاعات حادة جدًا، وليست منطقية في أغلبها، خلال سنوات الحرب الثلاث، إذ أن تلك الارتفاعات، كانت ترتكز على توقعات "اليوم التالي للحرب"، بأنه سيكون "جيدًا للاقتصاد الإسرائيلي".

وقالت الصحيفة إن التوقعات كانت قائمة على أساس أنه خلال الحرب، أو بعد وقف إطلاق النار، سيكون اتفاق من شأنه تغيير موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط (لصالح إسرائيل)، لكنْ الآن، بات من غير المرجّح أن يُحدث الاتفاق الجاري بين إيران والولايات المتحدة تغييرًا كبيرًا في وضع إسرائيل الجيوسياسي، بل قد يُفاقم هذا الوضع في ظل استمرار الحرب على لبنان. وأضافت الصحيفة: "يُدرك المستثمرون الآن أن التوقعات التي بُنيت على مدى السنوات الثلاث الماضية بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام، وتراجع نفوذ إيران في المنطقة، أو حتى التوقعات المبالغ فيها بتغيير النظام في إيران، كانت لا أساس لها من الصحة".

قال الخبير الاقتصادي عوديد ماكلير للصحيفة: "شهدت بعض قطاعات الاقتصاد، خلال الحرب، ارتفاعًا هائلًا في البورصة، وفي بعض الأحيان كانت التقييمات غير منطقية".

وقال عميت عطار، نائب رئيس قسم الاستثمارات في "شركة مور للصناديق المشتركة": "في نهاية المطاف، شهدت المؤشرات المحلية ارتفاعًا ملحوظًا، يعود ذلك أساسًا إلى انخفاض علاوة المخاطرة في إسرائيل. كان الجميع متفائلين بشأن ما سيحدث لاحقًا، لكن بات من الواضح الآن أن هذا الاتفاق ليس في صالح إسرائيل". 

وأضاف عطار: "من الواضح أيضًا أننا لا نزال نجهل تفاصيل الاتفاق، وهناك الكثير من المعلومات المضللة، وننتظر جميعنا مزيدًا من التوضيح. يُضاف إلى ذلك الوضع القتالي في لبنان، حيث لا يزال مصيره غامضًا. لذلك، فإنه من المنطقي أن يعيد المستثمرون تقييم علاوة المخاطرة في إسرائيل. لقد حان الوقت لكي تُنوّع الشركات محافظها الاستثمارية في سوق الأسهم وتتجه إلى أسواق أخرى".

يقول الخبير عوديد ماكلير: "هناك مقولة شائعة في سوق رأس المال مفادها أن السوق ترتفع في الحرب وتنخفض ​​في السلم، وهذا غير صحيح. خلال الحرب، كانت هناك توقعات إيجابية كثيرة لمستقبلٍ كان من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة للنمو، مثل انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام. في الأسبوع الماضي، ساد إدراكٌ بأن أبواب الكثير من الفرص التي كانت متوقعة قد أُغلِقَت، وفي المقابل، يثير الاتفاق مع إيران مزيدًا من التساؤلات. فإلى جانب الوضع مع إيران، يثير هذا الاتفاق تساؤلاتٍ حول ضعف العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، وتساؤلاتٍ حول علاقات التكتلات في المنطقة".

الشيكل يتراجع، ولكن...

تراجعت قيمة الشيكل، منذ نهاية شهر أيار الماضي بنسبة 6%، وبات يلامس 3 شيكلات مقابل الدولار، كما تراجع أمام باقي العملات الأجنبية، إذ سجل الدولار، يوم 29 أيار، أدنى مستوى له منذ 35 عامًا، وكان أقل من 2.82 شيكل للدولار.

لكن هذا ليس تراجعًا بالضبط، وإنما قيمة الشيكل باتت في مسار يعيدها إلى الواقع الأقرب للحقيقي، إذ أن الدولار سجل في الأسابيع الأولى من الحرب التي شنتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حوالي 3.8 شيكل للدولار، ثم بدأ مسار تراجع، وبقي حوالي عامين في محيط 3.4 شيكل، وحتى 3.6 شيكل للدولار، لكن بدأ مسار تراجع متسارع في النصف الأول من العام الجاري، ووصل، كما ذكر هنا، إلى أدنى مستوى له منذ 35 عاماً، يوم 29 أيار، حينما بلغ سعر الدولار 2.82 شيكل.

يقول المحلل أفريئيل، السابق ذكره هنا، "إن خيبة الأمل الكبيرة التي يعاني منها عامة الناس، ومستثمرو الأسهم على وجه الخصوص، وصلت أيضًا إلى قيمة الشيكل"، إذ يعتقد الكثيرون أن ارتفاع قيمة الشيكل بنحو 15% ليس كارثة كبيرة بالنسبة للشركات، وأنها ستعرف كيف تتكيف مع هذا الواقع، لكن بالنسبة لشركات التصدير التي تتراوح هوامش ربحها التشغيلية بين 10% و20%، فإن ارتفاع قيمة الشيكل يقضي على جميع الأرباح، وسرعان ما ستظهر الحقيقة في البيانات المالية للشركات المتداولة في البورصة.

الأنظار تتجه نحو الفائدة البنكية

تتجه الأنظار الاقتصادية، ومعها أنظار الجمهور، في هذه الأيام، إلى بنك إسرائيل المركزي، الذي من المفترض أن يعلن يوم الاثنين، 6 تموز المقبل، قراره بشأن الفائدة البنكية، بعد أن قرر في النصف الثاني من شهر أيار الماضي خفضها بربع نقطة، وباتت حاليًا عند مستوى 3.75% كفائدة أساسية متحركة، تضاف لها نسبة 1.5% فائدة ثابتة، بمعنى أن مستوى الفائدة الأساسية الاجمالية 5.25%، ويرى الكثير من خبراء الاقتصاد أنها لا تزال عالية جدًا، مقارنة بنسبة التضخم المالي (الغلاء) الثابتة منذ عدة أشهر، عند نسبة 1.9%، وهذا يُعد منتصف مجال التضخم الذي أقرته السياسة الاقتصادية الإسرائيلية، ما بين 1% كحد أدنى، إلى 3% كحد أقصى.

أدى تراجع التضخم المالي في شهر أيار الماضي، بنسبة 0.3%، واستقرار التضخم في حسابات التضخم للأشهر الـ 12 الأخيرة عند نسبة 1.9%، للشهر الثالث على التوالي، إلى رفع سقف التوقعات بأن يقرر بنك إسرائيل خفض الفائدة البنكية، في الإعلان القريب، بعد أسبوع، وإن لم يفعل البنك، فإن أوساطًا اقتصادية تقول إنه إذا لم تقع مفاجأة اقتصادية سلبية، فإن البنك قد يقرر خفضًا ملموسًا، في الإعلان التالي، في نهاية آب المقبل.

يقول المحلل الاقتصادي، أدريان بايلوت، في مقال له في صحيفة "كالكاليست" إن "السؤال المهم ليس ما حدث لمؤشر التضخم في أيار، بل ما سيحدث لنسبة الفائدة في شهر تموز: هل ستبقى نسبة الفائدة الحالية عند مستواها، بعد خفضها في الشهر السابق بنسبة 0.25% إلى 3.75%، إذ يرى كثير من الاقتصاديين أنه، استنادًا إلى البيانات الاقتصادية وحدها، فإن خفض الفائدة بنسبة 0.5%، سيكون أمرًا منطقيًا تمامًا".

المصطلحات المستخدمة:

الشيكل

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات