لوحظ في جملة من أحدث التحليلات الإسرائيلية أن ثمة التفاتة إلى تفاصيل مسكوت عنها من شأنها أن توسّع آفاق تناول مآلات الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ولبنان، فضلاً عن رسم خارطة للسيناريوهات المتوقعة بشأن مستقبلها، بعيداً في أحيان كثيرة عن ثيمات مركزية تروّج لها الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية.
وفي هذا الصدد لا بد من أن نشير إلى ما يلي:
أولاً، يؤكد د. حنان شاي، وهو زميل باحث في "معهد مسغاف للأمن القومي"، أن طول مدّة الحرب وتكرّسها رويداً رويداً كحرب استنزاف يعملان لصالح إيران بالأساس لأنه كلما طالت الحرب تتآكل صورة "الحسم السريع" لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ويمكن أن يزداد الضغط الدولي لوقف القتال (موقع المعهد، 17/3/2026).
ويُشار في هذا المحور، في تحليلات أخرى، إلى أنه سبق للولايات المتحدة أن واجهت مثل وضعية الاستنزاف العسكري من دون حسم في حرب العراق وحرب أفغانستان واللتين تورطت في كل منهما في حرب طويلة بلا نتيجة واضحة، وفي الحرب الحالية أمست القواعد الأميركية في المنطقة أهدافاً لهجمات ممتدة، فضلاً عن عامل آخر شديد الأهمية هو تهديد الملاحة في مضيق هرمز والذي تترتب عليه أكلاف سياسية واقتصادية أبرزها ارتفاع أسعار النفط عالمياً وتصاعد الضغط الداخلي في الولايات المتحدة ضد الحرب ناهيك عن تشتت التركيز على منافسة الصين.
كذلك يشار إلى أن إسرائيل هي الأكثر حساسية لطول الحرب، لأنه كلما طال أمدها يزداد الضغط العسكري والاقتصادي، ويتعمق استنزاف الجبهة الداخلية وما يستجرّه ذلك من تعطيل للاقتصاد وعمليات النزوح الداخلي وتراجع الاستثمارات والسياحة. ومع طول الحرب تزداد الانتقادات الدولية وتتعاظم احتمالات فرض قيود سياسية أو عسكرية.
ثانياً، ثمة تأكيد على أنه لم يتحقق حتى الآن حسم واضح في الحرب. وبموجب ما يؤكد المحلل العسكري لصحيفة "معاريف" آفي أشكنازي فإن الحرب مستمرة من دون حسم ومن دون توجُّه واضح (22/3/2026). ومع أن إيران تلقّت، برأيه، ضربات قاسية جداً، تأدى عنها إضعاف النظام بشكل ملحوظ، فلا يزال من الصعب تقدير مدى هذا الضعف، والأمر الوحيد الواضح حتى الآن أن النظام لا يزال قائماً، كما أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتمكنا بعد من الوصول إلى الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصّب. علاوةً على ذلك، تعمل إيران على تصدير الحرب إلى العالم، وتفعل ذلك بطريقتين: خلق أزمة نفط وغاز، جرّاء إغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت النفط والغاز لدى جيرانها، من بين أمور أخرى؛ والطريقة الأُخرى هي إطلاق صواريخ نحو دولٍ في المنطقة، بل حتى نحو جزر "دييغو غارسيا" في المحيط الهندي. وبذلك، تبعث طهران رسالة للعالم فحواها أنها قادرة أيضاً على إلحاق الضرر بأوروبا. والآن، باتوا يدركون في إسرائيل أنه يجب الوصول إلى اليورانيوم المخصّب، وضرب منظومات السلاح الباليستي، وطبعاً سلب إيران القدرة على تصعيد أزمة الطاقة العالمية، ومن دون هذه الخطوات، لن يكون في الإمكان إعلان تحقيق إنجاز في المواجهة معها.
ثالثاً، يعتقد د. أريئيل لفيتا، الذي شغل في السابق منصب القائم بأعمال المدير العام للجنة الطاقة النووية ورئيس القسم الاستراتيجي في وزارة الدفاع الإسرائيلية، في سلسلسة من المقابلات التي أدلى بها إلى وسائل إعلام إسرائيلية قبل أسبوع، أن الحرب على إيران تزيد من احتمال توجهها نحو حيازة سلاح نووي. وبرأيه قد تستخلص القيادة الإيرانية أن الأنظمة التي لا تمتلك سلاحاً نووياً تكون أكثر عرضة إلى الهجوم بينما دول مثل كوريا الشمالية نجحت في ردع خصومها. ووفقاً لهذا المنطق، يصبح السلاح النووي ضمانة لبقاء النظام وليس مجرد أداة عسكرية. كما يشدّد على أن هناك فقداناً لثقة إيران بالاتفاقات بعد تجربتي الحرب الحالية والسابقة (حرب الـ12 يوماً في حزيران 2025) وبعد تجربة الاتفاق النووي الإيراني العام 2015، وباتت ترى أن الالتزامات الدولية لا تحميها من العقوبات أو الهجوم، ما من شأنه أن يعزّز أكثر فأكثر خيار الاعتماد على القوة الذاتية. وأضاف هذا الخبير أنه إذا ما شعرت إيران أن بقاء النظام مهدد أو أن الضربات سوف تستهدف العمق الاستراتيجي فقد تنتقل من سياسة "العتبة النووية" إلى قرار تصنيع فعلي للسلاح النووي.
