تعمل وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية على إدخال مضامين دينية يهودية متطرفة ومبالغ في نزعتها القومية، وذلك من دون الإعلان عن إدخال هذه المضامين إلى مناهج التعليم في المدارس الحكومية الرسمية. ويسيطر على هذه الوزارة، بصورة تاريخية، مسؤولون من التيار القومي الصهيوني – الديني، الذي ازداد تطرفا في العقدين الأخيرين، وخاصة في السنوات القليلة الماضية.

 

وأجرى "المنتدى العلماني"، الذي يضم أهالي تلاميذ في المدارس الحكومية اليهودية، تدقيقا جديدا تبين منه أن عشرات الكتب الدراسية في جهاز التعليم الحكومي تضمنت استخداما واسعا لمصادر دينية يهودية من دون شرح أو وسيلة ملائمة لتمرير هذه المواد إلى التلاميذ، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "هآرتس" يوم الجمعة الماضي. وتبين لأعضاء المنتدى أن الكتب وكراسات الوظائف التي تم التدقيق فيها لا تشمل مواد تعليمية للموضوع الدراسي الجديد "ثقافة يهودية – إسرائيلية"، وإنما تتناول بالأساس تعليم اللغة العبرية. كما أن استخدام المصادر، مثل اقتباسات من كتابات لحاخامين قدماء أو تطرق إلى أعياد من وجهة نظر اليهودية الأرثوذكسية، يتم في القسم الأكبر من الكتب من دون علاقة بالموضوع الجاري دراسته.

وقال رؤساء "المنتدى العلماني" إن الكثير من هذه المضامين الدينية التي عثروا عليها في الكتب المدرسية تشير إلى أن "الحديث لا يدور عن ظاهرة عفوية أو هامشية، وإنما عن خطوة منهجية وأيديولوجية. وهدف هذه الخطوة هو إعادة تصميم وعي التلاميذ العلمانيين بواسطة استعراض العالم اليهودي – الإيماني بصيغته الأرثوذكسية في كل مكان: في النصوص، التمارين، الرسومات وبجمل تبدو كأنها بريئة يتم دمجها في كتب التدريس". وقالت الصحيفة إن وزارة التربية والتعليم رفضت التعقيب على ذلك.

وهذه المحاولة هي الأولى من نوعها التي يبادر إليها "المنتدى العلماني" للتدقيق في مؤشرات على التديين في الكتب التي تُدرّس حاليا في جهاز التعليم الحكومي. وشمل هذا التدقيق ثمانين كتابا تدريسيا، نصفها في التربية اللغوية، تعليم اللغة العبرية وفهم المقروء، وباقي الكتب في مواضيع الموطن والتوراة والجغرافيا والعلوم والرياضيات، التي يتعلم فيها تلاميذ في الصفوف من الأول حتى السادس الابتدائي، وغالبيتها الساحقة صدرت في السنوات العشر الأخيرة. واستمر التدقيق في كتب التدريس هذه قرابة أربعة أشهر وشارك فيه ثلاثون من ذوي الطلاب من جميع أنحاء إسرائيل، بقيادة أوسنات سيفرون، وهي إحدى المبادرات إلى تأسيس المنتدى ومعلمة قديمة لموضوع المدنيات ولديها خبرة في تطوير المواد الدراسية وأساليب التدريس.

ومن بين الأسباب التي دفعت المنتدى إلى التدقيق في كتب التدريس، إعلان وزارة التربية والتعليم عن بدء تدريس "الثقافة اليهودية – الإسرائيلية" وهو موضوع إلزامي جديد، وذلك بادعاء أنه ينبغي تعزيز الهوية اليهودية لدى التلاميذ. والنقطة الأساسية التي انطلق منها المنتدى في تدقيقه في كتب التدريس هذه هي مبدأ أن "الإنسان العلماني هو سيد نفسه" ويتمتع "بالشجاعة في طرح السؤال والتشكيك والاختيار".

وقالت سيفرون إنه تبين من التدقيق أن جميع كتب تدريس اللغة العبرية اشتملت على تطرق إلى الأعياد اليهودية ويوم السبت، وأنه في "هذه الفصول يوجد توغل مكثف لمصادر دينية في غالب الأحيان، وبينها اقتباسات من التوراة، ومن خطب وأقوال ’حزال’ (كبار الحاخامين)، وبعضها استخدمت فيه لغة إيمانية واستعرضت أساطير ومعتقدات على أنها حقائق. وبدلا من الالتزام بأهداف المنهاج الدراسي، الموجهة بالأساس إلى تنمية الخبرات اللغوية، يوجد في مواد التعليم كم هائل من المصادر اليهودية ذات المضامين الدينية، التي تندمج في أماكن ذات علاقة ولكن من دون نقاش ملائم أو في فصول ليست ذات علاقة".

وعثر أعضاء المنتدى على أمثلة كثيرة كهذه. ففي كتاب "القدرة على القراءة" للصف الأول الابتدائي، على سبيل المثال، تم تخصيص صفحات عديدة لقدسية يوم السبت، بواسطة قصص "من المصادر"، وبينها أن يهوديا حصل على ثراء كبير كان بحوزة شخص غير يهودي بفضل حفاظه على قدسية يوم السبت. كذلك اشتمل الكتاب على رسومات وتمارين، مثل "صفوا مأدبة السبت في بيوتكم: الأغاني والأشعار والأطعمة المفضلة".

وقال أحد أهالي التلاميذ الذي شارك في التدقيق في الكتب إنه "رغم إدراكي لهذا الوضع، إلا أني لم أفكر أن الوضع سيء لهذه الدرجة. ويصعب قبول كمية المضامين اليهودية، التي ترافقها أسئلة حول مكانة الدين في العائلة وفي حياة الطفل، خاصة إذا أخذنا بالحسبان السن الصغيرة للتلاميذ". وأضاف أنه إلى جانب ذلك هناك "القصص حول أفضلية اليهود واليهودية على الأغيار (غير اليهود) المروعين، الأمر الذي ينتج عنه نقاش أحادي الاتجاه، يوجه نحو غرس مواقف دينية، من خلال كتاب لتعليم القراءة وينبغي أن يتضمن نصوصا واسعة وعالم مضامين متنوعة".

وتظهر هذه القصص في كتاب آخر للصف الأول أيضا، بعنوان "النغمات تروي"، والرسومات المختلفة في فصل حول يوم السبت تستعرض الرجال، الصغار والكبار، يعتمرون غطاء على الرأس، وغالبا ما تكون هذه قلنسوة، بينما ترتدي النساء تنانير، بادعاء أن السراويل ممنوعة. وكتب عضو آخر في "المنتدى العلماني" أن "كل الانشغال بيوم السبت هو من زاوية دينية، وعبر استعراض مضامين دينية ورسومات ذات توجه ديني غير تناسبية من أجل اطلاع الأطفال العلمانيين على مضامين كهذه".

ويتعلم تلاميذ الصف الثاني الابتدائي في الفصل حول رأس السنة اليهودية في كتاب "طريق الكلمات" قصة الطفل "يوءاف"، الخائف على جده الذي يرقد في المستشفى. لكن بعد زيارة "يوءاف" للكنيس وسماع صوت البوق، يرى "كيف تحلق صلاته سوية مع نغمات البوق إلى السماء". وتساءل المنتدى في تقرير وضعه في أعقاب التدقيق في هذه الكتب "ماذا سيحدث لجد طفل لا يصلي؟"، وأكد أن تحديد صوت البوق على أنه "فريضة مركزية" لا يترك خيارا أو نقاشا.

"الهيكل الثالث"

إحدى الملاحظات التي وضعها المنتدى في تقريره أشارت إلى استخدام غير ذي صلة بالمصادر اليهودية. وجاء في الفصل حول تغير فصول السنة اقتباس من تفسير للتوراة يقول إن هذه الفترة من السنة "تطلب تدمير العالم" لكن الرب يضعفها في الجبال والتلال كي لا يتضرر البشر. وتضمن كتاب الرياضيات للصف الثاني سؤال حول "كم عدد البهائم الطاهرة من كل نوع أخذ معه نوح إلى السفينة؟". وكُتب إلى جانب هذا التمرين أن البهيمة الطاهرة هي البهيمة الـ"كوشير"، أي الحلال بحسب الشريعة اليهودية. وكتب أحد أعضاء المنتدى أنه "توجد طرق إبداعية أكثر لتعليم الحساب. واستخدام مصطلح ’بهيمة طاهرة’ ملائم لمواد أخرى".

ويتعلم التلاميذ في كتاب للصف الثاني بعنوان "قراءاتي"، أن مهمة الأم في عشية يوم السبت هي إضاءة شمعة والمباركة وفقا لنص يقول "مبارك الله ربنا ملك العالم، الذي قدّسنا بفرائضه وأمرنا بإضاءة شمعة للسبت". واحتج المنتدى على أنه توجد عائلات لا تنفذ مثل هذه الطقوس وأنه "كان من الأفضل أن يذكر أنه توجد عائلات تتصرف هكذا وأخرى تتصرف بشكل مختلف". ووفقا للمنتدى فإن فرائض ذات صبغة دينية وتتعلق بالأعياد اليهودية موجودة بكثرة في كتب أخرى.

وتطرق مقطع آخر في كتاب "قراءاتي" إلى الذهول الذي انتاب السكان في ولاية كولورادو الأميركية في أعقاب هطول كتل كبيرة من البرَد، أي قطرات المطر المتجمدة. وكُتب إلى جانب ذلك أن "مسنّا واحدا فقط تذكر أنه سمع مرة عن البَرد الذي تسبب بدمار كبير. وعندما جاؤوا للتحقيق معه اتضح أنه قصد ما ورد في التوراة حول ضربة البرد التي أنزلها الله على مصر".

ويستعرض كتاب "أنا وعائلتي، أنا وصديقي" أمثلة للفروق بين العائلات فيما يتعلق بالمساعدة المتبادلة. وتصف هذه الأمثلة أنه في العائلة اليهودية المتزمتة دينيا يوجد أكبر قدر من الدعم والالتفات المتبادل بين أفرادها، بينما أفراد العائلة العلمانية يصرخون على بعضهم وحسب.

وتطرق تقرير المنتدى إلى سلسلة كتب التدريس "المهم أننا فهمنا" التي تستخدم في الصف الثالث: "قرابة نصف النصوص التي يقرأها التلاميذ في دروس اللغة تتناول الأعياد والعادات والمعتقدات والتراث. ويتم استعراض الفرائض الدينية التي تسري على شخص مؤمن أمام الأطفال وكأنه هو نفسه ملزم بها، ويمررون بذلك رسالة لا تتلاءم مع طابع الحياة في بيته".

ويبدأ كتاب للصف الخامس بفصل مخصص للصلاة، ويتناول مطولا "الهيكل" المزعوم، ويسرد تفاصيل دقيقة لمبناه وتفاصيل أخرى. وفي نهاية هذا النص، يُدعى التلاميذ إلى قراءة المزيد من المعلومات في موقع الكتروني مخصص "للهيكل"، ويتضمن "جولة افتراضية في جبل الهيكل"، حيث يقع الحرم القدسي والمسجد الأقصى. وإلى جانب هذه "الجولة"، يظهر فيلم كرتون قصير بعنوان "رسالة إلى شعب إسرائيل"، تقول "يسألني الكثيرون كيف بإمكانهم المساعدة وتقريب بناء الهيكل الثالث. والإجابة بسيطة جدا، ينبغي التوبة والعودة إلى آبانا الذي في السماء. ومن لا يحافظ على قدسية السبت، فليأخذ على عاتقه قدسية يوم سبت، ومن لا ترتدي ملابس محتشمة، فلتأخذ على عاتقها الاحتشام".

شركات خاصة تصدر الكتب

قال المنتدى في تقريره إن الكتب التي تم التدقيق فيها، وعددها أكثر من ثمانين كتابا، أصدرتها شركات خاصة، وحصلت على مصادقة وزارة التربية والتعليم. بينما، للمقارنة، برنامج "مفتاح القلب" الدراسي الذي غايته "تنمية قيم وخبرات اجتماعية"، تم تطويره وإصداره بواسطة الوزارة نفسها.

وتناولت إحدى الوحدات الدراسية موضوع المعجزات في سياق عيد الأنوار اليهودي (حانوكا). وكُتب هناك أن "المعجزة تعتبر حدثا استثنائيا ومفاجئا، يتناقض مع قوانين الطبيعة والعلوم والمنطق. وثمة من يعتبرون أحداثا عجيبة وغير عقلانية بأنها تدخل إلهي من أعلى، لمصلحة الإنسان والعالم". وقال المنتدى إنه على الرغم من أن الرسالة هي أنه "لا نعتمد على المعجزات"، لكن في الوقت نفسه يطالب التلاميذ بالبحث عن "حدوث معجزات متنوعة في الحياة اليومية" والتحدث مع زملائهم حول "معجزة حدثت معي ومع أفراد عائلتي أو الجيران".

وقالت سيفرون، التي تعترض على هذه المضامين الدينية، إنه "توجد مواد كثيرة ملائمة في كتب التدريس. وبالإمكان الاستمرار في استخدام المواد الموجودة وتجاوز الجوانب الإيمانية، من دون التنازل عن المهارات اللغوية". وأضافت أنه بعد اطلاعها على عشرات الكتب ذات المضامين الدينية، تبين أن "جميع الذين كتبوها يتماشون مع خط محدد للغاية. ويبرز هذا الأمر خصوصا عندما نقرأ البرنامج الدراسي، الذي يلزم بتطرق واسع إلى هذه الدرجة إلى الأعياد ويوم السبت والمصادر اليهودية".

وقالت إحدى عضوات "المنتدى العلماني"، إن ناشري كتب التدريس هذه، ووزارة التربية والتعليم في سياق أوسع، "يعتمدون على أن العلمانيين لا يطرحون أسئلة ويثقون بالمؤسسة التعليمية، التي تعتبر أن الشخص المتدين هو الشخص الطبيعي".

وقالت عضوة أخرى إنها انضمت إلى المنتدى بعدما توصلت إلى الاستنتاج بأنها لا تثق بجهاز التعليم، الذي "لا يعلم التمييز بين العلم والأسطورة. وهكذا يتم وصف ممارسات دينية على أنها الأمر الصحيح الذي ينبغي فعله. وهذا يبدأ مع ’أب وأم في يوم السبت’ في روضة الأطفال، ويستمر طوال السنوات في المدرسة. والمشكلة هي ليس فقط أن جهاز التعليم يربي على قيم مختلفة عن قيم البيت (العلماني)، وإنما يربي على أن قيمنا تعتبر غير شرعية".

ورأت إحدى عضوات المنتدى أن "الحديث يدور عن توغل منهجي لمضامين يهودية وإيمانية إلى كتب التدريس في جهاز التعليم الحكومي. لقد وجدنا أمثلة كثيرة ومثيرة للغضب لتلقين أفكار قومية – دينية – أرثوذكسية، ومفاهيم تميز بين الجنسين ونظرة عرقية تركز على اليهودية فقط لا غير. والتدقيق الذي أجريناه يعزز مشاعر الكثيرين من ذوي التلاميذ، بأن جهاز التعليم الحكومي والمسؤولين عنه يخونونهم وأن هدف التديين في جهاز التعليم هو تغيير صورة الجمهور العلماني. ونحن سنواصل تأييد نضالات محلية للأهالي وزيادة الوعي العام لهذه الظاهرة".

ويوصي أعضاء المنتدى ذوي التلاميذ "بالاطلاع على كتب التدريس من أجل كشف الانحياز وانعدام الدقة. وعلينا التحدث مع الأطفال، إذ أنه من دون حوار، أثناء وجبات المساء أو لدى الدخول إلى السيارة، من شأن هذه المضامين أن تبقى لدى الأطفال". واقترحت سيفرون أن يطلع الأهالي ومديرو المدارس على مناهج التعليم قبل بدء العام الدراسي المقبل، وقالت إنه "من دون وجود إرادة لدى الأهالي لن يحدث شيء".

وقالت صحيفة "هآرتس" إن المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، عاموس شافيط، رفض التعقيب على هذا التدقيق.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أغسطس 12, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية