جندي من حرس الحدود الإسرائيلي يدفع فلسطيني خلال تظاهرة ضد الاحتلال الإسرائيلي واستهداف قطاع غزة، داخل باب العامود في البلدة القديمة في القدس الشرقية المحتلة في 18 أيار/مايو 2021 إيمانويل دوناند ا ف ب

في هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي" ثمة تركيز خاص على علاقة إسرائيل والأكثرية اليهودية فيها بالفلسطينيين في الداخل، وذلك بعد أن أعادتهم الهبّة الشعبية الفلسطينية المتدحرجة إلى صدارة الاهتمام مرة أخرى.

وهو تركيز نقوم به من زاويتين، مع العلم بأنه ممكن أيضاً من زوايا عديدة أخرى: الأولى، زاوية النظرة الإسرائيلية العامة حيالهم والتي لا تنفك ترى فيهم بمثابة عدو داخلي وطابور خامس ومثار قلق استراتيجي، ما يستلزم استمرار التعامل معهم بمقاربة أمنية فقط. والزاوية الثانية، هي التنائي عن الاستثمار في التربية على مناهضة العنصرية حيال الفلسطينيين والعرب عموماً، كما تثبت ذلك التقارير الإسرائيلية الرسمية على نحو دوري، بما يخدم تكريسها ضدهم كجنس بشري أدنى، غير مستحق لأي حقوق جماعية. وبموجب ما يقرّ به حتى عدد كبير من الباحثين الإسرائيليين فمن الخطأ الجسيم الاعتقاد بأن المؤشرات إلى تغلغل فكرة دمج فلسطينيي الداخل في الاقتصاد الإسرائيلي داخل صفوف جهات مسؤولة كثيرة بمن فيها بعض صناع القرار، من شأنها أن تنطوي على مؤشر إلى استبطان فكرة استحقاقهم حقوقا جماعية. وهذا ما يؤكده مثلا المقال الخاص المترجم في هذا العدد لأحد هؤلاء الباحثين.

لا شك في أن أحد أبرز الأمور التي برهنت عليها الهبّة، لدى قراءة تداعياتها من وجهة نظر إسرائيلية، أن الفلسطينيين في الداخل ما زالوا في مهداف سياسة القمع والاستعلاء والاستعداء الإسرائيلية. ولا يجوز القول بأي حال بأنها هي من أعادتهم إلى هذا المهداف لأنهم لم يغادروه أصلاً حتى في ذروة التعبير عن "لهاث" إسرائيل وراء دمجهم اقتصادياً ومن ثم سياسياً، مع وجوب ملاحظة أن محاولات هذا الدمج الأخير، كما تبدّت خلال أزمة إسرائيل السياسية الحالية، لم تغادر غايتها الأداتية الصرف، وبالتأكيد لن تغادرها برسم الهبّة الأخيرة.

وتحتاج التحليلات الإسرائيلية التي تناولت هبّة الفلسطينيين في الداخل إلى وقفة أوسع، وإلى أن تحين وقفة كهذه في قادم الأيام ينبغي أن نشير إلى أن أول ما يتعيّن ملاحظته هو نشوء حالة جليّة من التعبئة العامة للمؤسسة الإسرائيلية، السياسية والأمنية، والأكاديمية والإعلامية، للوقوف في شبه إجماع في صفّ معارضة هذه الظاهرة ومحاربتها، والإلحاح الشديد على الدعوة إلى الخوض في ملف الفلسطينيين في إسرائيل، بعد أن اعتبرته بالمطلق ملفاً شديد الإشكالية والخطورة، ويستدعي "علاجاً فائقاً وحاسماً". وقد بدأت التعبئة العامة بكبار المسؤولين والوزراء وأعضاء الكنيست، لتنتهي بـ"جيش الخبراء" في "الشؤون العربية"، وكبار المعلقين والمحللين السياسيين والصحافيين وصغارهم، مروراً بمعاهد الدراسات والأبحاث والتخطيط السياسي على اختلاف أهوائها ومشاربها. وحالة التعبئة العامة هذه لم تظل منحصرة في نطاق التعبير عن المواقف النظرية أو التأليبية أو الريبية، وإنما انتقلت إلى مستوى الممارسة التطبيقية عبر المنحى الترهيبي التقليدي.

كما نشير إلى أن السمة الغالبة على موقف المؤسسة الإسرائيلية إزاء الفلسطينيين في الداخل خلال الأعوام الأخيرة هي أنهم "خطر أمني" أو "عدو داخلي". ومع أنها سمة متأثرة، إلى حدّ بعيد، بالموقف الإسرائيلي الثابت، إلا إنها شهدت تصعيداً يثقب العين منذ العام 2000 الذي شهد هبّة أكتوبر. وبمراجعة سريعة للأعوام الأخيرة، كما توقفنا في أكثر من مناسبة، بوسعنا أن نرى أن الجهد الأساس الذي بذلته حكومات بنيامين نتنياهو كان مُوجّهاً نحو غاية واحدة: قمع التطلعات السياسية للمجتمع الفلسطيني في إسرائيل. وما زلنا نذكر أن ألوف بن، رئيس التحرير الحالي لصحيفة "هآرتس"، أكد قبل أعوام كثيرة أنه على الرغم من أن تصعيد التوتر الداخلي مع الفلسطينيين في الداخل يقترن بشكل عام بعدد من الوزراء في حكومات نتنياهو إلا أن هؤلاء ليسوا أكثر من مجرد حاملين للراية، ويختبئ وراءهم رئيس الحكومة نفسه، وشدّد على أن هذا الأخير هو المبادر والمحرّك لهذه السياسة، على الرغم من أنه يقلّل من الحديث حول الموضوع ومن التحريض ضد العرب.

وأوضح بن آنذاك أن "نتنياهو يرى أن إسرائيل هي جزء لا يتجزأ من الغرب وثقافته. وتاريخ العرب وثقافتهم ولغتهم لا تثير فضوله"، وأشار إلى أن نتنياهو كشف عن سياسته ودوافعه خلال الدورة الثالثة لمؤتمر هرتسليا حول ميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي، في العام 2003، عندما كان وزيرا للمالية في حكومة أريئيل شارون، لكن أقواله لم تحظ بصدى كبير في ذلك الوقت، غير أن التدقيق فيها الآن من شأنه أن يوضح المقاربة التي يتم تطبيقها من جانب حكومته إزاء العرب في الداخل.

ولدى العودة إلى خطاب نتنياهو هذا نقرأ فيه قوله: "إننا نواجه مشكلة ديمغرافية أيضاً، لكنها غير متركزة في عرب فلسطين وإنما في عرب إسرائيل. لا توجد لدينا أي نية للسيطرة على السكان الفلسطينيين، ولذا فإن المشكلة الديمغرافية لن تكون قائمة هناك عندما ينتقل هؤلاء السكان إلى السيادة الفلسطينية. وقد حددنا في وثيقة الاستقلال أننا نقيم دولة يهودية وديمقراطية. دولة يهودية أولا وقبل أي شيء، وبعد ذلك ديمقراطية. وكي لا تلغي الديمقراطية الطابع اليهودي للدولة، يجب ضمان أغلبية يهودية. إن مسألة العلاقة بين الأغلبية اليهودية والأقلية العربية هي قبل أي شيء مسألة مزدوجة، مسألة نسيج العلاقات والقدرة على دمج هذه الأقلية في حياة الدولة وفي الاقتصاد والمجتمع من جهة أولى، ومسألة العدد من جهة أخرى. وإذا ما اندمج السكان العرب بشكل رائع (في الدولة) ووصل عددهم إلى 35 بالمئة أو 40 بالمئة من مجمل عدد سكان الدولة، عندها ستصبح الدولة اليهودية ملغية وتتحول إلى دولة ثنائية القومية. ولو بقيت نسبتهم كما هي عليه الآن، أي حوالي 20 بالمئة، أو حتى أصبحت أقل، لكن العلاقات بقيت متسمة بالصرامة والتحدي والعنف وما إلى ذلك، فإنه في هذه الحالة أيضا سيتم مس ادعائنا بشأن النسيج الديمقراطي. ولذا نحن بحاجة إلى انتهاج سياسة توازن بين هذين الأمرين. وقبل أي شيء يتعين علينا أن نضمن أغلبية يهودية في دولة إسرائيل"!

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

حاخامات يدعون لمنع تشكيل “حكومة تغيير نتنياهو” بأي طريقة

مستقبل "حكومة تغيير نتنياهو"

بغض النظر عن أي نتائج ناجزة، من المؤكد أنها لن تظهر إلا في المستقبل، سجلت القائمة العربية الموحدة تحت قيادة النائب منصور عباس سابقة خطرة بتوقيعها في الأيام الأخيرة اتفاقاً ينصّ على دخولها إلى الحكومة الإسرائيلية الأكثر هُجنةً التي توشك أن تتسلم مقاليد الحكم، في حال عدم ظهور عقبات تعرقل ذلك في آخر لحظة، وهي حكومة لا يجمعها جامع أكثر من هدف إطاحة بنيامين نتنياهو، ووضع حدّ لحكمه المستمر منذ العام 2009.

وتؤكد القائمة الموحدة أن دوافعها براغماتية، غير أن سلوكها ينطوي في العمق على تجاهل لخصوصية الفلسطينيين في إسرائيل حتى لدى التعامل معهم باعتبارهم أقلية، وهي خصوصية ناجمة عن كونهم أقلية وطن وليسوا أقلية مهاجرين، وعن كونهم جزءاً من الشعب الفلسطيني، والحل العادل لقضيتهم لا يمكن أن يكون سوى جزء من الحلّ الكليّ لقضية فلسطين.

للمزيد
سلاح الجريمة بين الفلسطينيين في إسرائيل: حصاد مرّ.

معطيات رسمية: جرائم القتل بالسلاح في المجتمع العربي بين 2013 - 2019 ثلاثة أضعاف نظيرتَها في المجتمع اليهودي!

نشر مراقب الدولة في إسرائيل، مؤخراً، المزيد من فصول تقريره السنوي المفصل، وأفرد مساحة واسعة فيه لموضوع تحت عنوان "تعامل شرطة إسرائيل مع حيازة الأسلحة غير القانونيّة وحوادث إطلاق النار في بلدات المجتمع العربيّ والبلدات المختلطة". وهو ينوّه إلى أن هذا بمثابة "مراقَبة متابعة، والتقرير الحاليّ هو تقرير متابَعة، يقوم بمراجعة عدد من المواضيع التي ناقشها التقرير السابق إلى جانب مواضيع أخرى". التقرير السابق صدر في آب عام 2018، وتناول عدداً من القضايا، من بينها مصادر الوسائل القتاليّة، ومعالَجة محطّات الشرطة لمخالفات الوسائل القتاليّة، ومديريّة المجتمع العربيّ في الشرطة، وخطّة "مدينة خالية من العنف".

للمزيد
ياريف ليفين.

ياريف ليفين: حان الوقت لإجراء تغييرات أساسية في الجهاز القضائي الإسرائيلي

[تعريف: تمثل هجوم اليمين الإسرائيلي على الجهاز القضائي عامة والمحكمة العليا الإسرائيلية، في الآونة الأخيرة، في مقالة نشرها رئيس الكنيست ياريف ليفين، من قادة الليكود وأحد أبرز المقربين لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، قبل نحو عامين، ونعيد هنا نشر مقاطع واسعة منها كونها توضح خلفية هذا الهجوم ومراميه]:

للمزيد
الأحد, يونيو 13, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

الاشتراك في قناة التيليجرام

telegram

متابعينا الأعزاء يرجى متابعة قناة مدار على التيليجرام

 إشترك الآن