رابعاً، بالنسبة إلى الحرب على لبنان تنوّه آخر التقارير الإسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي سيقوم هذا الأسبوع بإدخال مزيدٍ من القوات إلى المعركة في الشمال، بينما تواصل ثلاثة ألوية القتال المكثف في لبنان ("معاريف"، 22/3/2026). ومع ذلك لا يزال احتمال إزالة تهديد الصواريخ من الشمال ضعيفاً، وعلى ما يؤكد محلل "معاريف" العسكري آفي أشكنازي، في حال تقييم الوضع وفق عدد عمليات الإطلاق نحو المطلة وكريات شمونه ومنطقة "إصبع الجليل"، فإن النتائج ليست مبهرة حتى من وجهة نظر الجيش الإسرائيلي. وبرأيه يبدو كأن التحرك العسكري أقرب إلى "مسكّن ألمٍ لمريض سرطان". كذلك لا يبدو كأن إسرائيل لديها استراتيجيا حقيقية وخطة عمل واضحة، بأهداف ومعايير وجدول زمني. وما يوجد فعلياً هو لا أكثر من أمنيات وأمل بأن تقوم الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، بدعم من السعودية وفرنسا، غير أن احتمال ذلك يبدو ضئيلاً للغاية.
عند هذا الحد ينبغي أن نشير إلى أن رئيس التحرير السابق لصحيفة "معاريف" عيدو ديسنتشيك أطلق على هذه الحرب اسم "حرب لبنان الرابعة" وقد سبقتها حروب 1982 و2006 و2023-2024 وكلها انتهت برأيه بخروج إسرائيل منها وهي تجرّ ذيول الخيبة بعدما مُنيت بالفشل في تحقيق ما كان متوقعاً أو مأمولاً. وأكد أن هذا سيكون أيضاً مصير الحرب الحالية ("معاريف"، 20/3/2026).
خامساً، نصادف توكيدات متطابقة أنه تحت وطأة الحرب على إيران ولبنان تحولت الحرب على قطاع غزة المستمرة منذ يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى جبهة ثانوية، غير أنه في الوقت عينه يؤكد الناطقون بلسان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وفي مقدمهم مئير بن شبات، الرئيس السابق لـ"مجلس الأمن القومي"، أنه تم تكليف قيادة المنطقة العسكرية الجنوبية في الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام ("الشاباك") بعدم السماح لحركة حماس باستعادة عافيتها وقوتها في خضم الانشغال بوقائع الحرب على إيران ولبنان وباستخدام القوة القصوى من أجل تحقيق هذه الغاية ("مكور ريشون"، 20/3/2026).
سادساً، تواتر في الفترة الأخيرة في سياق إسرائيل والحرب على إيران ولبنان اللجوء إلى مصطلح الـ"جازلايتينغ" (Gaslighting) الذي يُستخدم عادة لوصف نمط من التلاعب النفسي أو التلاعب بالعقول يهدف إلى جعل الجمهور يشك في إدراكه للواقع أو يعيد تفسيره وفق رواية السلطة، ويتحدث بعض المحللين داخل إسرائيل وخارجها عن مجموعة مظاهر يمكن قراءتها ضمن هذا الإطار.
ومن بين هذه المظاهر يتم ذكر ما يلي: الانتقائية في عرض المعلومات حيث يتم التركيز على نجاح العمليات العسكرية ودقة الضربات وفي المقابل تغييب الحديث عن الإخفاقات أو عن كلفة الحرب طويلة المدى اقتصادياً وأمنياً، ما يتسبب بصورة ذهنية مؤداها أن الحرب تحت السيطرة.
ولعل أبرز هذه المظاهر يكمن في إعادة تعريف الأهداف في أثناء الحرب. فقد بدأت هذه الأهداف بإسقاط النظام في إيران، وسرعان ما انتقلت إلى منع البرنامج النووي الإيراني، ومنع البرنامج الصاروخي، وإضعاف النفوذ الإقليمي، وأحياناً يدور الحديث حول استعادة الردع وليس أكثر. ومجرّد هذا التبدل يجعل من الصعب على الجمهور تقييم النجاح أو الفشل، لأن معيار النجاح نفسه يتغيّر على وجه السرعة.
المصطلحات المستخدمة:
المطلة, مكور ريشون, مجلس الأمن القومي, شاي, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو