المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 7
  • عبد القادر بدوي

منذ بدء الحرب الإسرائيلية على إيران في حزيران من العام الماضي، تناولت العديد من التقارير والمقالات البحثية الدور المتوقع من روسيا في حال تعرض إيران لهجوم إسرائيلي- أميركي مباشر، خاصة وأن موسكو وطهران وقعتا اتفاقًا للشراكة الاستراتيجية قبل عدة أشهر من اندلاع الحرب (كانون الثاني 2025). هذه المساهمة هي استعراض لمقال أعده كل من ديمتري كوبتشغين وآركادي ميل- مان لمعهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، وتأتي في سياق القراءات الإسرائيلية للحرب الإسرائيلية الأولى، والإسرائيلية- الأميركية الثانية باعتبارها اختبارًا جديًا لتوجه روسيا من إيران وعمق العلاقات الاستراتيجية، وتسلط الضوء على الموقف الروسي من النووي الإيراني بشكلٍ خاص. جديد بالذكر هنا، أن الأفكار والمصطلحات الواردة أدناه مصدرها المقال نفسه ولا تعبّر عن وجهة نظر معد المساهمة أو مركز مدار.

بدايةً، يستعرض المقال موقف روسيا من البرنامج النووي الإيراني باعتباره موقفًا يتحرك داخل معادلة دقيقة: دعم سياسي وخطابي لإيران، دفاع معلن عن نظام منع الانتشار النووي، امتناع عن التورط العسكري المباشر، ومحاولة مستمرة لاستثمار العلاقة مع طهران في تحسين موقع موسكو أمام واشنطن. تبرز أهمية المقال من كونه يقرأ السلوك الروسي في سياق الحرب الأميركية- الإسرائيلية التي لم تنته على إيران (حتى تاريخ إعداد المادة)، والتي بدأت في حزيران 2025 وآذار 2026، وفي ظل النقاشات التي جرت في مؤتمر مراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيسان - أيار. في هذا السياق، تبدو موسكو متمسكة بسياسة صاغتها خلال السنوات الأخيرة، منذ انهيار الاتفاق النووي مع إيران وبداية الحرب في أوكرانيا، وهي سياسة تقوم على إدانة التصعيد العسكري، وتوفير غطاء دبلوماسي لإيران، وتقديم نفسها كوسيط ممكن، مع تجنب الانكشاف على التزامات عسكرية أو استراتيجية لا ترغب بتحملها.

ينطلق المقال من فرضية مركزية مفادها أن روسيا لا تجد نفسها، في المرحلة الراهنة، مضطرة إلى إحداث تغيير جذري في موقفها من البرنامج النووي الإيراني، يعود ذلك إلى أن التطورات الأخيرة، على أهميتها، لم تفرض عليها حتى الآن أحد سيناريوهين كانا سيجبرانها على مراجعة سياستها: انتصار أميركي حاسم يغير موازين القوة، أو اندفاع إيراني صريح نحو امتلاك السلاح النووي. لذلك تواصل موسكو التمسك بالموقف الذي بلورته بعد انهيار الاتفاق النووي، والذي تعزز بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. هذا الموقف- بحسب المقال- لا ينظر إلى الملف الإيراني من زاوية منع الانتشار النووي فقط، وإنما يضعه ضمن مواجهة أوسع مع الغرب، حيث ترى في الضغوط الأميركية والأوروبية على طهران سياسة إكراه وعقوبات وتوظيف انتقائي للمعايير الدولية.

في المرحلة السابقة على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي العام 2018، ظهرت روسيا كطرف مشارك في إطار P5+1، وساهمت في الجهود الرامية إلى كبح البرنامج النووي الإيراني وضمان بقائه ضمن المجال المدني وتحت رقابة دولية صارمة. في تلك المرحلة، التقت عدة اعتبارات روسية بحسب المقال: التزام إيران بمعايير منع الانتشار كان يخدم سياسة موسكو النووية ومصالحها التجارية في إيران؛ الاتفاق النووي أسهم في تخفيف التوترات في الشرق الأوسط وتقليل فرص التصعيد العسكري؛ ومشاركة روسيا في بلورة الاتفاق منحتها موقعًا دبلوماسيًا دوليًا مهمًا، حيث كانت موسكو في حينه قادرة على الجمع بين مصالحها في إيران وبين موقعها كقوة دولية تشارك في إدارة ملف نووي حساس ضمن آليات متعددة الأطراف.

ويؤكد المقال أن الحرب في أوكرانيا أحدثت تحولًا واضحًا في مكانة إيران بالنسبة إلى روسيا؛ فإيران انتقلت من كونها شريكة إقليمية إلى حليف ذي أهمية استراتيجية، وقد انعكس ذلك في تعميق التعاون السياسي والعسكري- التكنولوجي بين الطرفين، وفي الخطاب الروسي الذي بدأ يرى في إيران دولة تشترك مع موسكو في تجربة الضغط الغربي والعقوبات الممتدة. هذا التحول، بحسب المقال، لم يلغِ التزام روسيا الرسمي بمبدأ منع الانتشار النووي، لكنه أعاد ترتيب أولوياتها، وأصبحت موسكو أقل استعدادًا لمجاراة الغرب في إدانة السلوك النووي الإيراني، وأكثر ميلًا إلى تفسير الخطوات الإيرانية كرد على انهيار الاتفاق والضغط الغربي.

بعد انهيار الاتفاق النووي، سرّعت إيران تراكم اليورانيوم المخصب بمستويات عالية، وأضعفت آليات التفتيش والرقابة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهذه الخطوات أدت إلى صدور قرارات غربية داخل مجلس محافظي الوكالة أدانت السلوك الإيراني، وهنا- كما يطرح المقال- يظهر أحد أبرز التحولات في الموقف الروسي: موسكو لم تدعم تلك القرارات، ووفرت لإيران مظلة دبلوماسية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفي الأمم المتحدة، وخصوصًا في النقاشات المتعلقة بإمكان إعادة تفعيل آلية "سناب باك" التي تسمح بإعادة فرض العقوبات على إيران بصورة تلقائية، وبذلك أصبحت روسيا أقرب إلى موقع الدفاع السياسي عن إيران، مع استمرارها في حثّ طهران على البقاء داخل معاهدة منع الانتشار.

يدعي ميل مان وكوفتشغين في المقال أن هذا الموقف يحمل قدرًا واضحًا من الازدواجية السياسية، حيث تعلن روسيا تمسكها بمنع الانتشار، لكنها تحمل الأطراف الأوروبية مسؤولية تدهور السلوك الإيراني، وحتى مسؤولية سيناريو افتراضي قد تتقدم فيه إيران نحو قدرة نووية عسكرية، كما أنها خففت تدريجيًا نقدها للولايات المتحدة في بعض المحطات، في محاولة لعدم إفساد مساعي تحسين العلاقات مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بمعنى آخر، يؤكد المقال أن موسكو لا تتعامل مع إيران كحليف مطلق ولا مع واشنطن كخصم ينبغي قطع كل قنوات الاتصال معه، إنها تدير الملف من زاوية الموازنة بين حليف تحتاجه في مواجهة الغرب، وخصم تسعى إلى فتح مساحات تفاوض معه.

يشير كاتبا المقال إلى أن الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى (2025–2026)، مثّلت اختبارًا عمليًا لهذه السياسة، حيث وجدت موسكو نفسها أمام معادلة صعبة: الحفاظ على الشراكة مع طهران، خصوصًا بعد توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية في كانون الثاني 2025؛ تجنب تدهور العلاقات مع واشنطن؛ والحفاظ على علاقات عمل مع الدول العربية. لذلك، جاءت ردودها قوية في اللغة ومحدودة في الفعل، إذ دانت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على منشآت إيران النووية، ووصفتها بأنها اعتداء غير مبرر وغير قانوني يستخدم معاهدة منع الانتشار ذريعة للقوة العسكرية، كما رأت أن هذه الهجمات تضرب نظام منع الانتشار نفسه، لأنها تقدم نموذجًا لاستخدام القوة ضد دولة ذات سيادة باسم منع الانتشار.

بحسب المقال، فإن موسكو تسعى من خلال هذا الخطاب إلى قلب الاتهام: الخطر على نظام منع الانتشار لا يأتي من إيران وحدها، وإنما من الدول التي تستخدم المعاهدة غطاءً للعمل العسكري، وقد عبّرت وزارة الخارجية الروسية عن هذا المنطق حين اعتبرت أن دوافع واشنطن وتل أبيب لا ترتبط بأهداف منع الانتشار، وأن دفع الشرق الأوسط نحو تصعيد غير منضبط قد يشجع دولًا أخرى على تطوير أدوات أشد للتعامل مع التهديدات، وبهذه الصيغة هي تفتح المجال لتفسير أي تقدم إيراني لاحق نحو قدرة نووية عسكرية كنتيجة تسبب بها الضغط العسكري والسياسي.    

رغم النقد الذي يوجهه كاتبا المقال للموقف الروسي، فإنهم يعودون للقول بأن روسيا حافظت، مع ذلك، على حدود واضحة لسلوكها، حيث لم تنخرط عسكريًا في المواجهة، ولم تزود إيران بمنظومات سلاح قادرة على تغيير ميزان القوى بصورة جوهرية، وحتى عندما صعّدت خطابها، بقي الفعل الروسي محكومًا بحسابات الحذر، الاستثناء الأبرز ظهر في ما يتعلق بمفاعل بوشهر، حيث كان الرد الروسي أكثر حدة، ويعود ذلك إلى أن المفاعل يرتبط مباشرة بمصالح روسيا التجارية، وبوجود طواقم روسية، وبالمكانة الرمزية للمشروع باعتباره أبرز تجسيد للتعاون النووي المدني بين روسيا وإيران، لذلك حذرت موسكو من أن أي هجوم على محطة بوشهر سيؤدي إلى نتائج إنسانية وبيئية غير قابلة للإصلاح (حيث تتداخل في هذه النقطة المصالح التجارية والاعتبارات الرمزية والخطاب القانوني حول سلامة المنشآت النووية، كما يشير المقال).

على المستوى الدبلوماسي، يؤكد المقال أن روسيا واصلت توفير الحماية لإيران داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار، حيث بادر مندوبها في الوكالة، ميخائيل أوليانوف، إلى عقد اجتماع خاص لمجلس المحافظين بعد بداية الهجمات الأميركية والإسرائيلية، ودان ما وصفه بالعدوان الأميركي- الإسرائيلي، كما اتهم دول  E3، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، بخدمة الخط الأميركي ضد إيران. بحسب المقال، في مؤتمر مراجعة المعاهدة، تحولت قضية البرنامج النووي الإيراني إلى ساحة مواجهة مركزية، وانتهت إلى فشل المؤتمر في تبني وثيقة ختامية للمرة الثالثة على التوالي، وقد دعمت روسيا والصين الموقف الإيراني، ودفعت موسكو باتجاه صياغات تركز على حصانة الأنشطة النووية السلمية، وعلى إدانة الهجمات أو التهديدات ضد المنشآت النووية المدنية.

يُظهر المقال كذلك كيف حاولت موسكو استخدام الملف الإيراني في علاقتها مع إدارة ترامب، فبعد توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية مع إيران قبل أيام من تنصيب ترامب، شرعت روسيا في عرض خدمات الوساطة بشأن الملف النووي، وفي بداية آذار 2026، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع ترامب، ودعا إلى استئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي، واقترح نقل مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60% إلى روسيا. بحسب المقال، فقد استند هذا الاقتراح إلى تجربة سابقة خلال تطبيق الاتفاق النووي، حين نُقلت كميات من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى الأراضي الروسية. بالنسبة إلى موسكو، يمنحها هذا الدور موقع الوسيط المسؤول، ويستثمر خبرتها النووية، ويقدم لإيران خيارًا أقل حساسية من نقل المواد النووية إلى الولايات المتحدة أو دولة غربية. غير أن الاقتراح قوبل بالرفض من قبل ترامب، الذي اعتبر أن الدور الروسي المفيد يجب أن يبدأ من إنهاء الحرب في أوكرانيا، كما رفضت إيران، مقترحات مشابهة قبل الحرب، مفضلة تخفيف اليورانيوم داخل أراضيها وتحت رقابة خارجية.

يتوقف المقال عند محاولة روسية أخرى للمناورة بين واشنطن وطهران، من خلال عرض غير مباشر يقوم على معادلة "مقابل في مقابل": توقف موسكو مشاركة إيران معلومات استخباراتية قد تساعدها في استهداف أصول عسكرية أميركية في المنطقة، في مقابل توقف واشنطن عن تزويد أوكرانيا بمعلومات استخباراتية تخص روسيا، وقد رفضت الولايات المتحدة هذا العرض أيضًا، لكنه يكشف بوضوح عن البعد البراغماتي في السياسة الروسية في ما يتعلق بالعلاقة مع إيران، فهي ليست ثابتة أخلاقيًا أو أيديولوجيًا، وإنما ورقة ضمن إدارة صراع أوسع مع الولايات المتحدة، بحسب ما يؤكد المقال.

يتطرّق المقال في الختام إلى مسألة الغموض الاستراتيجي الروسي تجاه احتمال امتلاك إيران سلاحًا نوويًا. رسميًا، تعارض موسكو هذا السيناريو، وتفضل بقاء إيران ملتزمة بمعاهدة منع الانتشار، وقد كرر الرئيس بوتين أن روسيا لا تملك دليلًا على وجود برنامج نووي عسكري إيراني، وشدّد على أهمية إبقاء إيران ضمن النظام العالمي لمنع الانتشار، غير أن تصريحات مسؤولين روس، وبينهم ديمتري ميدفيديف، حملت نبرة مختلفة؛ إذ إنهم جادلوا بأن الهجمات الأميركية والإسرائيلية قد تدفع إيران نحو مكانة دولة عتبة نووية، وأحيانًا جاء هذا الطرح بنبرة ساخرة أو راضية أكثر منها قلقة. إن هذا الغموض، كما يطرحه المقال، يعد جزءًا من السياسة الروسية، حيث تريد موسكو الحفاظ على التزامها الرسمي بمنع الانتشار، وفي الوقت نفسه ترفع كلفة الضغط على إيران عبر الإيحاء بأن استمرار الهجمات والعقوبات قد يدفع طهران إلى خيارات أكثر حدّة، ما يعني أن الرسالة الروسية العملية واضحة: في حال تقدمت إيران نحو حيازة قدرة نووية عسكرية، ستسعى موسكو إلى تحميل الغرب المسؤولية الأولى عن خلق الظروف التي قادت إلى ذلك. 

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات