تمثيل غير لائق للعاملين العرب

يشير تقرير حديث لجمعية "سيكوي" إلى أنه لن يتسنى تحسين مكانة وحضور العاملين العرب في سوق العمل الإسرائيلية، ما دامت الحكومة، السلطة التنفيذية، لا تفرض معايير للدفع بهذا الاتجاه، بواسطة التأثير على سوق القطاع الخاص. يأتي هذا التقرير ليواجه ادعاء حكوميًا مفاده وجود تحسّن في تشغيل مواطنين عرب في سلك الخدمات العامة، أي التابعة للقطاع العام. ولكن كما يتبيّن فيما يلي، فإن هذه سيرورة بطيئة اولا، وغير كافية ثانيًا لإحداث تغيير جوهري في توفير الحق في العمل للأقلية العربية الفلسطينية في الاقتصاد الإسرائيلي.

 

عنوان التقرير هو "تحليل الجدوى الاقتصادية لتطوير التمثيل اللائق لعمال عرب في سوق القطاع الخاص بواسطة مناقصات تعرضها الدولة". وهو ينطلق من فرضية اقتصادية مفادها انه "يسود اتفاق واسع على أهمية دمج المواطنين العرب في سوق العمل، سواء أكان ذلك للاقتصاد الإسرائيلي عمومًا أو للتطوير الاقتصادي للمواطنين العرب خصوصًا". لكنه مع ذلك، يستدرك بالقول: "هناك مصاعب داخل واقع التشغيل الإسرائيلي في دمج المواطنين العرب في سوق العمل الإسرائيلية. تعود المصاعب إلى أسباب كثيرة ومعيقات مختلفة، منها مصاعب الوصول المادي لمراكز التشغيل، فجوات في مستويات التحصيل العلمي والتأهيل، وعي اجتماعي منخفض لدى المشغلين، تمييز وإقصاء اجتماعي".

يذكّر التقرير بأن الدولة، بمؤسساتها التنفيذية، "وضعت نصب عينيها في السنوات الأخيرة هدف تطوير التشغيل في المجتمع العربي، وأخرجت إلى حيّز التنفيذ خططًا مختلفة بتكلفة وصلت مليارات الشواكل لدمج عمال عرب في الاقتصاد ومواجهة التحديات المرتبطة بذلك، بواسطة إقامة معاهد توجيه وتأهيل مهني، سبسدة إقامة وتشغيل حضانات نهارية، وتحسين البنى التحتية للمواصلات العامة والخاصة. وقادت هذه الخطط إلى تحسين معدلات تشغيل المواطنين العرب، ولكن في السنة الأخيرة تباطأ مؤشر الارتفاع فبقيت الفجوات مرتفعة في مستويات تشغيل العمال العرب واليهود، خصوصًا لدى النساء".

كما سبقت الاشارة ساهم تشغيل مواطنين في القطاع العام، الذي تملك الحكومة تأثيرًا مباشرًا عليه، في رفع معدل العمال العرب في القطاع العام بشكل ملحوظ، من 8ر4% عام 2000 إلى نحو 10% عام 2016. وتقول "سيكوي" إن "التقدّم في الاستجابة لتحدي تشغيل العمال العرب في خدمات الدولة يوفر تجربة هامة لدفع الطلب على العمال العرب. وفقًا لذلك، تدفع الجمعية في السنوات الأخيرة بفكرة تطوير التمثيل اللائق للعمال العرب في سوق القطاع الخاص بواسطة استخدام مناقصات الدولة والقوة الشرائية لدى الدولة". ويتمثل اقتراحها باستخدام تلك المناقصات لإحداث التغيير. ووفقًا لرؤيتها: "إن مبنى إعطاء النقاط في مناقصات الدولة يُحسب غالبًا وفقًا لتقسيمة كمية تقوم بالأساس على السعر المقترح، وقسم نوعي يفحص مقاييس مختلفة بشأن نوع الخدمة أو المنتوج في النشاط الاقتصادي للمتنافس. وفقًا للتنظيم المقترح، تُضاف نسبة العمال العرب المشغلين في الشركات المتنافسة على المناقصة، كمعيار نوعي في مناقصات حكومية"، أي أن تشغيل المواطنين العرب يزيد من احتمالات مقاولين أو مزودي خدمات للحصول على تلك المناقصات العامة.

هذا التوجه الذي تعتمده دول عدة في العالم يعتمد على معطى هام هو قوة الشراء الحكومية. وهي تصل في إسرائيل إلى ما يتراوح بين 24 و54 مليار شيكل سنويًا. وبفعل هذه القوة الشرائية، توجد للأداة المقترحة قدرة كبيرة على تطوير التشغيل لدى المواطنين العرب. فالفحص الدولي يتوافق مع هذا الاقتراح، ويدل على أنه تم تنفيذ إجراءات مشابهة بنجاح في كثير من الدول المتقدمة في العالم، بينها كندا، الولايات المتحدة وكثير من دول الاتحاد الأوروبي، والتي تستخدم قوة الشراء لديها لتطوير تشغيل مجموعات سكانية مقصاة عن سوق العمل، بواسطة مناقصات الدولة.

إيرلندا الشمالية- نجاح للمشروع

بدأت سياسة الاقتناء والمشتريات الاجتماعية في إيرلندا الشمالية عام 2002، حين قررت حكومتها استغلال الميزانيات الضخمة المخصصة للمشتريات والخدمات، الواقعة تحت تصرفها، من أجل دفع وتطوير فرص تشغيل لنساء ورجال كانوا خارج دائرة العمل لفترة طويلة. وحكومة إيرلندا الشمالية انطلقت في مشروع تجريبي تم في إطاره وضع معايير لتشغيل المعطّلين عن العمل في 20 مناقصة حكومية، في مجالات التنظيف، خدمات الطعام، الأمن والبناء، وتراوحت ما بين 700 ألف و 5ر8 مليون جنيه استرليني.

وطُلب من المتنافسين على المناقصات تقديم تصريح سياسي اجتماعي وخطة عمل لتشغيل معطّلين عن العمل، تفصّل كيفية تشغيل عمال كانوا خارج دائرة العمل. وعند الفوز بالمناقصة تم إلزام مزوّد الخدمة بتطبيق الخطة التي قدمها تحت رقابة ممثلين للحكومة: أجروا خلال سنتين مقابلات شخصية مع مزوّدي الخدمات وجمعوا وفحصوا أوراق المناقصة وخطة العمل. كانت خطة العمل بمثابة العامل الحاسم بشأن اختيار مزوّد الخدمة، فقط حين ظهر تعادُل بين متنافسَين. وأعلن عن نجاح المشروع التجريبي. وكان المشروع من ناحية الدولة مجديًا ماليًا قياسًا بخطط أخرى وكانت التكاليف الادارية منخفضة.

على أثر المشروع التجريبي، أدرجت حكومة إيرلندا الشمالية تغييرات في سياساتها على مدى السنوات بخصوص المشتريات والاقتناء من أجل التطوير المستدام وتحقيق أهداف اقتصادية، اجتماعية وبيئية. وفي العام 2011 أعادت الحكومة تعريف مصطلح "الاقتراح الأجدى" بشكل يجعله موجهًا لسياسات المناقصات، وأضافت إلى جانب مركبات السعر والجودة أهدافًا اجتماعية وبيئية أيضًا. عمليًا، تم في الخطط الحكومية 2011- 2015 تضمين بنود اجتماعية (مثل تشغيل معطّلين عن العمل) في جميع المناقصات المنشورة للمزودين، الخدمات والبناء.

التجربة الأميركية- أثر إيجابي

وفقًا لقانون حقوق المواطن في الولايات المتحدة الأميركية من العام 1964، يسري واجب التبليغ عن مواقع عمل يعمل فيها أكثر من مئة عامل أو مواقع عمل يعمل فيها أكثر من خمسين وتحظى بمناقصات فدرالية. وتشتمل إستمارة واجب التبليغ على تطرّق إلى النوع الاجتماعي والأصل الاثني للعمال في تسع فئات مختلفة (تقنيون، مزودو خدمة وما شابه). في حالة المقاولين الفدراليين، يجب عليهم التبليغ أيضًا عن خريجي الجيش وأشخاص ذوي محدوديات.

وفقًا لأمر رئاسي رقم 11246 (مساواة الفرص في العمل، بند "عدم التمييز في التشغيل بواسطة مقاولين ومقاولين ثانويين تابعين للحكومة") عام 1971، يسري على المقاولين الثانويين في مناقصات فدرالية واجب التفضيل التصحيحي بالإضافة إلى واجب التبليغ. والمشغّل مطالَب في إطار هذا الواجب بوضع خطة للتفضيل التصحيحي، تشمل تحليلا لمميزات القوة العاملة، تشخيص مجموعات موجودة في وضعية تمثيل متدنية وبلورة خطوات وجدول زمني لزيادة فرص التشغيل لمجموعات تتعرض للتمييز. والمكتب الحكومي المسؤول عن مقاولي الحكومة يجري رقابة على المقاولين الفدراليين، وفي حال لم يستوفوا المطالب التنظيمية وفي حال اقتضت الضرورة، يقوم بالتبليغ لمفوضية مساواة الفرص في العمل. ويمكن للمفوضية اتخاذ خطوات ضد المقاولين قد تتراوح ما بين إلغاء التعاقد وحتى منع إمكانية مستقبلية للتنافس على تعاقد فدرالي.

الأبحاث من عام 2006 وعام 2016فحصت فاعلية خطط تطوير التشغيل المتنوعة، ووجدت ان هذه الخطط فعالة خصوصًا حين يكون المشغل مقاولا فدراليا. وينسب الباحثون هذا الفرق إلى المطالب التنظيمية من قبل الدولة، والتي توفر للمشغّل دافعية لتطوير التنوّع التشغيلي. ووجدت الأبحاث أيضًا أنه يوجد لهذه السياسة أثر إيجابي على مواقع العمل التي لم يسبق لها أن فازت بمناقصات فدرالية، ولكنها تقوم كجزء من الاستعداد للمناقصة بتطبيق سياسة التنوّع التشغيلي.

المعايير الدولية وتقصير الحكومة الإسرائيلية

أوصت منظمة OECD إسرائيل باستخدام قوة الشراء الحكومية لتطوير تشغيل المواطنين العرب. واعتمد التقرير قيد البحث على هذا الموقف الدولي، أيضًا، في عرضه الاقتراح. لهذا الغرض أجرت شركة اقتصادية اسمها TASC بحثًا حول تنفيذ المقترح، حيث تفصّل توصية استخدام مناقصات عامة لدمج عمال عرب في سوق القطاع الخاص وخصائصها. والبحث الاقتصادي تناول تحليل الجدوى الاقتصادية والأخذ بالحسبان علاقات التكلفة والفائدة المتوقعة للدولة.

كان تقدير الشركة الأولي أن هذا الإجراء المقترح سيساعد في توفير عمل لائق لنحو 100 ألف عامل عربي في أوضاع تشغيلية إشكالية. الفائدة الاقتصادية المحتملة الكامنة في تطوير تشغيل هؤلاء العمال تصل إلى 3ر3 مليار شيكل سنويًا، في حين أن التكاليف المنوطة بالتنظيم منخفضة وتقتصر على نحو 22 مليون شيكل سنويًا فقط. معنى الأمر أن التكلفة المحتملة للإجراء تستدعي استغلال ما لا يتجاوز 7ر0% من قوة التشغيل الاقتصادية غير المفعّلة في المجتمع العربي.

واقترحت "سيكوي" أن تكون الشركات المتنافسة في إطار المناقصات مطالَبة بعرض معلومات حول نسبة العمال العرب المشغلين لديها، نطاق تشغيلهم ودرجات الأجور التي يتلقونها. وتؤكد ان هذه أداة أساسية وهامة لتطبيق الإجراء، تعزز مستوى التزام المشغلين بالمسألة وتشكل شرطًا ضروريا لتقييم مستوى التمثيل اللائق في كل مجتمع.

كذلك، فالشركات المتنافسة في المناقصات مطالَبة بتقديم وتطبيق خطة لتطوير دمج عمال عرب. تشمل الخطة اهدافًا واضحة وعينية للتجنيد والتطوير ويتم فحص تطبيقها من خلال عيّنات بواسطة الجهات الملائمة في مفوضية مساواة الفرص في العمل. عينيًا، تُحسب لدى كل متنافس نسبة العمال العرب المشغلين لديه. بعد ذلك، يتم حساب النقاط المعنيّة لكل متنافس بشكل نسبي، بحيث أن المتنافس الذي يشغّل النسبة الأعلى من العمال العرب يفوز بعدد النقاط الأقصى.

يستدرك التقرير عددًا من الادعاءات المناهضة للمقترح الخاص بالمناقصات، ويقول: يوجد، نظريًا، خشية من أن إرفاق مطالب تخص الجودة بالمناقصة، من شأنه أن يؤدي إلى تكاليف غير مباشرة عالية. مثلا، تمديد اجراءات انتاج المناقصة واستئنافات أكثر لمتنافسين على نتائج المناقصات. كذلك، هناك خشية من أن تطبيق معايير اجتماعية على مناقصات وإدخال اعتبارات تتجاوز التكلفة، قد يؤدي إلى تعقيد كبير للمناقصة برمتها. والرد هو أن الحفاظ على خطة بسيطة وتعليمات واضحة سيقلص تلك التكاليف إلى درجة جعلها هامشية. فاليوم أيضًا يطالَب متنافسون على مناقصات عامة باستيفاء معايير مختلفة، مثل الاستقرار الاقتصادي، الحفاظ على حقوق العمال وغيرها. بالتالي فإن إدخال هذا المطلب إلى المناقصات العامة يصبح ممكنًا بواسطة استخدام عمليات التقديم المتعارف عليها، بدون اية تكلفة إضافية جدية، إذا أضيفت أصلا.

لتشغيل عاملين وتحسين مكانتهم

الفائدة المحتملة وفقًا للتقرير مؤلفة من تحسين وضع نحو 100 ألف شخص من المواطنين العرب، ممن يتواجدون في أوضاع تشغيلية إشكالية. هؤلاء العمال العرب يتوزعون على ثلاث مجموعات مركزية: 37 ألف معطل عن العمل، منهم نحو 13 ألف معطل عن العمل يمكنهم البدء بالعمل فورا؛ نحو 31 ألف معطل جزئيًا عن العمل؛ نحو 30 ألفًا يتم تشغيلهم في وظائف لا تلائم مؤهلاتهم وتحصيلهم الأكاديمي.

لخصت الشركة الاقتصادية التي أجرت بحث النجاعة كالتالي: يوجد في المجتمع العربي نحو 37 ألف معطل عن العمل – رقم يعكس نسبة بطالة بنحو 6ر8%، وهي أعلى بـ 3% مما هي عليه بين المواطنين اليهود. الاجراء المقترح يأتي لجسر قسم من معيقات الطلب على عمال عرب، توفير حل محتمل لتشغيل العمال المعطلين عن العمل في المجتمع العربي، وتقليص نسبة البطالة. وبهذا، ووفقًا لفرضية أن نسبة البطالة في المجتمع اليهودي تعكس البطالة الطبيعية في الاقتصاد، هناك قوة كامنة غير مستنفدة لتشغيل نحو 13 ألف معطل عربي عن العمل.

أما بخصوص نحو 30 ألف عامل عربي مشغّلون في وظائف لا تلائم مؤهلاتهم، أي عمال لا تتلاءم درجة تحصيلهم العلمي مع أجورهم، مقارنة بالأجر الذي يتلقاه عامل يهودي موازٍ قياسًا بتحصيله العلمي، فيعرض تحليل TASC الفجوة بين أجور العمال العرب وأجور اليهود ذوي التحصيل العلمي الموازي. وهنا يبدو أن مسألة الطلب هي أحد العوامل الهامة في نشوء الفجوة. وتدل نتائج التحليل على ان العامل العربي مع تحصيل 16 سنة تعليمية فما فوق متوقع أن يكسب 54 شيكل للساعة بالمعدل، مقابل 82 شيكل للساعة في حالة العامل اليهودي من الفئة نفسها.

ويلخص التقرير: بنظرة شاملة على طرفي المعادلة، نرى انه صحيح ان التنظيم المقترح منوط بتكلفة سنوية بحوالي 22 مليون شيكل ولكنه يدفع قدمًا هدفًا أعلى مع قوة اقتصادية كامنة تفوق الـ 3 مليارات شيكل. وآخذين بالاعتبار التجربة الدولية وحتى التجربة التي تراكمت من إدخال هذا الواجب إلى القطاع العام في إسرائيل سابقًا، فإن الإجراء من شأنه أن يعود برفع جدي أعلى لقوة العمل في المجتمع العربي. و"سيكوي" متأكدة من أن الإجراء المقترح لإضافة نقاط نوعية على تمثيل لائق لعمال عرب في مناقصات عامة، هو أداة ناجعة لتطوير التشغيل لدى المواطنين العرب.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أغسطس 12, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية